Skip to main content

أوكرانيا: الموت الذي خلّفته وراءها القوات الروسية في بوتشا

حفظ الأدلة أساسي لمحاكمة جرائم الحرب

 

(كييف) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير مفصّل أصدرته اليوم إنّ القوّات الروسيّة ارتكبت على ما يبدو سلسلة من جرائم الحرب أثناء احتلالها بلدة بوتشا، حوالي 30 كيلومتر شمال غرب العاصمة الأوكرانية كييف، بين 4 و31 مارس/آذار 2022.

وجد باحثو هيومن رايتس ووتش الذين عملوا في بوتشا من 4 إلى 10 أبريل/نيسان، بعد أيام من انسحاب القوات الروسية من هناك، أدلّة كثيرة على حصول إعدامات ميدانية، وعمليات قتل غير قانونية أخرى، وأعمال إخفاء قسري وتعذيب، وكلّها من شأنها أن تُشكّل جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية.

قال ريتشارد فير، الباحث في الأزمات والنزاعات في هيومن رايتس ووتش: "تقريبا كل ركن في بوتشا أصبح مسرح جريمة، يمكن الشعور بالموت في كلّ مكان. تُشير الأدلة إلى أنّ القوات الروسية التي احتلت بوتشا تصرّفت بازدراء تجاه حياة المدنيين وأهمّ المبادئ الأساسية لقوانين الحرب".

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مباشرة مع 32 من سكان بوتشا وأخرى عبر الهاتف مع خمسة آخرين، منهم ضحايا وشهود، ومسعفين، وعاملين في مشرحة، وأطباء، وممرضة، ومسؤولين محليين. كما وثّقت هيومن رايتس ووتش وحلّلت أدلة مادية في البلدة، وصور فوتوغرافية وفيديوهات أصليّة قدّمها الشهود والضحايا، وصورا من الأقمار الصناعية.

تُمثل الحالات الموثقة جزءًا صغيرا ممّا بدا أنّها جرائم حرب ارتكبتها القوّات الروسية في بوتشا أثناء احتلال البلدة.

في 15 أبريل/نيسان، قال رئيس النيابة العامة الإقليمية روسلان كرافاتشينكو لـ هيومن رايتس ووتش إنّه عُثِر على 278 جثة في البلدة منذ انسحاب القوات الروسية، غالبيتها العظمى تعود لمدنيين، وهذا العدد مرشح للارتفاع مع اكتشاف المزيد من الجثث. قبل النزاع، كان عدد سكان بوتشا يُقدّر بـ 36 ألفا.

قال سيرخي كابليتشنوي، رئيس مصلحة الدفن في البلدية، إنّ فريقه دفن أثناء فترة الاحتلال الروسي عشرات الجثث في مقابر جماعية خارج كنيسة القدّيس أندرو وجميع القدّيسين، بعد أن امتلأت المشرحة. كما قال إنّ اثنين فقط من الذين دُفنوا هناك كانوا جنودا في الجيش الأوكراني، والبقية مدنيون. حتى 14 أبريل/نيسان، كانت السلطات قد استخرجت أكثر من 70 جثة من موقع الكنيسة.

قال سيرخي ماتيوك، وهو عامل آخر في مصلحة الدفن وساعد في جمع الجثث، إنه جمع بنفسه حوالي 200 جثة من الشوارع منذ بداية الغزو الروسي في 24 فبراير/شباط. قال إنّ معظم الضحايا كانوا رجالا، لكن كان ضمنهم بعض النساء والأطفال، وقال إن جميعهم تقريبا لديهم إصابات بطلقات نارية، بمن فيهم حوالي 50 شخصا كانت أيديهم مقيّدة، ويحملون آثار تعذيب. توحي الجثث التي عُثر عليها وهي مقيّدة بأن الضحايا كانوا محتجزين وأُعدموا ميدانيا.

وثقت هيومن رايتس ووتش تفاصيل 16 عملية قتل غير قانونية على ما يبدو في بوتشا، منها تسعة إعدامات ميدانية وسبع عمليات قتل عشوائية لمدنيِّين: 15 رجلا وامرأة. وفي حالتين موثقتين أخريين، أصيب مدنيون بالرصاص، منهم رجل أصيب في رقبته بينما كان واقفا في شرفة مغلقة في شقته مع أسرته، وفتاة عمرها تسع سنوات أصيبت في كتفها بينما كانت تحاول الهروب من القوات الروسية.

كانت هيومن رايتس ووتش قد وثقت سابقا إعدام ميداني تمت في بوتشا يوم 4 مارس/آذار، استنادا إلى معلومات من شهود تمكنوا من الفرار من البلدة. في تلك الحالة، اعتقلت القوات الروسية خمسة رجال وأطلقت عليهم النار في مؤخرة رؤوسهم، بحسب أحد الشهود. وفي حالة أخرى تم توثيقها سابقا، توفي في 5 مارس/آذار فيكتور كوفال (48 عاما) في هجوم للقوات الروسية على منزله حيث كان يحتمي مع مدنيين آخرين.

نفت وزارة الدفاع الروسية المزاعم المتعلقة بقتل المدنيين من قبل قواتها في بوتشا، وقالت في منشور على "تيليغرام" يوم 3 أبريل/نيسان: "لم يتعّرّض أيّ مواطن محلي لأعمال عنف" حين كانت بوتشا "تحت سيطرة القوات الروسية المسلحة"، زاعمة أنّ الأدلة على الجرائم هي "خدعة، ومشاهد مفبركة، واستفزاز" من قبل السلطات في كييف.

قال سكان بوتشا إنّ القوات الروسية دخلت بلدتهم لأول مرة يوم 27 فبراير/شباط، لكن تمّ إخراجها إلى الجزء الأوسط من البلدة بسبب القتال العنيف. وفي 4 مارس/آذار، عادت القوات الروسية، وبحلول 5 مارس/آذار سيطرت إلى حدّ كبير على البلدة. وبعد ذلك أصبحت بوتشا قاعدة استراتيجية في جهود القوات الروسية للتقدّم نحو كييف. قال شهود إنّ العديد من الوحدات العسكرية الروسية عملت في بوتشا أثناء الاحتلال.

بُعيد احتلالها البلدة، تنقلت القوات الروسية من باب إلى آخر وفتشت المباني السكنية بدعوى "مطاردة النازيين". في العديد من المواقع، بحثوا عن الأسلحة، واستجوبوا السكان، وأحيانا اعتقلوا الرجال، بزعم عدم امتثالهم للأوامر، أو دون سبب محدد. قال أقارب للمحتجزين إنّه لم يتم إخطارهم باعتقال أقاربهم، ولم يتمكنوا بعدها من الحصول على معلومات حول مكان احتجازهم. هذا يرقى إلى الإخفاء القسري، وهو جريمة بموجب القانون الدولي في جميع الظروف.

عُثِر على جثث بعض الذين اختفوا قسرا، بما يشمل حالتين وثقتهما هيومن رايتس ووتش، في الشوارع والساحات أو في الأقبية بعد انسحاب القوات الروسية، وكان بعضها يحمل علامات تعذيب. قالت سلطات نزع الألغام الأوكرانية إنها وجدت أفخاخا متفجرة على جثتين على الأقل.

احتلّت القوات الروسية منازل ومباني أخرى مدنية، منها مدرستان على الأقل، ما جعل هذه المواقع أهدافا عسكرية. قال شخصان يسكنان في إحدى البنايات إنّ القوات الروسية أمرت الباقين في المبنى بالانتقال إلى القبو وترك أبواب شققهم مفتوحة، ثم انتقلت هي إليها، وكلما وجدت الباب مغلقا، فتحته عنوة وخرّبت الشقة، بحسب السكان.

قال العديد من السكان إنّ القوات الروسية أطلقت النار عشوائيا على المدنيين الذين حاولوا الخروج. أصيب فاسيل يوشنكو (32 عاما) في الرقبة لما ذهب لتدخين سيجارة في شرفة مغلقة في شقته. قالت ممرضة إنها عالجت عشرة أشخاص يحملون إصابات خطيرة، منهم الفتاة التي أُطلق عليها النار لما كانت تحاول الفرار من القوات الروسية. قُتل الرجل الذي كانت هاربة معه، واضطُرت للخضوع لبتر ذراعها.

قال عمال مصلحة الدفن إنّ بعض الأشخاص أصيبوا أو قتلوا في انفجارات، وعلى الأرجح أثناء قصف القوات الروسية للبلدة في بداية الهجوم، أو أثناء تبادل القصف المدفعي بين القوات الروسية والأوكرانية.

ألحقت القوات الروسية أضرارا بالمنازل والشقق التي أقامت فيها، واستولت على الممتلكات كما قال السكان، ومنها أجهزة التلفزيون والمجوهرات. رغم أنّه يُمكن لقوات الاحتلال مصادرة الممتلكات لاستخدامها مقابل التعويض، فإنّ أعمال السلب – أو النهب كما تسميه قوانين الحرب – محظورة بشكل مطلق، لا سيما عندما يتم الاستيلاء على الممتلكات للاستخدام الشخصي أو الخاص.

قال السكان إنّ حصولهم على الماء، والطعام، والكهرباء، والتدفئة، وخدمات الهاتف الخلوي كان مقيدا أثناء الاحتلال. قال رجل إنّه دفن جاره المُسنّ، الذي كان يعتمد على مكثف أوكسيجين، بعد أن توفي بسبب انقطاع الكهرباء الذي أدّي إلى توقّف الآلة.

وثقت هيومن رايتس ووتش وتلقت تقارير عمّا بدا أنها جرائم حرب نفذتها القوات الروسية في بلدات أخرى، مثل أدريفيكا، وهوستوميل، وموتيجن، ومن المرجح ظهور أدلة أخرى مع تحسن الوصول إلى مواقع جديدة. في 15 أبريل/نيسان، أعلن مسؤول رفيع في الشرطة الأوكرانية أن السلطات حدّدت 900 مواطن أوكراني في منطقة كييف قُتلوا على يد القوات الروسية أثناء الاحتلال، غير أن ظروف الوفيات هذه تظلّ غير واضحة.

قال رئيس النيابة العامة الإقليمية في بوتشا لـ هيومن رايتس ووتش يوم 15 أبريل/نيسان إنّه عُثر على أكثر من 600 جثة في كل أنحاء إقليم بوتشا، التابع لمنطقة كييف، والبالغ عدد سكانه حوالي 360 ألفا. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التحقق من هذه الأرقام.

جميع أطراف النزاع المسلح في أوكرانيا ملزمون بالامتثال للقانون الإنسان الدولي، أو قوانين الحرب، بما في ذلك "اتفاقيات جنيف" لسنة 1949، و"البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف"، والقانون العرفي الدولي. تخضع القوات المتحاربة ذات السيطرة الفعلية على منطقة ما إلى القانون الدولي للاحتلال. كما ينطبق القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يسري في جميع الأوقات.

تحظر قوانين الحرب القتل العمد والعشوائي، والتعذيب، والإخفاء القسري، والمعاملة اللاإنسانية بحق المقاتلين والمدنيين الأسرى أثناء الاحتجاز. كما تحظر السلب والنهب. كلّ من يأمر بهذه الأعمال أو يرتكبها عمدا، أو يساعد أو يحرّض على ارتكابها، يكون مسؤولا عن جرائم الحرب. قادة القوات الذين علموا بهذه الأعمال أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بها ولم يحاولوا إيقافها أو معاقبة المتورطين فيها يتحملون المسؤولية الجنائية على جرائم الحرب نتيجة مسؤولية القيادة.

على السلطات الأوكرانية إيلاء الأولويّة لجهود حفظ الأدلة التي يُمكن أن تكون حاسمة في محاكمات جرائم الحرب، بما في ذلك عن طريق تطويق المقابر الجماعية حتى يتم استخراج الجثث بطريقة مهنية، وتصوير الجثث والمناطق المجاورة قبل الدفن، وتدوين أسباب الوفاة حيثما أمكن، وتسجيل أسماء الضحايا وتحديد الشهود، والبحث عن المخلفات ذات الدلالة التي ربما تكون القوات الروسية قد تركتها وراءها.

على الحكومات والمنظمات والمؤسسات الأخرى التي تسعى إلى المساعدة في تحقيقات جرائم الحرب العمل بشكل وثيق مع السلطات الأوكرانية حتى يكون التعاون فعليّا ومجديا.

لدعم جهود محاسبة الجرائم الدولية الخطيرة، يتعين على أوكرانيا الانضمام على وجه السرعة إلى معاهدة "المحكمة الجنائية الدولية" لتصبح عضوا رسميا فيها. كما يتعين على السلطات العمل على مواءمة تشريعاتها الوطنية مع القانون الدولي.

قال فير: "ضحايا ما بدت أنها جرائم حرب في بوتشا يستحقون العدالة. على السلطات الأوكرانية، بدعم من المجتمع الدولي، إعطاء الأولوية لحفظ الأدلة، وهو أمر بالغ الأهمية لضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم يوما ما".

لمزيد من التفاصيل عن حالات محدّدة والمعلومات عن حفظ الأدلة، يُرجى الاطلاع على التقرير كاملا بالإنغليزية.

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

المنطقة/البلد
الموضوع

الأكثر مشاهدة