متظاهرون إيرانيون يجتمعون حول سيارة تحترق خلال مظاهرة ضد زيادة أسعار البنزين في العاصمة طهران، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

© 2019 أ ف ب/غيتي إيمجز

(بيروت) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن قوات الأمن الإيرانية تستخدم القوة المفرطة على ما يبدو ضد المحتجين الذين تظاهروا بعد زيادة الحكومة المفاجئة في أسعار المحروقات في البلاد. أمرت السلطات بقطع الإنترنت بشكل شبه كامل. تُظهر مقاطع الفيديو النادرة للاحتجاجات على وسائل التواصل الاجتماعي وسط قطع الإنترنت إطلاق قوات الأمن النار مباشرة على المتظاهرين في مدن مختلفة.

وفقا لوسائل إعلام إيرانية، اندلعت الاحتجاجات في أكثر من 100 مكان في إيران في 16 نوفمبر/تشرين الثاني بعد إعلان الحكومة مساء 15 نوفمبر/تشرين الثاني عن زيادة حادة في أسعار المحروقات. أكدت مصادر حكومية مقتل خمسة أشخاص على الأقل خلال الاحتجاجات والقمع العنيف على يد السلطات، من بينهم شرطي. تُقدّر جماعات حقوقية إيرانية أن عدد الضحايا أكثر بالعشرات؛ صرحت  "منظمة العفو الدولية" أن أكثر من 100 محتج يعتقد أنهم قتلوا. أفادت "وكالة فارس للأنباء"، المقربة من "الحرس الثوري الإسلامي الإيراني"، أنه بحلول 17 نوفمبر/تشرين الثاني، اعتقلت السلطات ألف شخص وتضرر أكثر من 100 مصرف في الفترة نفسها. أمر "مجلس الأمن القومي" بقطع الإنترنت عن البلاد اعتبارا من مساء 15 نوفمبر/تشرين الثاني. لا يزال الإيرانيون العاديون معزولين إلى حد كبير عن الشبكة العالنية، مع وصول بعض وكالات الأخبار والمكاتب الحكومية إلى الإنترنت على ما يبدو. بحلول 19 نوفمبر/تشرين الثاني، تدنّى الاتصال بالشبكة إلى مستوى مذهل بلغ 4% من المستوى الطبيعي.

قال مايكل بَيج، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "تقمع السلطات بعنف الإيرانيين الذين ضاقوا ذرعا بالحكومة المنتهِكة وسياساتها المسيئة، والذين يتحملون الآثار الاقتصادية السلبية لتجديد العقوبات الأمريكية. عبر قطعها الإنترنت عن الإيرانيين، تأمل السلطات إخفاء حملتها الدموية ضد شعبها عن بقية العالم".

أظهرت مقاطع فيديو وصور على وسائل التواصل الاجتماعي استعرضتها هيومن رايتس ووتش احتجاجات في مدن طهران، وأصفهان، وشيراز ومدن أخرى عديدة في مقاطعات البرز، وأصفهان، وطهران، وكردستان، وكهغيلويه، و بوير أحمد، وإيلام، وكرمان، وخوزستان، مع اشتعال النيران في مصارف ومحطات وقود ومبانٍ حكومية. أكدت مواقع الأخبار الرسمية والسلطات مقتل خمسة متظاهرين (اثنان في مدينة بومين وواحد في مدينة شهريار وواحد في مدينة إسلام شهر، وجميعها تقع في محافظة طهران، ومقتل متظاهر آخر في سيرجان في محافظة كرمان)، بالإضافة إلى مقتل شرطي.

أكد محمد محمود عبادي، حاكم سرجان المؤقت، وفاة أحد المتظاهرين في الاحتجاجات التي اندلعت ليلة 15 نوفمبر/تشرين الثاني عشية ارتفاع أسعار البنزين. أضاف أنه يُمنع على قوات الأمن إطلاق النار مباشرة على المتظاهرين ويمكنها فقط إطلاق النار في الهواء لحماية خزانات الوقود في المدينة. في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، قال مسعود مرسل پور، حاكم شهريار، لوكالة أنباء فارس إن من بين "مثيري الشغب"، كما دعاهم، أشخاص كانوا يعتزمون الدخول إلى قاعدة "الباسيج" في حي تشهاردنغي، ما تسبب بمقتل شخص وجرح سبعة آخرين.

أخبر عضو البرلمان أسد الله عباسي "وكالة انتخاب للأنباء" أن محمود شاهنشين، وهو عضو البرلمان عن شهريار، ذكر في مؤتمر صحافي مغلق حول احتجاجات أسعار الوقود أن أحد المحتجين، الذي كان يُعتقد أنه قُتل في البداية برصاصة، مات لإصابته بحجر أفقده الوعي. لكن تُظهر مقاطع الفيديو المتعددة المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي للاحتجاجات استهداف قوات الأمن المتظاهرين مباشرة. تُظهر مقاطع فيديو متعددة منشورة على "تويتر" مثلا قيام قوات الأمن في مدينتي جوانرود في محافظة كرمانشاه وشهريار في محافظة طهران بإطلاق النار مباشرة على المتظاهرين على ما يبدو. وفي مقطع فيديو آخر، يذكر أنه صُور بالقرب من شارع وفادار في طهران، يبدو أن قوات الأمن تطلق النار مباشرة على المتظاهرين الذين يرمون الحجارة. أكدت شرطة كرمانشاه مقتل شرطي بإطلاق رصاص خلال الاشتباكات.

مساء 15 نوفمبر/تشرين الثاني، أشارت "نتبلوكس"، وهي منظمة غير حكومية دولية تراقب قطع الإنترنت وفرض قيود أخرى عليها، إلى حدوث خلل كبير، وفي نهاية المطاف انقطاع شبه كامل للإنترنت في إيران. في 18 نوفمبر/تشرين الثاني، أكد وزير الاتصالات الإيراني محمد جواد آذری جهرمی إصدار "مجلس الأمن القومي" قرارا بقطع الإنترنت. وفقا لنتبلوكس، في 19 نوفمبر/تشرين الثاني، تدنّى اتصال إيران بالإنترنت إلى 4% من مستواه الطبيعي. أفاد إيرانيون عديدون أيضا عن تلقيهم رسائل نصية من مكاتب قضائية في محافظة البرز على ما يبدو تحذرهم من حضور الاحتجاجات وتهددهم بالملاحقة القضائية.

في 18 نوفمبر/تشرين الثاني، قالت "وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية" (إيرنا) إن قوات الحرس الثوري الإيراني في محافظة البرز اعتقلت 150 من قادة الاضطرابات. أضافت الوكالة أن "بعض المعتقلين اعترفوا بأنهم جُنّدوا على يد أشخاص تدربوا داخل البلاد وخارجها وتلقوا أموالا للإضرار بالممتلكات العامة". في اليوم نفسه، أعلن الحرس الثوري في بيان أن قواته "سترد على استمرار الإضرابات بطريقة ’حاسمة وثورية‘ إذا لزم الأمر".

اعتقلت السلطات أيضا عددا من المنتقدين والناشطين خلال الأيام القليلة الماضية. ووفقا لجماعات حقوقية محلية، اعتقلت السلطات سهى مرتضاي، طالبة كانت تعتصم احتجاجا على الحظر المفروض عليها لمواصلة تعليمها، وعبد الرضا داوري، ناشط سياسي مقرب من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وسبيده قليان، ناشطة في مجال حقوق العمال أُطلق سراحها من السجن مؤخرا. تظهر مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مشاركة قليان في الاحتجاجات.

بموجب المعايير الحقوقية الدولية، يمكن لقوى الأمن استخدام القوة فقط في حالات الضرورة القصوى ولتحقيق هدف مشروع مرتبط بفرض الأمن. ينبغي لقوات الأمن استخدام الغاز المسيل للدموع عند الضرورة فقط لتفادي المزيد من الأذى الجسدي؛ عند الإمكان، عليها إعطاء إنذار مسبق، وينبغي أن تأخذ في الاعتبار تأثير استخدامها المحتمل للغاز على الفئات الضعيفة، وخصوصا الأطفال، خاصة ضمن الأماكن المغلقة أو من مسافة قريبة. خلال المظاهرات العنيفة، ينبغي استخدامه بشكل يتناسب مع خطورة الاعتداء، ولتطبيق هدف إنفاذ القانون، ويجب استعماله مع وسائل أخرى غير قاتلة. لا يُسمح باستخدام القوة القاتلة عمدا إلا عند ضرورة حماية الحياة.

تتطلب "المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية" من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون من السلطات الإبلاغ الفوري عن جميع حوادث إنفاذ القانون التي تقتل أو تصيب أشخاصا يحملون أسلحة نارية من خلال عملية إدارية أو قضائية مستقلة.

تنتهك عمليات قطع الإنترنت العديد من الحقوق، منها الحق في حرية التعبير، والوصول إلى المعلومات، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات. بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، إيران ملزمة بضمان وجود سند قانوني للقيود على الإنترنت، وأن تكون هذه القيود استجابة ضرورية ومتناسبة لمخاوف أمنية محددة. ينبغي ألا يستخدم المسؤولون عمليات قطع واسعة وعشوائية للحد من تدفق المعلومات، أو الإضرار بقدرة المدنيين على التجمع بحرية والتعبير عن آرائهم السياسية.

قال بَيج: "تستميت السلطات الإيرانية لقطع التدفق العالمي والداخلي للمعلومات في إيران على أمل أن يغض العالم الخارجي الطرف عن القمع الوحشي. ينبغي للهيئات الدولية الضغط على السلطات الإيرانية لإعادة الاتصال بالإنترنت والتحقيق في الانتهاكات فورا".