أجهزة الإغاثة تبحث عن ناجين بعد غارة جوية شنتها جماعة مسلحة تعرف بالجيش الوطني الليبي على منزل خاص وأسفرت عن مقتل 3 أطفال في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2019 في طرابلس، ليبيا.

© 2019 جهاز الإسعاف والطوارئ في طرابلس

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن غارة جوية من قبل "الجيش الوطني الليبي" على منزل في منطقة سكنية في طرابلس، يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 2019، أسفرت عن مقتل ثلاث فتيات، وإصابة أخت أخرى ووالدتهن، في ما يبدو أنه خرق لقوانين الحرب. هذا الهجوم على المدنيين هو أحد الهجمات العديدة التي تتطلب إجراء تحقيق محايد ومستقل لتحديد المسؤولية ومحاسبة المسؤولين.

تحت قيادة الجنرال خليفة حفتر، نفذ الجيش الوطني الليبي، وهو مجموعة مسلحة، والقوات التابعة له سلسلة من الغارات الجوية التي أوقعت ضحايا من المدنيين. بدأ الجيش الوطني حملة عسكرية في أبريل/نيسان لانتزاع العاصمة، طرابلس، من القوات التابعة لـ "حكومة الوفاق الوطني" التي مقرها في طرابلس والمعترف بها دوليا.

قال إريك غولدستين، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "أظهر الجنرال حفتر وقواته مرارا استخفافهم بحياة المدنيين من خلال هجمات عشوائية أو غير متناسبة ضد المدنيين والبنى التحتية المدنية. هناك حاجة ماسة إلى إجراء تحقيق مستقل من قبل الأمم المتحدة لتحديد المسؤولية عن هذه الغارات الجوية، وضمان العدالة في ما يخص جرائم الحرب، وتعويض أسر الضحايا".

خلال الغارة الجوية يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول، دمر الجيش الوطني الليبي منزلا في حي الفرناج السكني في طرابلس، ما أدى إلى قتل ثلاث شقيقات أعمارهن أربع وخمس وسبع سنوات، وإصابة شقيقة أخرى، عمرها ثلاث سنوات، ووالدة الفتيات، وفقا لبيان صادر عن تحالف عملية "بركان الغضب" العسكرية التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبي، الذي يقاتل الجيش الوطني الليبي. حدد البيان الضحايا بالاسم. قال المتحدث الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي أحمد المسماري إن غارة جوية استهدفت "غرفة عمليات إرهابية"، ونفى استهداف المدنيين.

منزل خاص مدمر بعد غارة جوية شنتها جماعة مسلحة تعرف بالجيش الوطني الليبي وأسفرت عن مقتل 3 أطفال في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2019 في طرابلس، ليبيا.

© 2019 جهاز الإسعاف والطوارئ في طرابلس

نفى الجيش الوطني الليبي، المدعوم من قبل الحكومة المؤقتة في شرق ليبيا، بشكل مستمر مقتل مدنيين رغم وجود أدلة متزايدة عن مسؤوليته.

قالت الأمم المتحدة إن القتال بين المجموعتين في طرابلس وحولها أسفر، منذ أبريل/نيسان، عن مقتل ما لا يقل عن 100 مدني وتهجير 120 ألف.

حمل بيان حكومة الوفاق الوطني مسؤولية الهجوم للجيش الوطني الليبي، مثلما فعلت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، في حين نسبت سفارة الولايات المتحدة ذلك إلى "القوات التي تحاصر" طرابلس.

تحدثت هيومن رايتس ووتش عبر الهاتف مع حسام الطير، وهو من سكان طرابلس، الذي شاهد الغارة الجوية وكان من بين أول المستجيبين للحادث، ومع أسامة علي، المتحدث الرسمي باسم "جهاز الإسعاف والطوارئ" في طرابلس. قال الطير، الذي كان يؤدي عملا خاصا في المنطقة، إنه لاحظ حوالي الظهر طائرة مقاتلة تحلق لعدة دقائق فوق المنطقة، ثم أسقطت قنبلة على منزل خاص في منطقة سكنية مزدحمة. قال إنه ركض نحو المنزل ورأى عمودا كبيرا من الدخان يتصاعد.

وقال: "عندما وصلت إلى المنزل، الذي يتكون من طابقين وملحق صغير، رأيت أنه قد دُمر بالكامل. كان الناس قد بدأوا للتو تسلق الأنقاض للبحث عن ناجين. كان الأب في الخارج مع إحدى الفتيات التي كانت مُغطاة بغبار رمادي، لكنه غادر بسرعة لاصطحابها إلى المستشفى. قال أحد الجيران إن ثلاثة أطفال آخرين يتواجدون داخل المنزل مع أناس آخرين، فبدأتُ في إزالة الحجارة والحطام بيدي إلى أن وصلت أجهزة الأمن والإسعاف".

قال إنه غادر عندما حضرت فرق إغاثة مزودة بجرافة للبحث عن الناجين لأنه لم يعد قادرا على الرؤية بسبب الغبار الذي غطى عينيه.

قال علي إن جهاز الإسعاف والطوارئ انتشل جثث الأخوات الثلاث من بين الحطام. وقال إن الأسرة كانت تستأجر المنزل مؤقتا بعد أن نزحت من منطقة الخلة في الضاحية الجنوبية لطرابلس بسبب القتال الدائر هناك.

قال كلا الرجلين إن طائرة مقاتلة قصفت المنزل. أظهرت الصور ومقاطع الفيديو من موقع الحادث، التي راجعتها هيومن رايتس ووتش، ضررا تسبب فيه قصف جوي.

قال الطير وعلى إن المنزل المستهدف يقع على بعد 20 متر من مركّب المخابرات العسكرية. وقالت بعض مصادر المحلية إن المركّب، الذي بدا غير مُتضرر، لم يكن مستعملا.

قال مصطفى المجعي، المتحدث باسم عملية بركان الغضب في طرابلس، لـ هيومن رايتس ووتش إن المركّب المجاور للمنزل الذي تعرض للقصف كان مبنى إداريا في ملكية القيادة العسكرية. وقال إن المركّب غير مستعمل حاليا وليس لديه أي دور في الهجوم العسكري ضد الجيش الوطني الليبي.

لم يُقدم الجيش الوطني الليبي أي أدلة تبين أنه كان هدفا عسكريا وتبرر استهدافه على الرغم من كونه يقع في حي مدني.

قال كل من الطير وعلي إنهما لم يريا أي معدات عسكرية داخل المنزل الذي تم قصفه أو حوله. تبدو الصور ومقاطع الفيديو للهجوم التي راجعتها هيومن رايتس ووتش منسجمة مع هذه التصريحات.

بموجب قوانين الحرب، يجب ألا يكون المدنيون والمنشآت المدنية هدفا للهجمات. الأطراف المتحاربة ملزمة باتخاذ جميع الاحتياطات المُمكنة للتقليل إلى أدنى حد من الأذى الذي يلحق بالمدنيين والمنشآت المدنية، والامتناع عن الهجمات التي من شأنها إلحاق ضرر غير متناسب بالسكان المدنيين أو عدم التمييز بين المقاتلين والمدنيين.

تحظر قوانين الحرب أيضا الهجمات غير المتناسبة - التي تتسبب في خسائر في أرواح المدنيين أو الإضرار بالمنشآت المدنية التي من شأنها أن تكون مُفرطة فيما ما يتعلق بالمنفعة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة من الهجوم.

بينما لا تستطع هيومن رايتس ووتش تأكيد وضع المركّب المجاور للمنزل المستهدف، إلا أن حكومة الوفاق الوطني ملزمة من حيث المبدأ بضمان ألا يُجاور المدنيون منشآت العمليات العسكرية، نظرا للخطر المتزايد بسبب تواجدهم في خط النار.

منذ 4 أبريل/نيسان، وثقت هيومن رايتس ووتش غارات جوية أخرى للجيش الوطني الليبي أسفرت عن مقتل أو جرح مدنيين وتدمير منازل ومنشآت مدنية، دون اتخاذ أي تدابير على ما يبدو ضد المسؤولين ودون أي تعويض أو مدفوعات للمدنيين. شملت هذه الهجمات غارة على مركز احتجاز المهاجرين في تاجوراء في يوليو/تموز أسفرت عن مقتل 46 مدنيا.

في 6 أكتوبر/تشرين الأول، هاجم الجيش الوطني الليبي "نادي جنزور للفروسية"، في منطقة جنزور في طرابلس، ما أدى إلى إصابة ستة أطفال ومقتل عدة خيول. أجرى موظفو الأمم المتحدة تقييما لتحديد الموقع المستهدف وطبيعة الهجوم ووجدوا، متهمين الجيش الوطني الليبي، أن "طائرة مقاتلة ألقت أربع قنابل غير موجهة على نادي الفروسية، وهو مرفق مدني، وأنه لا توجد ممتلكات عسكرية ولا بنى تحتية عسكرية في الموقع المستهدف".

لدى مقاتلي الجيش الوطني الليبي سجل موثق جيدا من الإعدامات بإجراءات موجزة بحق المدنيين والمقاتلين، والتهجير القسري، والتعذيب، وإخفاء الأشخاص، وتنفيذ هجمات عشوائية أو غير متناسبة أضرت بالمدنيين. كما تتوفر الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق الوطني على سجل من الانتهاكات تشمل إعدام بإجراءات موجزة بحق المقاتلين الأسرى، والاعتقال التعسفي، والتهجير القسري، والتعذيب، والإخفاء.

بسبب الانهيار الجزئي لنظام العدالة الجنائية المحلي، لم تُحقق السلطات الليبية أو تحاكم المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة. تتمتع المدعية العامة لدى "المحكمة الجنائية الدولية" بتفويض للتحقيق في جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية في ليبيا، منذ 2011. أصدرت المحكمة مؤخرا مذكرتَيْ توقيف بحق محمود الورفلي، وهو قائد في صفوف الجيش الوطني الليبي، لجريمة حرب متمثلة في قتل متصل بالأحداث بين يونيو/حزيران 2016 ويناير/كانون الثاني 2018.

كما أن سيف الإسلام القذافي ما زال خاضعا لمذكرة إيقاف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية لدوره المزعوم في هجمات على المدنيين خلال انتفاضة 2011 في البلاد. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضا مذكرة إيقاف ضد التهامي محمد خالد، وهو مسؤول سابق في حكومة القذافي، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في ليبيا بين فبراير/شباط وأغسطس/آب 2011. ويظل مكان تواجدهما مجهولا.

فرضت الأمم المتحدة نظام عقوبات وحظر أسلحة على ليبيا، لكنها لم تستخدمه بشكل فعال لمعاقبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه، وبالنظر إلى حالة الإفلات من العقاب الراهنة في ليبيا، هناك حاجة ماسة إلى تحقيق دولي، مثل لجنة مستقلة للتحقيق أو هيئة مماثلة، تتوفر على تفويض لتوثيق الانتهاكات بشكل نزيه، وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات، وتقديم تقارير علنية فيما يتعلق بحالة حقوق الإنسان في ليبيا. هناك فرضة مقبلة لإجراء مثل هذا التحقيق خلال دورة مارس/آذار 2020 لـ "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة". وقد وافق بالفعل كل من المبعوث الأممي الخاص لليبيا غسان سلامة، والمفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان، والعديد من الحكومات الأوروبية على مثل هذه الخطوة.

قال غولدستين: "هناك حاجة قوية إلى تركيز أقوى على العدالة والمساءلة في ليبيا لمنع مزيد من الجرائم. في ظل استمرار الهجمات، يدفع المدنيون – وفي هذه الحالة الأطفال الصغار – حياتهم ثمنا".