(بروكسل) – قالت "هيومن رايتس ووتش اليوم" - بمناسبة نشر وثيقة أسئلة وأجوبة عن هذه القضية - إن طلب المدعية العامة لـ "المحكمة الجنائية الدولية" بإجراء تحقيق في أفغانستان سيفتح طريقا طال انتظاره نحو العدالة لضحايا الجرائم الدولية الخطيرة. ستقرر لجنة مكونة من 3 قضاة من المحكمة الجنائية الدولية ما إذا كانت المحكمة تستطيع التدخل كملاذ أخير للتصدي لأسوأ التجاوزات المرتكبة في أفغانستان.

أسفر النزاع المسلح الجاري في أفغانستان عن انتهاكات عديدة لقوانين الحرب من جانب المتحاربين. تسببت هجمات "طالبان" والمتمردين الآخرين الموجهة ضد المدنيين بوقوع آلاف الضحايا المدنيين. لم تحاكم الحكومة الأفغانية انتهاكات التعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون التي ارتكبتها الشرطة وقوات الأمن الأفغانية. كما ارتكبت القوات الدولية، وخاصة القوات المسلحة الأمريكية و"وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية" (سي آي إيه)، انتهاكات خطيرة في أفغانستان.

قال ريتشارد ديكر، مدير برنامج العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش: "يمثل طلب المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية تحذيرا لمرتكبي الجرائم الخطيرة في أفغانستان الذين يعتقدون أنهم يستطيعون الهروب من العدالة. التحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، بما فيها تلك التي تورط فيها مسؤولون أمريكيون، يوجه رسالة قوية مفادها أنه مهما كانت دولتهم قوية، لن يكون أي أحد فوق القانون."

المحكمة الجنائية الدولية لها ولاية على الجرائم الدولية الخطيرة من قبل أي شخص في أفغانستان منذ 1 مايو/أيار 2003، عندما انضمت أفغانستان إلى "نظام روما الأساسي"، المعاهدة المنشئة للمحكمة.

يسعى طلب المدعية العامة إلى الحصول على الإذن بالتحقيق في الجرائم المزعومة ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبتها طالبان والقوات التابعة لها، قوات الأمن الوطني الأفغانية، والقوات المسلحة الأمريكية والسي آي إيه. المحكمة لها ولاية قضائية على الجرائم الدولية الخطيرة المرتكبة من قبل أي شخص في أفغانستان منذ 1 مايو/أيار 2003، عندما انضمت افغانستان إلى نظام روما الأساسي، المعاهدة التأسيسية للمحكمة.

بالإضافة إلى الجرائم المزعومة المرتكبة في أفغانستان، يزعم أن عددا محدودا من الجرائم قد ارتكب في مراكز احتجاز سرية تابعة للسي آي إيه في بولندا ورومانيا وليتوانيا، وجميعها أطراف في نظام روما الأساسي (بولندا ورومانيا منذ 1 يوليو/تموز 2002، وليتوانيا منذ 1 أغسطس/آب 2003). بحسب المدعية العامة، هذه الجرائم المزعومة "ترتبط ارتباطا كافيا بمعطيات الوضع الحالي وتندرج في إطارها".

على مدى العقد الماضي، نفذت حركة طالبان العديد من الهجمات الانتحارية وغيرها من الهجمات المتعمدة على آلاف المدنيين. من ضحايا الاغتيالات قضاة ومشرعون وأعيان كبار في السن وصحفيون لقوا حتفهم في هجمات انتحارية أو هجمات بعبوات ناسفة استهدفت المركبات أو المباني التي يستخدمها هؤلاء المدنيون. تتبنى طالبان هذه الهجمات وتجد لها مبرّرات لأنها ترفض التعريف المقبول دوليا للمدنيين. بعض الجماعات المتمردة، بما في ذلك تلك التي تنتمي إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف بـ "داعش")، نفذت هجمات على المدارس.

وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات حقوقية خطيرة، بما فيها الإعدامات غير الشرعية، الاخفاء القسري، والتعذيب المنهجي على يد قوات الحكومة الأفغانية، ولا سيما "المديرية الوطنية للأمن" والشرطة الوطنية والشرطة المحلية الأفغانية. شمل التعذيب الصدمات الكهربائية، الضرب المبرح، ثقب رؤوس المحتجزين بالمقدح، التعليق لفترات مطولة، والإغراق تحت الماء. وثقت الأمم المتحدة نمطا متسقا ومنهجيا للتعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة الأفغانية. كما هاجمت الميليشيات الممولة والمدعومة من الحكومة المدنيين.

ما يزال الإفلات من العقاب على هذه الجرائم المزعومة هو القاعدة. عام 2017، شرعت الحكومة الأفغانية في إجراءات ضد مسؤول حكومي بارز بسبب خطفه منافسا سياسيا واعتدائه عليه، كما قامت بتأديب عدد من أفراد الأمن والضباط الآخرين. لكن لم تتم محاكمة أي مسؤول كبير بالجيش الوطني الأفغاني أو الشرطة الوطنية الأفغانية أو قوات الدفاع الوطني، بما في ذلك الذين وردت أسماؤهم في تقارير حقوق الانسان.

يشمل طلب المدعية العامة أيضا الجرائم المزعومة التي ارتكبتها القوات المسلحة الأمريكية والسي آي إيه. منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على أفغانستان في أواخر 2001، وثقت هيومن رايتس ووتش التعذيب وغيره من الانتهاكات الخطيرة من قبل السي آي إيه والجيش الأمريكي، بما في ذلك الضرب المبرح، الحرمان من النوم مع وضع المعتقلين في وضعيات إجهاد مؤلمة، الحبس في صناديق صغيرة، التعرية القسرية، الحرمان من الطعام والماء، الإيهام بالغرق، والتعرض لدرجات حرارة شديدة الانخفاض أدت في حالة واحدة على الأقل إلى الوفاة. لم تحقق الولايات المتحدة في هذه الانتهاكات بشكل دقيق أو موثوق، مما سمح للمتورطين بالهروب من العدالة.

قالت المدعية العامة في طلبها إنها "لم تتمكن من الحصول على معلومات أو أدلة محددة بدرجة كافية من الدقة والقيمة الثبوتية تبين أن الإجراءات قد اتخذت فيما يتعلق بحالات إساءة معاملة المحتجزين المزعومة من جانب أفراد القوات المسلحة الأمريكية في أفغانستان".

بالإضافة إلى ذلك، ترى المدعية العامة أنه لم تجر أي تحقيقات أو محاكمات وطنية ضد أولئك الذين يبدو أنهم المسؤولون بالدرجة الأولى عن الجرائم المزعومة التي ارتكبتها السي آي إيه. هناك تحقيقات جارية في بولندا ورومانيا وليتوانيا، وتقول المدعية العامة إنه في حالة فتح تحقيق، فإنها ستواصل رصد التقدم المحرز في الإجراءات ذات الصلة، سواء كانت تتعلق بنفس الأشخاص والسلوك مثل تلك التي تهم المحكمة الجنائية الدولية، وما إذا كانت هذه الجهود حقيقية.

قال ديكر: "حتى الآن، لن يواجه سوى عدد قليل جدا من المسؤولين عن الجرائم المروعة في أفغانستان أي عواقب. إذا تمت الموافقة على تحقيق المحكمة، فإنه سيغير هذا الواقع القاتم ويعطي الضحايا قدرا من العدالة".

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، قالت المدعية في تقرير إن مكتبها سيتخذ قرارا نهائيا بشأن ما إذا كان سيطلب الإذن بفتح تحقيق "وشيك". بيد أن السلطات في كابول أرسلت منذ ذلك الحين معلومات جديدة "جوهرية" إلى مكتب المدعية العامة، مما استوجب مراجعتها قبل اتخاذ قرار نهائي. تؤكد المدعية العامة في طلبها أن توقيت طلبها تأثر "بالتحديات في التحقق من الادعاءات المتعلقة بالاختصاص الموضوعي" و"المسائل المتصلة بوجود و/أو مصداقية الإجراءات الوطنية ذات الصلة".

بحسب قوانين المحكمة، يجب إعلام ضحايا الجرائم بطلب المدعية فتح تحقيق. حدد القضاة مهلة أقصاها 31 يناير/كانون الثاني 2018 ليقدم الضحايا وجهات نظرهم.

إن أذنت المحكمة بذلك، سيكون التحقيق في أفغانستان ثاني قضية من نوعها للمحكمة خارج أفريقيا. في 2016، فتح قضاة المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا في جورجيا بشأن صراع عام 2008 مع روسيا حول أوسيتيا الجنوبية. وهناك حالات أخرى قيد التحقيق هي جمهورية أفريقيا الوسطى وساحل العاج ودارفور وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا وليبيا ومالي وأوغندا.

منذ 2009، واجهت المحكمة الجنائية الدولية رد فعل عنيف من بعض القادة الأفارقة الذين يزعمون أن المحكمة الجنائية الدولية تستهدف بشكل غير عادل أفريقيا. ولكن خلافا لذلك، انطلقت معظم التحقيقات بناء على طلبات من حكومات أفريقية. في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2016، اتخذت جنوب أفريقيا وبوروندي وغامبيا خطوات غير مسبوقة للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، على الرغم من أن غامبيا عكست مسارها وتوقف انسحاب جنوب افريقيا بعد أن وجدت محاكم جنوب أفريقيا أن الحكومة لم تتبع الخطوات اللازمة. كما أكدت دول أفريقية أخرى التزامها بالمحكمة.

في الوقت نفسه، تمكنت العديد من الدول القوية وحلفائها من تجنب المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك عدم الانضمام إلى المحكمة، وفقا لهيومن رايتس ووتش.

قال ديكر: "على قضاة المحكمة الجنائية الدولية تقييم طلب المدعية العامة بناء على جدارته. في الوقت نفسه، سيكون التحقيق في حالة أفغانستان تذكيرا هاما بأن للمحكمة صلاحية عالمية، وأنه ينبغي ألا يتمكن أي مشتبه به من الاختباء وراء جنسيته للهروب من العدالة".