(تونس) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن إحالة رجل أعمال إلى المحاكمة أمام محكمة عسكرية، واحتجاز 7 آخرين في أماكن غير معلنة بمعزل عن العالم الخارجي، يهددان حقوق الإنسان في تونس.

اعتقلت السلطات شفيق جراية، رجل أعمال نافذ، و7 آخرين، بين 23 و25 مايو/أيار 2017، ووضعتهم تحت "الإقامة الجبرية" في مكان مجهول، وهو إجراء تسمح به حالة الطوارئ في البلاد. قالت السلطات إن الرجال متورطون في قضايا فساد ويمثلون تهديدا لأمن البلاد.

صورة التُقطت في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2014 تُظهر وصول رجل الأعمال شفيق جراية إلى اجتماع في تونس العاصمة. 

© 2014 فتحي بلعيد/غيتي إيمجز

قالت آمنة القلالي، مديرة مكتب هيومن هيومن رايتس ووتش في تونس: "لا مكان لمحاكمات عسكرية للمدنيين أو لاحتجاز سري في انتقال ديمقراطي حقيقي، مهما كانت خطورة التهم. الشفافية وسيادة القانون هما أفضل ضمانة ضد الفساد ".

في 26 مايو/أيار، أعلنت النيابة العامة العسكرية أنها اتهمت جراية بالخيانة والتخابر مع جيش أجنبي، وهما تهمتان يُعاقَب عليهما بالإعدام. تمكن محاموه من زيارته في ثكنة العوينة العسكرية، لكن لم تكشف السلطات عن أمكنة وجود الآخرين أو التهم الموجهة إليهم.

كانت السلطات التونسية قد استخدمت سابقا الإقامة الجبرية خلال حالة الطوارئ، كما حاكمت أيضا مدنيين أمام محاكم عسكرية في قضايا كانت معظمها تتصل بالتشهير بالجيش كمؤسسة أو بضباط معينين. مع ذلك، يبدو أنها المرة الأولى، منذ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي في 2011، التي تحتجز فيها السلطات أشخاصا بمعزل عن العالم الخارجي، دون امكانية اتصالهم بمحامين أو إبلاغ عائلاتهم بأماكن وجودهم.

بموجب القانونين التونسي والدولي، يحق لجميع المحتجزين معرفة التهم الموجهة إليهم بأسرع وقت، والاتصال بأسرهم ومحاميهم، وعرضهم أمام قاضٍ. ينظر القانون الدولي إلى الإقامة الجبرية كأحد أشكال الاحتجاز الذي يستلزم ضمانات أساسية على الحكومة احترامها حتى خلال حالة الطوارئ.

 في 26 مايو/أيار، أعلنت "لجنة المصادرة"، وهي هيئة حكومية أُنشئت عام 2011 لمصادرة وتجميد  أصول أسرة بن علي وكل من استفاد ماليا من مكاسب غير مشروعة في ظل حكومته، أنها جمدت أملاك 8 رجال: جراية، ياسين شنوفي، منجي بن رباح، نجيب بن إسماعيل، علي القريوي، هلال بن مسعود بشيري، منذر جنيح، وكمال فرج.

في مقابلة مع صحيفة "لا بريس"، في 6 يونيو/حزيران 2017، قال يوسف الشاهد، رئيس الحكومة، إن اعتقال جراية و7 رجال آخرين مرتبط بمكافحة الفساد. لم يذكر أسماء السبعة الآخرين، لكن قال إنه "ترأس التحقيقات الأولية التي أدت إلى اعتقالهم" وإن "هذه العملية لن تكون الوحيدة". أضاف: "على الناس الاعتياد على ذلك كما هو الحال مع مكافحة الإرهاب". برر استخدام قانون الطوارئ بالقول "إن هذا الوضع استثنائي ويتطلب إجراءات استثنائية. هؤلاء الناس يمثلون تهديدا لأمن الدولة".

في 25 مايو/أيار 2017، أعلنت وزارة الداخلية على موقعها الإلكتروني أنه "تمّ إتخاذ قرارات في الإقامة الجبرية في شأن عدد من الأشخاص على أساس ما توفّر من معطيات تثبت إرتكابهم لخروقات من شأنها المساس الخطير بالأمن والنظام العامين". وصفت الوزارة التدابير بأنها وقائية ومحدودة المدة ومبررة بضرورة حماية الأمن ومحاربة الفساد. أكدت الوزارة أنها ستحترم الضمانات القانونية المنصوص عليها في الدستور والقوانين المتعلقة بمن يخضعون للإقامة الجبرية، وستتوقف عن استخدام هذا التدبير عند رفع حالة الطوارئ.

زهير شنوفي، شقيق ومحامي ياسين شنوفي، وعماد بن حليمة، محامي نجيب بن إسماعيل، قالا لـ هيومن رايتس ووتش ان السلطات لم تخبر عائلات الموقوفين عن أماكن الاحتجاز.

على السلطات الكشف فورا عن مكان وجود المحتجزين وضمان قدرتهم على الاتصال بمحاميهم، وضمان قدرتهم هم ومحاموهم على الوصول إلى الأدلة التي جرّمتهم. ينبغي تقديم جميع المحتجزين فورا إلى قاضٍ لمراجعة قانونية لضرورة احتجازهم.

قال فيصل جدلاوي، أحد محامي جراية، لـ هيومن رايتس ووتش إن قاضي التحقيق العسكري المشرف على هذه القضية منع المحامين من أخذ نسخ عن ملف القضية، وسمح لهم بقراءة الوثائق فقط في مكتبه. قال إن المحامين رفضوا ذلك لأنهم اعتبروه خرقا لحقوق الدفاع. قال جدلاوي إن المحامين تمكنوا من زيارة جراية في ثكنة العوينة العسكرية، وأضاف إن السلطات لم تستجوب موكله إلى اليوم.

أعلن الرئيس الباجي قائد السبسي حالة الطوارئ في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، بعد تفجير انتحاري في تونس، وقد جددها عدة مرات، آخرها في 16 مايو/أيار 2017 لمدة شهر.

تستند حالة الطوارئ في تونس إلى مرسوم رئاسي صدر العام 1978، يمنح وزارة الداخلية سلطة إصدار أوامر إقامة جبرية بحق أي شخص "يُعتبر نشاطه خطيرا على الأمن والنظام العامين". لا ينص مرسوم الطوارئ على وجوب كشف السلطات عن موقع الإقامة الجبرية.

استمر الفساد، الذي انتشر خلال رئاسة بن علي، حتى بعد الإطاحة به. حذر شوقي الطبيب، رئيس "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد"، من أن المشكلة أصبحت "وباء"، كما تعهد الشاهد بمحاربة الفساد منذ توليه رئاسة الوزراء في 2016.

تأتي هذه الاعتقالات بعد أن قال عماد طرابلسي، ابن شقيق ليلى طرابلسي زوجة بن علي، إنه استفاد من نظام الفساد الذي ضم شبكة واسعة من رجال الأعمال وموظفي الجمارك والوزراء.  جاء هذا التصريح في جلسة تلفزيونية مباشرة في 19 مايو/أيار 2017 أمام "لجنة الحقيقة والكرامة"، الهيئة المستقلة التونسية التي تحقق في الانتهاكات الحقوقية الماضية.

استنتج المستمعون أن الشخصيات التي ذكرها تشمل جراية وشنوفي، رغم أنه لم يسمهما.

إذا فرضت السلطات التونسية الإقامة الجبرية في ظل حالة الطوارئ، عليها بموجب القانون الدولي فعل ذلك لفترات زمنية محددة فقط والكشف عن مكان وجود أي شخص محتجز هكذا. كما عليها السماح لهم بالطعن في شرعية احتجازهم بصورة مجدية وإتاحة إمكانية لجوئهم إلى القضاء لإعادة النظر فيه.

يمنح القانون التونسي صلاحيات واسعة للمحاكم العسكرية فيما يتعلق بمجموعة متنوعة من الأفعال التي يرتكبها المدنيون والعسكريون.

قالت هيومن رايتس ووتش إن السماح بمحاكمة مدني أمام محكمة عسكرية يشكل انتهاكا للحق في محاكمة عادلة وكفالة الإجراءات القانونية الواجبة. قرر خبراء حقوق الإنسان الدوليون أن محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية تنتهك ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، التي تؤكد أن لكل شخص الحق في أن يُحاكم أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة.

حظرت "اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب"، التي تفسر "الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب"، محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية. أشار القرار المتعلق بالحق في محاكمة عادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا إلى أن "الغرض من المحاكم العسكرية البت في جرائم ذات طبيعة عسكرية صرفة ارتكبها أفراد عسكريون بالكامل".