في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قصف التحالف بقيادة السعودية قاعة عزاء في العاصمة اليمنية صنعاء، ما أسفر عن مقتل وإصابة المئات. قال أحد الناجين: "كان المشهد كارثيا، ويتجاوز ما يمكنني أن أشرحه أو أصفه... كانت الجثث المحترقة والقتلى في جميع أنحاء القاعة".

رجال إطفاء يحاولون إخماد حريق شب في الصالة الكبرى في صنعاء حيث هاجمت طائرات التحالف بقيادة السعودية مراسم عزاء في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2016. 

© 2016 خالد عبد الله / رويترز

بعد فترة وجيزة من هذه الغارة غير المشروعة، علّقت إدارة أوباما بيع أسلحة إلى السعودية بقيمة 400 مليون دولار تقريبا. كان إدراكا متأخرا بأن الحملة العسكرية للائتلاف في اليمن دمرت البلاد وقتلت آلاف المدنيين، وأودت بها إلى حافة المجاعة.

 بعد قصف مراسم العزاء، استمرت الغارات الجوية غير القانونية، لكن أرسل قرار تعليق مبيعات الأسلحة رسالة مهمة إلى السعوديين. سيرسل الرئيس دونالد ترامب، في أول زيارة له إلى الخارج كرئيس، رسالة بديلة مزعجة جدا.

 أشارت تقارير إلى اعتزام ترامب، أثناء وجوده في الرياض نهاية هذا الأسبوع، الإعلان عن صفقات أسلحة إلى السعودية تزيد قيمتها عن 100 مليار دولار، ما يعادل تقريبا ما سمح به باراك أوباما طوال فترة رئاسته في 8 سنوات. تشمل الصفقات قنابل "رايثيون" وأنظمة دفاع صاروخي من طراز "لوكهيد مارتن" ومركبات "بي آيه إيه" القتالية، وبعض الأسلحة التي عُلقت مبيعاتها.

 يمكن رؤية آثار الغارات الجوية غير القانونية في كل اليمن، حيث قام التحالف بقيادة السعودية بتنفيذ غارات عديدة أصابت منازل ومدارس وأسواق ومستشفيات منذ بداية حملته العسكرية ضد جماعة الحوثيين المسلحة وقواتها الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح في مارس/آذار 2015. وثقت هيومن رايتس ووتش 81 اعتداء يبدو أنه غير قانوني على مدى العامين الماضيين، وجرائم حرب محتملة كثيرة. تمكنا في 12 حالة تقريبا منها، بما فيها الهجوم على العزاء، من تحديد استخدام أسلحة أمريكية فيها.

بحسب الأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 4773 مدنيا وجُرح 8272 آخرين منذ بدء الصراع، أغلبهم جرّاء الغارات الجوية التي شنها التحالف. دفعت الحرب باليمن، التي هي بالفعل أفقر دولة في الشرق الأوسط، إلى كارثة إنسانية، كما قامت قوات التحالف وقوات الحوثيين-صالح بوقف أو تقييد وصول إمدادات الإغاثة الأساسية إلى المدنيين. يواجه 7 ملايين شخص المجاعة، وتغزو الكوليرا أجزاء من البلاد.

 على ترامب حث السعوديين على تغيير تصرفاتهم والالتزام بقوانين الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة. لكنه بدل ذلك يخبرهم عمليا بالاستمرار كما كانوا من قبل وأنه لا داعي ليقلقوا، فلن يتوقف تدفق الأسلحة الأمريكية.

سيعرض ترامب الأمريكيين أيضا للخطر، إذ إن استمرار مبيعات الأسلحة الأمريكية لبلد انتهك مرارا قوانين الحرب يعرض المسؤولين الأمريكيين لمحاسبة قانونية تتعلق بالمساعدة والتحريض على جرائم حرب التحالف.

بعض المشرعين في الولايات المتحدة يقفون ضد هذا، حيث عرضوا مشروع قانون يهدف إلى الحد من نقل الأسلحة الأمريكية إلى السعودية. يتطلب القانون من البيت الأبيض أن يبرهن اتخاذ السعودية جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر بين صفوف المدنيين في اليمن، وينص على وجوب اطلاعه الكونغرس على ما إذا كانت السعودية قد استخدمت أسلحة أمريكية في هجمات غير قانونية سابقة في اليمن. كما تعهد مشرّعون آخرون بمحاولة منع مبيعات الأسلحة الأمريكية المستقبلية إلى السعودية.

في وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون: "إذا كنا نؤكد بشدة على وجوب تبني الآخرين قيمنا... سيخلق ذلك حقا عقبات أمام قدرتنا على التقدم ومصالحنا الأمنية الوطنية والاقتصادية". على إدارة ترامب الاعتراف بدلا من ذلك بأن حماية المدنيين في الصراع المسلح جزء لا يتجزأ من تعزيز الأمن القومي الأمريكي.

 لا يمكن للولايات المتحدة أن تأمل في أن يتحمل الائتلاف اللوم عن الفظائع المرتكبة سابقا ومستقبلا، مثل تفجير قاعة العزاء، لكن يعرف المدنيون اليمنيون الذين يعانون من الغارات الجوية غير المشروعة أن الولايات المتحدة تدعم التحالف وأن أسلحة أمريكية استخدمت ضدهم. هذه هي مشكلة الأمن القومي التي على الإدارة الأمريكية إيلاؤها مزيدا من الاهتمام.

إذا لم تحاول إدارة ترامب الحد من جرائم الحرب التي ترتكبها المملكة وبقية التحالف، سيتوجب على الكونغرس التدخل والتوضيح أنه من غير الممكن تجاهل حياة المدنيين اليمنيين وذلك باستخدام سلطته لوقف مبيعات الأسلحة.