هناك معركة قذرة تدور رحاها في سيناء المصرية، ترتكب فيها مجموعات الموت عمليات "إخفاء" وإعدام. لكن الولايات المتحدة، أهم داعم عسكري لمصر، دأبت على النظر في الاتجاه المعاكس. مقطع الفيديو الذي سُرّب في 20 أبريل/نيسان – يوم زيارة وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إلى مصر – يجب أن يحث إدارة الرئيس ترامب على أخذ المخاوف التي عبر عنها الكونغرس بعين الاعتبار. على الولايات المتحدة تعليق مساعداتها إلى أن يكون لها تحكم أكبر في كيفية استخدامها، وتكون واثقة من أن الجيش المصري توقف عن ارتكاب انتهاكات جماعية.

ستعقد "لجنة مجلس الشيوخ الفرعية للاعتمادات الخاصة بالعمليات الخارجية" جلسة الثلاثاء 25 أبريل/نيسان حول الدعم الأمريكي لمصر. من المتوقع أن يفتتح الرئيس الجلسة بمشاهدة الفيديو، ومدته دقيقتان، وهو حجة مهمة لمواجهة ما يدعيه الرئيسان دونالد ترامب وعبد الفتاح السيسي من نجاحات عسكرية عندما يتعلق الأمر بعملية سيناء.

يظهر الفيديو جنودا مصريين ببذلات عسكرية يقتادون رجلين معصوبي الأعين من عربات هامفي عسكرية. جعلوهما يركعان على ركبهما قبل أن يطلق عليهما عسكري آخر النار الواحد تلو الآخر. ظهرت جثت أخرى لم يُصوّر الشريط عملية قتلها في مواد صحفية رسمية نشرتها القوات المسلحة في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول. يدّعي الجيش أن أصحابها قتلوا في اشتباكات مع قوات الأمن. لكن الفيديو المُسرّب الذي يبدو أصليا يُظهر العكس – كانت المنشورات الصحفية محاولة للتستر على الإعدامات.

ومع أن "هيومن رايتس ووتش" لم تتحقق بعد من مكان الإعدامات التي تظهر في الفيديو وتاريخها، إلا أن صحة الفيديو ترتكز على عدة عناصر معروفة. فالشارات الظاهرة على زي الجنود هي للجيش والمخابرات المصرية. ومنفذ الإعدام الذي يتحدث بلهجة سيناء يسأل أحد المحتجزين عن أسماء عائلات وقبائل وقرى تتواجد كلها في شمال سيناء.

راجعت هيومن رايتس ووتش أيضا فيديو آخر نُشر على صفحة "فيسبوك" موالية للحكومة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني، يُظهر نفس الجثث وقد تم صفها بجانب مبنى ظهر في فيديو الإعدام. في هذا الفيديو الثاني، يقف 6 جنود إلى جانب الجثت المصطفة. يقول أحدهم: "هذا انتقام للذين ماتوا". قال مصدران من شمال سيناء لـ هيومن رايتس ووتش إنهما تعرفا على منفذ الإعدام وهو عضو معروف في ميليشيا محلية تعرف باسم "المجموعة 103" التي تتعاون عن كثب مع الجيش المصري الذي يسلحها. وتعرفت صفحة فيسبوك مستقلة اسمها "سيناء نيوز 24" على الضحيتين على أنهما أخوين من قبيلة الرميلات اعتقلهما الجيش في قرية رفح بسيناء في يوليو/تموز الماضي.

تبدو هذه الإعدامات خارج إطار القضاء جزءا من سلسلة من الإخفاءات القسرية وعمليات القتل والتستر التي سبق ووثقتها هيومن رايتس ووتش من قبل في معركة مصر ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في شمال سيناء. في مارس/آذار، نشرت هيومن رايتس ووتش تحقيقا معمقا حول حالة أخرى حيث يبدو أن قوات الأمن الداخلي المصري في شمال سيناء أعدمت 4 أشخاص على الأقل خارج نطاق القضاء، وقد يبلغ عددهم 10، ثم أنتجت فيديو ملفقا لغارة ضد الإرهاب للتستر على الإعدامات.

خلف القتال المستعر في شمال سيناء منذ 2013 مئات القتلى، منهم مدنيون وعناصر أمن ومقاتلون مزعومون تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية. قتل فرع التنظيم الذي يطلق على نفسه إسم ولاية سيناء أعدادا كبيرة من المدنيين، واستهدف الكثيرين إما لتعاونهم المفترض مع السلطات أو لكونهم مسيحيين. كان رد الحكومة وحشيا. يفيد سكان شمال سيناء منذ زمن بوقوع اعتقالات تعسفية واخفاءات قسرية وحالات تعذيب وقتل خارج إطار القضاء على يد قوات الجيش ووزارة الداخلية.

يُشن هذا القتال بعيدا عن الأنظار حيث تمنع السلطات المصرية وصول الصحافة والمراقبين المستقلين بما في ذلك مسؤولين من السفارة الأمريكية. فرض الجيش باستمرار حظر التجول وأغلق الطرقات وقطع الاتصالات بشكل مطول في كل المنطقة التي تعيش حالة استنفار أمني منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014. بل منعت مصر ترويج أخبار أو بيانات تخالف البيانات الرسمية التي تصدر عن وزارة الدفاع حول عمليات مكافحة الإرهاب. وتعرّض صحفيون مصريون غطوا التطورات في شمال سيناء للملاحقة القضائية.

تستمر هذه المعركة بدعم وموافقة من الولايات المتحدة التي تقدم دعما عسكريا لمصر بقيمة 1.3 مليار دولار سنويا. لاقت جهود الكونغرس لتقييد هذه المساعدات خلال الأعوام السابقة مقاومة كبيرة من السلطة التنفيذية، ويتوقع أن يكون الحال كذلك بالنسبة للميزانية المقبلة أيضا.

يمكن رؤية أثر هذه المساعدات في الشريط المسرب في 20 أبريل/نيسان حيث يتم سحب المحتجزين من عربات هامفي من إنتاج أمريكي على يد جنود مصريين يرتدون أحذية عسكرية أمريكية. أخّرت إدارة أوباما تسليم أسلحة لمصر بعدما عزل الجيش الرئيس محمد مرسي في 2013، مُبدية مخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان المتردية، لكنها استأنفت تقديم المساعدات العسكرية بعدما صارت مصر تواجه تمردا خطيرا في سيناء. جاء في تقرير لـ "مكتب المحاسبة الحكومية" في أبريل/نيسان 2016 أن وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين لا تتوفران على آلية فعالة لمراقبة استخدام التجهيزات التي تشتريها مصر من وجهة نظر حقوقية. لم تُتخذ أية إجراءات للتطرق لهذه المسألة.

لكن في زيارتين لمصر في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2016، أكد وزير الخارجية آنذاك جون كيري على التعاون لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية ولم يدل بأية تصريحات علنية حول المخاوف بشأن حقوق الإنسان. يعد الرئيس ترامب منذ مدة بتقديم دعم أكبر لحرب مصر ضد الإرهاب، حيث قال في 3 أبريل/نيسان بعد لقاء مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في البيت الأبيض: "أريد أن يعرف الجميع، في حالة وجود أي شك، أننا وراء الرئيس السيسي بقوة. لقد قام بعمل رائع في موقف صعب".

لا يشاطر سكان شمال سيناء الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش الرئيس ترامب هذا الرأي. فهم يشعرون بأنهم عالقين بين تنظيم الدولة الإسلامية القاتل والجيش المصري الذي بات خارج السيطرة. بدعم أمريكي، صار هذا الجيش مُعاد للناس الذين يفترض أنه حاميهم. أمام الكونغرس فرصة للتأكيد على أنه لن يسمح بدعم عسكري غير مدروس للجيش المصري.