معبر إيرز بين إسرائيل وشمالي قطاع غزة. 

© 2014 رويترز

(القدس) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن السلطات العسكرية الإسرائيلية تمنع موظفي حقوق الإنسان الذين يوثقون الانتهاكات ويدعون إلى إنهائها من دخول قطاع غزة أو الخروج منه. تثير هذه القيود شكوكا حول مزاعم السلطات العسكرية الإسرائيلية بأنها تعتمد على منظمات حقوق الإنسان كمصدر مهم للمعلومات في تحقيقاتها الجنائية في الجرائم الخطيرة المحتملة التي ارتُكبت في حرب غزة عام 2014.

يوثق التقرير الممتد على 36 صفحة بعنوان "غير راغبة أو غير قادرة: القيود الإسرائيلية على دخول الحقوقيين إلى غزة وخروجهم منها" كيف تمنع إسرائيل موظفي حقوقي الإنسان بشكل ممنهج من دخول غزة أو الخروج منها، حتى عندما لا تكون لدى السلطات الأمنية الإسرائيلية شبهات أمنية مرتبطة بهم كأفراد. تفرض مصر هي الأخرى قيودا صارمة على التنقل عبر حدودها مع غزة. على مكتب المدعية العام لـ "المحكمة الجنائية الدولية" أخذ هذه القيود بعين الاعتبار في سياق فحصها التمهيدي للوضع في فلسطين.

قالت ساري بشي، مديرة برنامج المناصرة الخاص بإسرائيل وفلسطين في هيومن رايتس ووتش: "إذا أرادت إسرائيل أن تأخذ المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية حجتُها بأن تحقيقاتها الجنائية كافية، فإن الخطوة الأولى التي عليها اتخاذها هي السماح للباحثين الحقوقيين بكشف كل المعلومات المناسبة. تطرح عرقلة عمل المنظمات الحقوقية أسئلة ليس فقط حول رغبة السلطات العسكرية الإسرائيلية في إجراء تحقيقات جدية، بل أيضا حول قدرتها على ذلك".

خلال العقدين الأخيرين، وخاصة منذ 2007، أبقت إسرائيل قطاع غزة مُغلقا معظم الوقت، مانعة الفلسطينيين من مغادرة غزة من أجل الفرص التعليمية أو المهنية، ومن زيارة أسرهم والالتحاق بها ومن تلقي الرعاية الطبية، إلا في حالات استثنائية. ساهمت القيود التي تفرضها مصر على حدودها مع غزة بشكل كبير في هذا الإغلاق الفعلي.

في 26 مارس/آذار 2017، بدأت سلطات "حماس" في غزة بفرض قيود مشددة على العبور بين غزة وإسرائيل، عقب اغتيال عنصر بارز من حماس. نسبت حماس الاغتيال لإسرائيل. قالت حماس إنها تريد منع القتلة من الهروب من غزة. تمنع حماس جميع أنواع السفر إلى خارج غزة تقريبا، باستثناء السفر لأسباب طبية أو زيارة أقارب في السجون الإسرائيلية. جميع الذكور بين 15 و45 عاما ممنوعون من السفر. هذه القيود القاسية وغير المتناسبة تحول دون حصول الرجال على رعاية طبية هم أحيانا في أمس الحاجة إليها. ومن بين أنواع السفر المحظورة بشكل كامل الزيارات العائلية لأقارب في حالات صحية حرجة أو لحضور مراسم دفن.

يشمل الفحص التمهيدي الذي تجريه المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية للوضع في فلسطين النظر فيما إذا ارتُكبت جرائم من اختصاص المحكمة، وفيما إذا كانت تلك الجرائم خطيرة إلى درجة تستدعي اهتمام المحكمة، وما إذا كانت السلطات الوطنية تجري حقّا تحقيقات ذات مصداقية، وإذا تطلب الأمر، النظر في إمكانية إجراء ملاحقات قضائية في القضايا التي تبت فيها المحكمة الدولية. تزعم السلطات الإسرائيلية أن تحقيقاتها تستجيب للمعايير الدولية، وأن المحققين الجنائيين الإسرائيليين رغم كونهم لا يدخلون قطاع غزة، إلا أنهم يعتمدون على منظمات حقوق الإنسان لإخطارهم بالانتهاكات المحتملة، وتقديم أدلة وثائقية وأدلة الطب الشرعي، وتسهيل شهادات الشهود.

لا يُعرف ما إذا كانت السلطات الفلسطينية قد حققت في أي جرائم خطيرة مزعومة في غزة أو خارجها، مثل إطلاق صواريخ من قبل جماعات مسلحة في غزة باتجاه مناطق مدنية في إسرائيل.

تتحكم إسرائيل في العبور إلى غزة باستثناء الحدود المصرية، وتتحكم في كل المعابر بين غزة والضفة الغربية. لا تسمح السلطات الإسرائيلية للفلسطينيين في غزة بإعادة فتح مطارهم أو إعادة بناء مينائهم البحري، مما يجعل الفلسطينيين معتمدين على الموانئ الأجنبية للسفر إلى الخارج. أبقت السلطات المصرية حدودها مع غزة مغلقة معظم الوقت منذ 2013. في 2016، تراجع نسق عبور الحدود بين غزة وإسرائيل إلى أن أصبح أقل من 3 بالمئة مما كان عليه في سبتمبر/أيلول 2000.  

تعرقل القيود المفروضة على مغادرة الحقوقيين الفلسطينيين قطاع غزة وعلى استقبال زملائهم من أماكن أخرى قدرتهم على القيام بعملهم والتنسيق مع زملائهم والقيام بأعمال مناصرة. مثلا، خلال حرب 2014، لم تسمح إسرائيل ولا مصر بدخول خبير أسلحة خارجي إلى غزة، مما اضطر منظمات حقوق الانسان الفلسطينية للاعتماد على خبير من شرطة سلطات غزة لدراسة الأدلة الجنائية التي خلفها القتال.

منذ 2008، لم تحصل هيومن رايتس ووتش إلا مرة واحدة على إذن بإدخال موظفين أجانب إلى غزة عبر إسرائيل، خلال زيارة في سبتمبر/أيلول 2016، وصفتها السلطات الاسرائيلية بالاستثنائية. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش ولا "منظمة العفو الدولية" من ادخال موظفين إلى غزة عبر مصر منذ 2012.

لا تحمي سلطات حماس في غزة الحقوقيين بشكل كاف من الانتقام، وفي بعض الحالات تعتقل وتضايق أولئك الذين ينتقدون أنشطتها وغيرها من الجماعات المسلحة في غزة. عدم القدرة على جلب الحقوقيين إلى غزة وخروجهم منها يحد أيضا من قدرة منظمات حقوق الإنسان على توثيق الانتهاكات الفلسطينية داخل غزة، بسبب القلق على أمن الموظفين المحليين.

قال مكتب المستشار القضائي للجيش الإسرائيلي في رده على هيومن رايتس ووتش إنه "يولي أهمية قصوى" لـ "حواره الواسع واليومي" مع منظمات حقوق الإنسان، وقال إن تقاريرها تساهم بشكل مهم في قراراته بفتح تحقيق جنائي، أو في استكمال الصورة في التحقيقات الجارية. لكن المستشار القضائي انتقد أيضا تقارير منظمات حقوق الإنسان على أنها "تعاني من عيوب منهجية ووقائعية وقانونية"، وفي بعض الحالات "من انحياز واضح". قال مكتب المستشار القضائي إن القيود على سفر الحقوقيين "لا مفر منها... نظرا لاعتبارات أمنية وسياسية ملحة".

لم يتطرق مكتب المستشار القضائي لسبب عدم إدراج الحقوقيين ضمن فئة الأشخاص الذين يسمح لهم بالتنقل ما بين غزة وإسرائيل والضفة الغربية رغم الوضع الأمني، والتي تشمل لاعبي كرة القدم وكبار التجار وموظفي منظمات الإغاثة والشخصيات الهامة.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات الإسرائيلية إنهاء الحظر الشامل على التنقل والسماح لكل الفلسطينيين بالدخول إلى غزة والخروج منها، وعدم إخضاعهم إلا للفحوص الأمنية والتفتيش الجسدي الفردي. وإلى أن يتم إلغاء الحظر على التنقل، على السلطات إدراج الحقوقيين في لائحة الأشخاص الذين لهم الحق في تصاريح السفر.

على مصر أيضا تسهيل سفر الحقوقيين عبر حدودها، وعلى حركة حماس حمايتهم من الانتقام.

قالت بشي: "على إسرائيل وحماس ومصر تغيير سياساتها لحماية الدور الحيوي الذي تلعبه منظمات حقوق الإنسان في حماية الفلسطينيين والإسرائيليين من انتهاكات السلطات والجماعات المسلحة".