(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن مدنيين في لبنان، بمن فيهم أطفال، يحاكمون أمام محاكم عسكرية. لا تحترم مثل هذه المحاكمات الحق في المحاكمة العادلة وتنتهك القانون الدولي. في قضية بارزة المقرر إجراؤها في 30 يناير/كانون الثاني 2017، يواجه 14 شخصا احتجوا على عجز الحكومة عن حل أزمة إدارة النفايات في 2015، عقوبة تصل إلى 3 سنوات في السجن.

يوثق التقرير، من 37 صفحة بعنوان "هذا ليس مكاننا: محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في لبنان"، التقصير الجوهري في احترام الإجراءات القانونية السليمة في محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية؛ استخدام اعترافات منتزعة تحت التعذيب؛ ومزاعم استخدام مسؤولي وزارة الدفاع أو الجيش الصلاحيات الواسعة لهذه المحاكم كأداة للترهيب أو الانتقام ضد الخطاب أو النشاط السياسيَّين. أفاد أطفال أيضا عن تعرضهم للتعذيب أثناء احتجازهم في انتظار محاكمتهم أمام هذه المحاكم.

قالت لمى فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "أصبح من الواضح تماما أنه لا يمكن للمدنيين الحصول على محاكمة عادلة في المحاكم العسكرية في لبنان. محاكمة المدنيين ليست من شأن المحاكم العسكرية، وعلى لبنان وضع حد لهذه الممارسة المقلقة".
 

وصف الذين حوكموا أمام محاكم عسكرية عن معاناتهم من الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، الاستجوابات دون وجود محام، سوء المعاملة والتعذيب، استخدام اعترافات منتزعة تحت التعذيب، إصدار قرارات دون تفسير، عقوبات تبدو تعسفية، والإمكانية المحدودة للاستئناف. قالت هيومن رايتس ووتش إنه لا ينبغي محاكمة المدنيين، والأطفال على وجه الخصوص، أمام محاكم عسكرية تحت أي ظرف.

قالت هيومن رايتس ووتش إن بنية المحاكم العسكرية تقوض الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في المحاكمة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة، والحق في محاكمة علنية. العديد من القضاة هم ضباط في الجيش، يعينهم وزير الدفاع ولا يُشترط عليهم الحصول على شهادة أو تدريب في القانون. العسكريون العاملون كقضاة تابعون لوزير الدفاع. لا تستطيع المنظمات الحقوقية والصحفيون مراقبة المحاكمات دون موافقة سابقة من القاضي الذي يرأس الجلسة.

نظام المحكمة العسكرية نظام قضائي منفصل تابع لوزارة الدفاع. لها ولاية قضائية واسعة على المدنيين، بما يشمل قضايا التجسس، أو الخيانة، أو التهرب من الخدمة العسكرية، أو الاتصال غير المشروع مع العدو (إسرائيل)، أو حيازة الأسلحة؛ الجرائم التي تضر بمصلحة الجيش أو قوى الأمن أو الأمن العام؛ وكذلك أي نزاع بين مدنيين من جهة وأفراد الجيش أو الأمن أو الموظفين المدنيين في هذه الأجهزة من جهة أخرى. وفقا لـ "الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان"، حوكم 355 طفلا أمام محاكم عسكرية عام 2016.

في السنوات الأخيرة، وجهت النيابة العامة العسكرية اتهامات ضد محامين وناشطين حقوقيين بارزين.

قالت تمارا، إحدى المتظاهرين الذين يواجهون محاكمة أمام المحاكم العسكرية في 30 يناير/كانون الثاني: "كانت المرة الأولى التي أكتشف فيها أنّه يمكن معاملتي بهذه الطريقة. كنّا في مظاهرة، ما الخطأ في ذلك؟ لم أتوقع أبدا أني سأمثل أمام محكمة عسكرية".

وثقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات لبنانية لسنوات نمطا من التعذيب من قبل القوات العسكرية اللبنانية. وثقت هيومن رايتس ووتش 8 حالات قال فيها مدنيون يحاكمون أمام محاكم عسكرية لجرائم تتعلق بالإرهاب أو الأمن إنهم تعرضوا للتعذيب لانتزاع اعترافات منهم، واستخدمت الاعترافات المنتزعة بالإكراه كأدلة ضدهم في المحكمة. ولم يتمكن أي منهم من الاتصال بمحام أو أسرته أثناء الاستجواب.

وصف الناجون من التعذيب تعرضهم للضرب، والتعذيب النفسي، والصعق بالكهرباء، والتعليق من المعصمين واليدين مقيدتين إلى الخلف، وأوامر بالتوقيع على إفادات وهم معصوبي الأعين. في بعض الحالات، كان الاعتراف بالإكراه الدليل الوحيد المقدم.

قال محامون يمثلون موكلين أمام محاكم عسكرية، وعاملون في منظمات حقوقية لبنانية، إن هناك نسبة أعلى من التعذيب في الملاحقات العسكرية لكون التحقيقات تجرى من قبل أفراد الجيش، كما تزيد طبيعة الاتهامات، مثل الإرهاب، من احتمال التعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لدى الأجهزة العسكرية قبل توجيه الاتهام.

في 2 من الحالات الموثقة، قال أطفال إن أفراد الجيش انتزعوا اعترافات منهم تحت التعذيب. قالت إحدى الأمهات: "صرخت من تحت الأرض عندما رأيته... لم أصدق أن هذا ابني. لا يمكنك وصف المشهد. كان وجهه ملطخا بالدم ومتورّما ومزرقّا".

في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2016، أقر مجلس النواب اللبناني قانونا لإنشاء "المعهد الوطني لحقوق الإنسان"، والذي سيضم لجنة للتحقيق في استخدام التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز. لكن لم يسن لبنان حتى الآن تشريعات تجرم جميع أشكال التعذيب، كما هو مطلوب بموجب "اتفاقية مناهضة التعذيب".

من الحالات الـ 10 التي وثقت فيها هيومن رايتس ووتش مزاعم التعذيب خلال الاستجواب العسكري، لم يقل أي من المتهمين إنه تمكن من الاتصال بمحام قبل أو أثناء الاستجواب. في حالات كثيرة، قال معتقلون إنهم لم يسمح لهم بالتحدث مع أقاربهم أو محام قبل مثولهم أمام قاضي التحقيق. وقال محامون إنهم غالبا ما يحتاجون إلى استخدام علاقات شخصية لتحديد أماكن موكليهم وهم رهن الاعتقال العسكري.

قال 4 محامين لبنانيين إن الحكم في المحاكم العسكرية غير منسجم وعلى ما يبدو تعسفي، وإنهم أصبحوا يتوقعون عقوبات الإدانة بغض النظر عن الأدلة ضد موكلهم.

وفقا لمحامين لبنانيين، ليس هناك سوى حق محدود للاستئناف ضمن نظام المحكمة العسكرية، ولا يعتبر استخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب من أجل الحصول على الإدانة أساسا للاستئناف.

بموجب القانون الدولي، يحظر على الحكومات استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة مدنيين عندما تكون المحاكم المدنية لا تزال تعمل.

أعربت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، وهي هيئة دولية مختصة لها صلاحية رصد الامتثال للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، عن قلقها "إزاء اتساع نطاق اختصاص المحاكم العسكرية في لبنان" وإجراءاتها. وجد فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي أنه "ينبغي ألا تكون للمحاكم العسكرية صلاحية محاكمة المدنيين، مهما كانت التهم المنسوبة إليهم". لطالما رافعت منظمات المجتمع المدني في لبنان من أجل إزالة المدنيين من اختصاص المحاكم العسكرية بسبب القلق بشأن الحق في محاكمة عادلة.

بعثت هيومن رايتس ووتش برسائل إلى وزارة الدفاع، قيادة الجيش، والشرطة العسكرية، مخابرات الجيش، والمحكمة العسكرية تتناول نتائج التقرير بالتفصيل. كما قدمت طلبا لحضور محاكمة 30 يناير/كانون الثاني. ردت وزارة الدفاع في 5 يناير/كانون الثاني 2017، كاتبة أن "القضاء العسكري يحترم في جميع نصوصه القواعد القانونية الوطنية والدولية وخاصة لجهة احترام حقوق الإنسان". لم تتلق هيومن رايتس ووتش ردا على طلبها لحضور محاكمة أمام محكمة عسكرية.

على لبنان، بشكل عاجل، تحييد المدنيين والأطفال من اختصاص المحاكم العسكرية، وضمان ألا يقبل القضاة أي اعترافات أو أدلة تم الحصول عليها تحت التعذيب. عليه أن يضمن صراحة الحق في توكيل محام أثناء الاستجواب، وتجريم جميع أشكال التعذيب. على لبنان أيضا ضمان أن يكون جميع القضاة مستقلين ومحايدين بشكل كامل. على وزارة الدفاع إحالة جميع مزاعم التعذيب على النيابة العامة، وحظر جميع أشكال التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

قالت فقيه: "على وزارة الدفاع فتح المحاكم العسكرية على الفور أمام المراقبين العموميين دون إذن مسبق. أقل ما يمكن للبنان فعله هو ضمان أن مواطنيه لا تتم إدانتهم من قبل محكمة مختصة وراء أبواب مغلقة".