(بيروت) – بعض أبرز منظمات حقوق الإنسان المصرية قد تُمحى تماما بعد صدور حُكم قضائي بالتحفظ على أموالها وأموال مديريها ومؤسسيها. في 17 سبتمبر/أيلول 2016 أمر قاض بمحكمة جنايات بالقاهرة بالتحفظ على أموال 3 منظمات، وكذلك الأموال الشخصية لخمس حقوقيين، في سياق تحقيق في التمويل الأجنبي الذي يتلقونه.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يُصافح بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2015.

© رويترز

فرض الحُكم أمرا بتجميد الأموال ووضعها تحت حراسة الحكومة، ما يعني أنه لم يعد بإمكان المنظمات والأفراد المشمولين بالقرار اتخاذ قرارات مستقلة بشأن أموالهم المتحفظ عليها.

قالت لمى فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "السلطات المصرية تدفع بقوة نحو القضاء على أبرز المدافعين المستقلين عن حقوق الإنسان. على شركاء مصر الدوليين ألا ينخدعوا بهذا القمع المقنّع بإجراءات قانونية".

استهدف القرار "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" و"مركز هشام مبارك للقانون" و"المركز المصري للحق في التعليم". كما شمل الأموال الشخصية لمديري هذه المراكز إضافة إلى جمال عيد، مدير "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان" وحسام بهجت، مؤسس "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية". لم يكن من الواضح وقت صدور الحُكم إن كان ساريا أيضا على هاتين المنظمتين.

في 15 يونيو/حزيران 2016 أمر قاضٍ بالتحفظ على أموال منظمة أخرى، هي "مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف".

هذه الأوامر مؤقتة ولا يمكن أن تصبح نهائية إلا بعد إتمام المحاكمة الجنائية، بحسب نشطاء مصريين. عند صدور حُكم كهذا، يمكن للحكومة أن تضع يدها على هذه المنظمات وتغلقها.

حُكم التحفظ على الأموال الصادر في 17 سبتمبر/أيلول هو جزء من قضية أكبر ضد المنظمات غير الحكومية المصرية المستقلة، تُعرف بمسمى "القضية 173 لسنة 2011"، ويُزعم بموجب هذه القضية أن هناك ما يناهز 37 منظمة غير حكومية قد تلقت تمويلات أجنبية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يأمر وزير العدل بوقف التحقيقات ضدّ منظمات حقوق الإنسان. على الحكومة المصرية الالتزام بتعهدها الذي أصدرته في مارس/آذار 2015 أمام "مجلس حقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة ومفاده "احترام عمل الجمعيات المُدافعة عن حقوق الإنسان بحرية" وإنهاء استهداف نشاط حقوق الإنسان المستقل والمشروع.

بموجب مادة في "قانون العقوبات" عُدلت بقرار من السيسي في 2014، يمكن للعاملين بمنظمات المجتمع المدني مواجهة أحكام تصل إلى السجن لمدة 25 عاما إذا توصل قاضٍ إلى أن التمويل الأجنبي المُحصّل كان "بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام". لا يُعرّف القانون هذه الأعمال.

أمر قضاة التحقيق بمنع ما لا يقل عن 12 مديرا من مديري منظمات المجتمع المدني، ومؤسسين وأعضاء بهذه المنظمات، من مغادرة مصر، وبعضهم من المنظمات المذكورة. قال نشطاء إن حظر السفر هو على الأرجح تمهيد لنسب اتهامات جنائية إلى الممنوعين من السفر.

أصدر قضاة التحقيق أمرهم الأول بحظر السفر في ديسمبر/كانون الأول 2014 ضد إسراء عبد الفتاح، مديرة "المعهد المصري الديمقراطي". كما مُنع من السفر ناصر أمين، العضو في "المجلس القومي لحقوق الإنسان" الممول من الحكومة المصرية.

بدأ التحقيق في تمويل منظمات محلية ودولية في يوليو/تموز 2011، بعد 5 أشهر من سقوط الرئيس السابق حسني مبارك. أدى التحقيق إلى محاكمة جنائية انتهت عام 2013 إذ أنزل قاضٍ أحكاما بالسجن تراوحت بين عام و5 أعوام بحق 43 موظفا بخمس منظمات مجتمع مدني أجنبية، مع الأمر بإغلاقها.

بدأت لجنة من 3 قضاة تحقيق تم اختيارهم من قبل محكمة استئناف القاهرة بناء على طلب من وزارة العدل في التحقيق في أنشطة وتمويل منظمات مجتمع مدني مصرية مستقلة في عام 2014، حين أصدرت وزارة التضامن الاجتماعي للمنظمات إنذارا بالتسجيل بموجب قانون الجمعيات شديد التعسف، الذي يعود إلى عهد مبارك.

كما ضغطت السلطات على الحقوقيين بسبل أخرى. منذ أبريل/نيسان 2015 يحقق قاض مع نجاد البرعي، وهو محامٍ حقوقي شارك في صياغة مشروع قانون لمكافحة التعذيب، وقد تم التحقيق معه 6 مرات على الأقل. يجري التحقيق مع البرعي بتهمة التمويل غير القانوني، وبإنشاء كيان غير مرخص له، ونشر أخبار كاذبة. في فبراير/شباط 2016 حاول ضباط أمن ومسؤولون بالحكومة المحلية إغلاق "مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب"، إذ ذكروا أن المركز خالف شروط ترخيصه، لكن لم يعرضوا أي تفاصيل إضافية.

يبدو أن الأدلة التي استخدمها قضاة التحقيق في القضية 173 تستند إلى تقارير من جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية. تزعم هذه التقارير أن الجمعيات الأهلية تلقت تمويلا لأنشطة تضر بالأمن القومي.

في 8 سبتمبر/أيلول نقلت وسائل إعلام تابعة للدولة أن الحكومة وافقت على مشروع قانون جديد للجمعيات وأرسلته للمحكمة ليُراجع، وقد تم تحضيره دون مناقشات عامة. انتقدت منظمات مستقلة مشروع القانون وقالت إنه يمنع منظمات حقوقية من التمتع بالوضع القانوني ويحظر على النشطاء الذين حُكم عليهم بالسجن تشكيل جمعيات أهلية. كما أن القانون يعرّض أنشطة الجمعيات والتمويل الأجنبي لإشراف لجنة حكومية تضم مسؤولين أمنيين، مع مطالبة المنظمات باستصدار موافقة وزارة التضامن الاجتماعي قبل التعاون مع هيئات أجنبية.

على مصر سحب مشروع القانون المذكور وأن تنتظر عودة البرلمان للانعقاد، لينظر في أمر المقترح الصادر عام 2013 الذي تم تحضيره في عهد وزير التضامن الاجتماعي السابق أحمد البرعي، الذي يقول النشطاء إنه أكثر مسودات قانون الجمعيات المتوفرة ديمقراطية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على مجلس حقوق الإنسان والدول الأعضاء فيه إدانة حملة قمع المجتمع المدني القائمة والمطالبة بتدابير ملموسة لتحسين مستوى احترام حقوق الإنسان، بما يشمل سحب مسودة قانون الجمعيات الحالية.

المادة 22 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" تُلزم  مصر – كدولة طرف في العهد – بضمان حرية تكوين الجمعيات وإلغاء أي قيود غير قانونية. كما يطالب قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 22/6 بشأن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان بأن تضمن الدول "عدم تجريم أي قانون أو نزعه الشرعية من أنشطة الدفاع عن حقوق الإنسان بسبب مصدر التمويل".

قالت فقيه: "على شركاء مصر الدوليين أن يعلنوا رفض ما يحدث حتى لا تختفي منظمات حقوق الإنسان المستقلة. على أعضاء مجلس حقوق الإنسان أن يلتزموا بتعهدهم بالدفاع عن الحقوقيين، عبر مطالبة الرئيس السيسي والحكومة المصرية بالإصلاح".