اقترب اليوم الأول للدوام في المدارس، وغالبا ما يصحب هذا اليوم الفرح والأمل في السنة القادمة. ولكن بالنسبة لكثير من الأطفال السوريين اللاجئين، قد لا يكون سوى يوم كئيب آخر لبيع العلكة في الشارع، أو جمع الخضروات في الحقول. قرابة  1.5 مليون طفل سوري لاجئ في سن المدرسة يعيشون في لبنان والأردن وتركيا لم يذهبوا إلى المدرسة السنة الماضية. رغم أن هذه الدول المضيفة اتخذت خطوات سخية لزيادة الالتحاق بالمدارس، لا تزال هناك فجوة هائلة.

قدمت هذه الحكومات التعليم العام المجاني وأنشأت "دواما إضافيا" في مئات المدارس لاستيعاب المزيد من الأطفال السوريين، ولكن أصعب الحواجز لا تزال قائمة. سيتطلب الأمر زيادة أكبر في تمويل مشاريع التعليم للتغلب على التحدي المتمثل في الالتحاق الثابت.

وجدت أبحاث "هيومن رايتس ووتش" في تركيا ولبنان والأردن في الآونة الأخيرة أن التحاق الأطفال السوريين اللاجئين بالمدارس يرتبط بشكل وثيق بقدرة والديهم أو أقاربهم الكبار على كسب لقمة العيش. أخبرنا آباء وأمهات لاجئون في هذه البلدان الثلاثة أن الفقر - ​​مدفوعا بعجزهم عن كسب العيش بسبب عدم الحصول على تصاريح عمل ودخول سوق العمل الرسمي – ما أجبرهم على الطلب من أطفالهم التضحية بتعليمهم. تعمل الغالبية العظمى من صغار فقط لمساعدة أسرهم في على البقاء.

خلال إجرائي بحثا العام الماضي بشأن السوريين الذين يعيشون في تركيا، قال لي اللاجئون في كثير من الأحيان إن الصعوبات الاقتصادية كانت العقبة الرئيسية أمام استمرار أطفالهم في المدراس. معدل الالتحاق داخل مخيمات اللاجئين مرتفع، لكن 90 بالمئة من اللاجئين السوريين لا يعيشون في المخيمات، بل في بلدات ومدن في جميع أنحاء البلاد حيث يكافحون من أجل العيش. لم يكن لدى أي من السوريين الذين قابلتهم تصريح عمل، ومن لم يجد عملا انتقل إلى القطاع غير الرسمي، حيث يدفع أصحاب العمل أجورا أقل من الحد الأدنى ويمتنعون عن دفعها أحيانا. بما أنه لا يسمح قانونا للاجئين بالعمل، فلا مهرب لهم من الاستغلال. أجورهم الضئيلة دفعتهم إلى إرسال أولادهم للعمل لتكملة دخل أسرهم.

اتخذت تركيا خطوة هامة في الاتجاه الصحيح في يناير/كانون الثاني، عندما أصدرت تعليمات تسمح للاجئين السوريين بطلب تصاريح عمل تقدم لهم حماية وظيفية وتشمل الحد الأدنى للأجور لجميع العمال السوريين. لكن اللاجئين السوريين الذين تحدثت معهم في أبريل/نيسان قالوا لي إن تصاريح العمل ليس لديها تأثير كبير بعد. فمن شروطها أن يجد اللاجئون صاحب عمل على استعداد لكفالتهم. ولكن أرباب العمل غير متحمسين لكفالة تصاريح عمل ستلزمهم بدفع أجور أعلى.

لم يتقدم أي من اللاجئين الكبار الذين قابلتهم بطلب للحصول على تصريح عمل أو لم يحصلوا عليه، ولم يسمعوا عن أي شخص نجح في الحصول على وظيفة بشكل قانوني. أعلنت الحكومة في مايو/أيار أنها قدمت 3800 تصريح عمل فقط بموجب النظام الجديد، أي لـ 0.3 بالمئة فقط من البالغين السوريين المسجلين في تركيا.

في الوقت نفسه، لا تزال العائلات تعتمد على الأطفال في سن الدراسة لتأمين لقمة العيش. قالت لي "رنا" (15 عاما) إنها تركت المدرسة منذ غادرت سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2013. بعد يوم من وصولها اسطنبول وجدت نفسها تعمل في مصنع للملابس، لتصبح جزءا من صناعة المنسوجات في تركيا التي تقدر بـ 40 مليار دولار. قالت لي: "كنت أبكي [في البداية] كل يوم وأعمل من 8:30 صباحا حتى 9 مساء. كنت متعبة جدا، وكانوا يوبخوني دائما. يجب أن أكون في الصف التاسع الآن. أفتقد المدرسة كثيرا". رغم كل تضحياتها تكسب رنا حوالي 340 دولار شهريا بلا ضمانات، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الإجمالي للأجر الشهري في البلاد وهو 1647 ليرة تركية (حوالي 560 دولار).

ترك المدرسة والتحول إلى جزء من القوى العاملة هو خسارة مؤلمة في مرحلة الطفولة. تحدثت مع ليلى (15 عام)، ونحن جالستين على أرضية شقة عائلتها الرثة والمكونة من غرفة واحدة في بلدة توربالي الزراعية الصغيرة. عندما سألتها إذا اشتاقت للذهاب إلى المدرسة، بدأت بالبكاء وقالت لي إنها تشتاق إليها. ولكنها كانت أكبر الأطفال الست وكانت والدتها تتوقع سابعا عندما التقيت بهم. قالت إنها تشعر أن ليس لديها خيار سوى المساعدة في دعم عائلتها المتنامية. تعمل الآن مع والدها في الحقول المجاورة.

تقول تركيا إنها تعتزم تسجيل جميع الأطفال السوريين في المدارس بنهاية العام الدراسي 2016-2017. وهو هدف جدير بالثناء، كما أن الدعم المالي والتقني العاجل من الدول المانحة سيساعد على تحقيقه. ولكن ما لم يكسب الآباء اللاجئون الحد الأدنى للمعيشة، لن يكونوا قادرين على تحمل تكاليف إرسال أطفالهم إلى المدارس.

على تركيا تعديل تعليمات تصريح العمل للسماح للاجئين بالتقدم مباشرة للحصول على ترخيص، دون الحاجة إلى الاعتماد على كفالة صاحب العمل. ينبغي أيضا العامل بفعالية لزيادة الوعي بهذه التعليمات في مجتمعات اللاجئين بحيث يمكن للعمال المؤهلين نقل أطفالهم خارج القوى العاملة إلى الفصول الدراسية.

أبحاثنا واضحة. التمويل الهادف إلى افتتاح فصول دراسية جديدة وتدريب المعلمين الجدد أمر بالغ الأهمية، ولكن هذا وحده لا يضمن ذهاب المزيد من الأطفال اللاجئين السوريين إلى المدرسة. علينا أيضا التخفيف من الفقر الذي يدفع العديد من الأطفال السوريين لاستبدال كتبهم المدرسية بآلات الخياطة. إن أنجع وسيلة للقيام بذلك هو ضمان أن آباءهم يمكنهم إعالة أسرهم دون الاعتماد على المساعدة من أيدي أطفالهم الصغيرة.

إلى أن يحدث هذا، سيبقى الطلاب الذين يفترض أن يكونوا في الفصول الدراسية الجديدة يكدحون في المصانع والحقول وفي الشوارع، التي لا ينتمون إليها.