غالبا ما تخفي الفضائح السياسية البريطانية الكبيرة مقايضة من نوع ما، سواء كانت فضيحة "المال مقابل الأسئلة" أو "منازل مقابل الأصوات الانتخابية". يجدر السؤال عن سبب عدم وجود غضب عام أكبر حول التسريبات الخطيرة عن صفقات السلاح والنفط المربحة للشركات البريطانية التي عُرضت على ديفيد كاميرون إذا ساعد في اتخاذ إجراءات صارمة تجاه أنشطة جماعة "الإخوان المسلمون" في المملكة المتحدة.

كشفت رسائل البريد الإلكتروني المسرّبة التي حصلت عليها صحيفة "الغارديان" في يونيو/حزيران 2012 عن محاولة دولة الإمارات العربية المتحدة التأثير على المملكة المتحدة من أجل اتخاذ خطوات ضد الإخوان المسلمون مقابل الحفاظ على عقود مربحة أو الحصول على عقود جديدة. تشير رسائل البريد الإلكتروني إلى أن حكومة الإمارات العربية المتحدة لديها ثقة عالية بقدرتها على التأثير في السياسة البريطانية، وهذا بدوره يطرح سؤالا أكبر حول أولويات المملكة المتحدة في الإمارات وبقية دول الخليج.

خلال تحقيق قامت به "لجنة الشؤون الخارجية" في علاقة المملكة المتحدة بالمملكة العربية السعودية والبحرين، طرح روري ستيوارت عضو البرلمان سؤالا منطقيا تماما حول ما إذا كانت توجد أدلة حول ممارسة المملكة المتحدة لتأثير إيجابي على حلفائها الأجانب فيما يتعلق بالحكم وسيادة القانون. يوحي سلوك المملكة المتحدة بشكل متصاعد إلى ضرورة طرح سؤال أكثر أهمية حول ما إذا كانت السياسة البريطانية في الخليج في الواقع تعزز القمع وتزيد من جرأة الحكام المستبدين في المنطقة.

يُمكن أن نأخذ مثالا على ذلك الصراع الدموي المتصاعد في اليمن. قال ممثل عن وزارة الخارجية لبعض زملائي مؤخرا إن الحكومة البريطانية "لا توافق" على تقييم "هيومن رايتس ووتش" بأن قوات التحالف التي تقودها السعودية ربما ارتكبت جرائم حرب خلال الضربات الجوية ضد قوات الحوثيين. اعترف وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند في 10 نوفمبر/تشرين الثاني أن إنكار السعودية انتهاك قوانين الحرب "ليس كافيا"، وأن هناك حاجة إلى "تحقيقات مناسبة". لماذا سحبت المملكة المتحدة دعمها لقرار "مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" في سبتمبر/أيلول، الذي كان يمكن أن يوصل إلى تحقيق دولي موثوق يدّعي هاموند الآن أنه يريد رؤيته؟ وافقت المملكة المتحدة في هذه الأثناء على نحو 37 ترخيص لتصدير معدات عسكرية إلى المملكة العربية السعودية منذ مارس/آذار، بالإضافة إلى توفير دعم تقني وإرسال خبراء اتصال إلى مقرات الجيش السعودي وقوات التحالف.

لننظر إلى البحرين، فقبل أسابيع من جلسة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بجنيف، نظّمت المملكة المتحدة اجتماعات قدّم خلالها مسؤولون بريطانيون لدبلوماسيين بيانات حول نجاح مزعوم لجهود البحرين في إصلاح أجهزتها الأمنية (مشروع تدعمه المملكة المتحدة بالمساعدات المالية والفنية). تشير أبحاثنا إلى أن البحرين تواصل تعذيب الناس في الاحتجاز، إلا أن مجلس حقوق الإنسان بقي صامتا نسبيا نتيجة تأكيدات المملكة المتحدة المتكررة لوجود إصلاحات وهمية.

ثم هناك دولة الإمارات العربية المتحدة والتي نعرف أنها كانت مشغولة بتخطيط عملياتها الخاصة ضد المرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين على أراضيها وحثّ ديفيد كاميرون على فعل الأمر ذاته في بريطانيا. كشفت إحدى المعلومات المسربة نيّة ولي عهد الإمارات باتخاذ "التدابير المناسبة" ضد الإسلاميين السياسيين في دولة الإمارات العربية المتحدة. بدأت الحملة في غضون أسابيع وشملت الاعتقال التعسفي والاخفاء القسري والتعذيب والمحاكمات الجائرة والقوانين الجديدة التي تمكّن محاكم الإمارات من إدانة منتقدي الحكومة سلميا كإرهابيين والحكم عليهم بالإعدام. ولكن الحكومة البريطانية التي كانت قبل ذلك بشهور متحمسة جدا في دعمها لـ "مزيد من الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط"، لم تنتقد تلك الاجراءات علنا.

 كما أنها لم تتحدث علنا عن تعرّض مواطنيها لسوء المعاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة. كشف طلب "للجنة حرية المعلومات" في يونيو/حزيران 2015 عن سوء معاملة الرعايا البريطانيين في حجز الشرطة في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تبين أن بين يونيو/حزيران 2010 ويونيو/حزيران 2015، اشتكى 43 بريطاني إلى مسؤولين في المملكة المتحدة بسبب التعذيب أو سوء المعاملة في إطار نظام العدالة الإماراتي. من المنطقي كذلك التساؤل حول ما إذا فعلت الحكومة البريطانية ما بوسعها تجاه تقارير تتعلق بـ 3 بريطانيات أُخذ أطفالهن منهن بعد عدم خضوع مزاعمهن بالتعرض للعنف المنزلي للتحقيق من قبل الشرطة الإماراتية.

رغم وجود أدلة واضحة على دعم الحكومة البريطانية لحكومات قمعية في منطقة الخليج، وأيضا توريد الأسلحة إلى التحالف العربي المتّهَم بارتكاب ما يرقى إلى جرائم حرب، إلا أن عددا قليلا من أعضاء البرلمان أثاروا اسئلة حول ذلك. تنتقد مجموعة صغيرة من النواب سياسة المملكة المتحدة في البحرين والسعودية باستمرار، بما في ذلك زعيم حزب العمال البريطاني الجديد جيريمي كوربين، الذي كتب في سبتمبر/أيلول: "علينا... الاعتراض على القنابل السعودية التي تسقط على اليمن، والدكتاتورية البحرينية التي تقتل حركتها الديمقراطية، ونحن نسلح كلاهما بأيدينا ".

ينبغي أن يأتي النقد من جميع الأطراف، بما في ذلك النواب المحافظين، ويجب أن يمتدّ ليشمل خنوع المملكة المتحدة الكامل والمخزي للإمارات العربية المتحدة.

إن لم تتسبب التقارير المتعلقة باحتمال امتثال ديفيد كاميرون لطلبات حكومة أجنبية ـ تفيد تقارير بتعذيبها مواطنين بريطانيين أثناء الاحتجاز ـ في إثارة الغضب، فما الذي سيثيره بعد ذلك؟