(تونس العاصمة) – مات رجلان مؤخرا في واقعتين منفصلتين أثناء احتجازهما في تونس العاصمة، في ظروف مثيرة للشبهات. قدّم أهالي الرجلين صورا تُظهر كدمات على وجهيهما وجسديهما، قائلين إن السلطات لم تبلغهم بالوفاة فور حدوثها.

عثرت عائلة سُفيان الدريدي عليه ميتا في مشرحة مستشفى شارل نيكول في 18 سبتمبر/أيلول 2015، بعد توقيفه من قِبل الشرطة في إدارة الجوازات بمطار تونس-قرطاج بسبعة أيام. لم تُخبر إدارة السجن أو الشرطة عائلته بوفاته. أوقفت قوّة مكافحة المخدرات التابعة لـ "الحرس الوطني" الرجل الثاني قيس برحومة، في 5 أكتوبر/تشرين الأول. قال شاهدان لـ هيومن رايتس ووتش إن عناصر الامن ضربوه بشدة في الشارع. علمت أسرته في اليوم التالي من قريب لهم أن جثمانه في مستشفى شارل نيكول.

قالت باحثة تونس، آمنة القلالي: "مصداقية النظام العدلي التونسي على المحك إذا لم يُوضح كيف ولماذا مات هذان المحتجزان. وإخفاق السلطات في إخبار الأهالي فورا بالموت يعزز الشبهات في حدوث انتهاك".

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات التونسية إجراء تحقيق شامل ونزيه في حالتيّ الوفاة.

أشار المقرر الخاص بالأمم المتحدة المعني بالتعذيب أثناء زيارته للمتابعة في تونس، في مايو/أيار 2014 إلى أنه: "رغم إحراز تقدم في مكافحة التعذيب وانحسار خوف الضحايا من تقديم شكاوى، لكن الإجراءات التي يتخذها المدعون والقضاة قليلة للأسف" في ما يخص متابعة شكاوى التعذيب من عهد بن علي والشكاوى الصادرة بعد الانتفاضة.

وقعت عدّة وفيات مشبوهة رهن الاحتجاز منذ 2013 منها 3 حالات أخرى وثقتها هيومن رايتس وواتش: وليد دنقير في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، محمد علي السنوسي في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2014، وعبد المجيد الجدي في 13 مايو/أيار 2015.

"مبادئ الأمم المتحدة بشأن المنع والتقصي الفعّالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام بإجراءات موجزة" تدعو إلى "تحقيق شامل عاجل نزيه" في كل حالات الوفاة المشبوهة رهن الاحتجاز لـ "تحديد سبب الوفاة وطريقة ووقت حدوثها والشخص المسؤول عنها، وأي نمط أو ممارسة قد يكون السبب في وقوعها". تنص المبادئ على أن "تُخطر أسر المتوفين وممثلوها القانونيون بأية جلسة استماع تعقد، ويسمح لهم بحضورها وبالاطلاع على جميع المعلومات ذات الصلة بالتحقيق ويحق لهم تقديم أدلة أخرى".

سفيان الدريدي
رحّلت سويسرا سفيان الدريدي إلى بلده تونس في 11 سبتمبر/أيلول. أوقفته الشرطة في مطار تونس-قرطاج ونقلته إلى مركز شرطة حي برج الوزير. قالت أسرته إن أمر توقيفه الصادر عام 2011 سببه شجار عنيف. أمضى الدريدي 4 أيام محبوسا على ذمة التحقيق في مركز الايقاف بوشوشة في تونس العاصمة، واستجوُب أولا في برج الوزير ثم في مركز شرطة سكرة حسب محاميه.

ورد في تقرير عن مساعد وكيل الجمهورية بتاريخ 15 سبتمبر/أيلول اطّلعت عليه هيومن رايتس ووتش، أن المساعد استجوب سفيان وفحص حالته البدنية ولم يرصد آثار تعذيب أو معاملة سيئة. أصدر قاضي التحقيق في المحكمة الابتدائية الاولي بالعاصمة بطاقة ايداع ذلك اليوم، ونُقل سفيان إلى سجن المرناقية وتقرر عقد جلسة له في 18 سبتمبر/أيلول.

قالت مروة الدريدي شقيقة سفيان إنه علي الساعة الرابعة صباحا ذلك اليوم حضر عُنصرا أمن في ثياب مدنية إلى بيت العائلة في تونس العاصمة وطلبا من شقيق سفيان أن يصحبهما. وأخبراه أن سفيان مريض للغاية وعليه الذهاب لمستشفى شارل نيكول لزيارته. وقالت إن الأسرة ذهبت إلى المستشفى ومنها إلى المحكمة ثم عادوا للمستشفى، لكن لم يتمكن أحد من إخبارهم بمكانه أو حالته الصحية. وأخيرا حوالي الساعة 1 بعد الظهر، أخبر أحد أقرباء سفيان أمه بعد ذهابه للمستشفى إن العاملين في الاستقبال أخبروه بوفاة سفيان وبأن جثمانه في المشرحة.

قالت أم سفيان، ربح المرداسي، لـ هيومن رايتس ووتش إنها ذهبت إلى مشرحة المستشفى الساعة 1:15 بعد الظهر:

عندما رفعوا الغطاء عن جثمانه كانت الرائحة لا تُطاق. لم تكن رائحة شخص توفي ذلك اليوم. صُعقت عندما رأيت كدمات زرقاء كبيرة على مستوى كليتيه اليُمنى واليُسرى. رأيت بقعة زرقاء أخرى على مستوى قلبه، وندبة حمراء مزّرقة كبيرة تحت عينه اليمنى وعلى مستوى رقبته. ورأيت دما متجلطا قرب أذنيه.

اطلعت هيومن رايتس ووتش على 4 صور لجثمان سفيان، التقطتها الأسرة في المشرحة يوم 18 سبتمبر/أيلول قبل التشريح. يظهر فيها بقعة زرقاء داكنة كبيرة على الجزء الأيسر من جبينه، وهالة دائرية زرقاء داكنة كبيرة تحت عينه اليُمنى.

قالت الأسرة لـ هيومن رايتس ووتش إنها استلمت الجثمان في 19 سبتمبر/أيلول. وورد في شهادة الوفاة أنه توفي الساعة 2:10 بعد الظهر في 17 سبتمبر/أيلول.

قال رضا الزغدودي الناطق الرسمي باسم سجن المرناقية في حوار متلفز إن سفيان كان مريضا بالسكري، ما  تسبب في إصابته بأزمة قلبية أودت بحياته.

قال محامي الأسرة محمد دبارة لـ هيومن رايتس ووتش إن قاضي تحقيق في محكمة تونس العاصمة الابتدائية فتح تحقيقا في الوفاة.

قيس برحومة
قبض أشخاصٌ، ذكر شهود أنهم كانوا عناصر أمن يرتدون ثيابا مدنية، على قيس برحومة (36 عاما) حوالي الساعة 4 بعد الظهر يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول في حيّ الوردية حيث يقطن برحومة. في اليوم التالي سمعت عائلته من قريب لهم أن جثمانه في مستشفى شارل نيكول. قال شخصان لـ هيومن رايتس ووتش إنهما شهدا رجالا في ثياب مدنية يضربون برحومة بشكل مُبرح.

هيثم بلحاج يونس (25 عاما) هو نادل في مقهى على مسافة 10 أمتار من مكان الحادث. قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه شاهد عدّة عناصر أمن في ثياب مدنية، يعرف أنهم ينتمون لفرقة مكافحة المخدرات في الحرس الوطني في الوردية، وهم يهرعون نحو برحومة عندما رأوه يسير نحو محطة ترامواي.  وقال انهم حاصروه وشلّ أحدهم حركته وركله آخر في ساقيه ثم رماه على الأرض.

ضرب الرجال برحومة وقيدوه بالأصفاد من وراء ظهره في ما راح يصرخ، حسب قول يونس. أضاف يونس أنه رأى أحدهم يرفع برحومة ، الذي كان نحيفا للغاية، ثم يرميه أرضا ليضرب رأسه الأرض. قال يونس إنه لم يسمع برحومة يصرخ بعد ذلك. وعندما رفعوه من جديد لاحظ ان رأسه يتدلي وانه لم يكن يتحرك. ووضعه عناصر الشرطة في سيارة "فورد فوكوس" بيضاء وتركوا المكان.

لطفي الورتاني كهربائي يعيش في فرنسا وكان في عطلة في تونس. أخبر هيومن رايتس ووتش بأنه كان عائدا إلى بيت أسرته في الوردية فرأى مجموعة رجال يضربون رجلا على الأرض، قرب محطة الترامواي. في البداية حسبها مشاجرة، حتى رأى أسلحة نارية مع بعضهم فخمّن أنهم رجال أمن. رآهم يلوون ذراعي الرجل ويقيدونه بالأصفاد وهم ما زالوا يركلونه. عندما رفعوه كان رأسه مُدلّى وفمه ينزف.

قالت محامية الأسرة سنيا الجلاصي لـ هيومن رايتس ووتش إن النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية في تونس العاصمة قررت فتح تحقيق مبدئي في وفاة برحومة المشبوهة، بحق وحدة مكافحة المخدرات في الحرس الوطني في الوردية. كلّف المدعي شرطة القرجاني العدلية بالتحقيق. قال يونس ولطفي لـ هيومن رايتس ووتش إنهما تلقيا استدعاء للشهادة في القرجاني في تونس العاصمة يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول. لم تصدر السلطات بيانا حول وفاة برحومة على حد علم هيومن رايتس ووتش.

قالت أمل برحومة شقيقة قيس لـ هيومن رايتس ووتش إن الأسرة لم تسمع بوفاته إلا من الجيران.وبعد ايقافة تنقل والده علي الساعة 7 مساء إلى مركز الحرس الوطني في الوردية، فأخبروه بأن ابنه ليس عندهم. في الصباح التالي اتصل قريب يعمل في مستشفى شارل نيكول ليخبر أمل برحومة برؤيته اسم قيس في قائمة المتوفين.

ذهب الأهل إلى المستشفى فأخبرهم مسؤولون بأنه ليس مسموح لهم برؤية الجثمان. لم يروه إلا اليوم التالي، 7 أكتوبر/تشرين الأول، عندما سُمح لهم باستلام جثمانه من المشرحة بعد إجراء تشريح. قالت شقيقته إنهم رأوا كدمات على كتفه الأيسر ورقبته، وإنه بدا مصابا بكسر في كتفه الأيسر.