الحاجة إلى التفاوض مع قادة دول ببشاعة الرئيس السوري بشار الأسد هي واقع دبلوماسي مؤسف. لكن على قادة الدول الغربية الحرص على عدم الخلط بين تلك الضرورة، والفكرة التي تروج لها روسيا بشأن عدم إمكانية حل الأزمة السورية إلا إذا بقي الأسد في السلطة. عليهم كذلك ألا يُصدقوا أن الدور الحالي للأسد هو السبيل الوحيد لمنع انهيار الدولة السورية، وحماية التنوع في المجتمع السوري.  

سعى فلاديمير بوتن طويلا إلى تقديم الأسد باعتباره متراسا ضد المجموعة التي تسمي نفسها "الدولة الإسلامية". إلا أن الأسد، بغض النظر عن كونه أحد عوامل الاستقرار أو الحلول في مواجهة تهديد "داعش" لحقوق الإنسان الأساسية، هو عامل رئيسي في ظهور الجماعات المُتطرفة في سوريا. في الأيام الأولى للانتفاضة السورية من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرين الأول 2011، أفرج الأسد عن عدد من الجهاديين من السجون كانوا قد حاربوا في العراق، واستمر العديد منهم في أدوار قيادية داخل المجموعات الإسلامية المُتشددة. جاء الإفراج عنهم في إطار عفو أوسع نطاقا، إلا أن الأسد أبقى من يُساندون الانتفاضة السلمية في السجن.

مدنيون يتفقدون موقعا قال ناشطون إن قوات موالية للرئيس السوري بشار الأسد استهدفته بالبراميل المتفجرة في حلب يوم 26 مارس/آذار 2014. © 2014 رويترز 

أسهم هذا الإفراج في تغيير طبيعة الانتفاضة السورية من كونها، إلى حد بعيد، ذات ذات أهداف ديمقراطية، إلى حركة تقع تحت سيطرة الجهاديين. مكّن هذا التحول الأسد من صرف الانتباه عن دوره الشرير إلى مزاعمه عن حتمية وجوده في السلطة لمُحاربة داعش.

منذ أن أصبحت داعش قوة لا يُستهان بها في أعقاب استيلائها على الرقة في 2013، حرصت قوات الأسد إلى حد بعيد على تحاشي مواجهتها. تصاعدت وتيرة الصراع بين القوتين منذ صيف 2014، إلا أن الأسد، بشكل عام، ترك داعش وشأنها لعدة أشهر في فترة حرجة، وسمح لها بتوطيد أركان "خلافتها". بدلا من مواجهة داعش، ركز الأسد نيران قواته العسكرية على عناصر أخرى من المُعارضة المُسلحة.

الأكثر أهمية هو أن الفظائع التي ارتكبها الأسد أدت إلى ازدهار التجنيد في صفوف لداعش، وغيرها من الجماعات المُتطرفة. اتسمت الحرب السورية بقُبح يفوق التصور، لأن الأسد اختار أن يخوضها ليس عبر استهداف المُقاتلين المُعارضين ببساطة – وهو جوهر الحروب بحسب اتفاقيات جينيف – ولكن عبر شن هجمات عشوائية ضد المدنيين في الأراضي التي تسيطر عليها المُعارضة. تراوحت الأدوات التي استخدمها من حرمان المدنيين من الطعام والرعاية الطبية، إلى قنابله البرميلية سيئة السمعة. كانت النتيجة دمار شامل لمساحات واسعة من الغوطة، وحلب، وإدلب، ودرعا، وغيرها من المناطق التي تسيطر عليها المُعارضة. هذه الحرب ضد المدنيين هي السبب الرئيسي لفرار اللاجئين السوريين، فبسببها لا يستطيع كثيرون منهم  العثور على مكان آمن داخل بلدهم.

يجب أن يكون وقف فظائع الأسد وتلك التي ترتكبها جماعات أخرى، على رأس جدول الأعمال في أي مفاوضات.

الهدف الواضح لاستخدام الأسد إستراتيجية جرائم الحرب هو إخلاء المناطق التي تسيطر عليها المُعارضة من السكان، وتوجيه رسالة إلى السوريين الآخرين بأنهم سيتعرضون للهجوم كذلك إذا ما انتصرت المُعارضة في أحيائهم. تجعل الفوضى والفراغ نتيجة الهجمات من السهل على داعش، وغيرها من الجماعات المُتطرفة، تجنيد المقاتلين عبر الادعاء أنها وحدها القادرة على التصدي بفعالية لتلك الفظائع الجماعية. تبدت الكراهية للأسد بوضوح حين واجهت الولايات المتحدة صعوبة في محاولة تجنيد أشخاص للقتال ضد داعش وحدها.

بالفعل، ربما كان الغضب الناجم عن الطريقة التي يتبعها الأسد في خوض الحرب هو التهديد الأكبر للدولة السورية. هيكليات الحكم في الدولة تختلف عن نظام الأسد الذي يُسيطر عليها حاليا، لكن كلما طالت المدة التي يستخدم فيها الأسد وحاشيته قوة الدولة في ذبح المدنيين، كلما قل عدد من يميزون هذا الاختلاف. من شأن انهيار الدولة، بدلا من انتقال مُنظم للنظام الحاكم، أن يكون كارثيا.

إنهاء هجمات الأسد المنهجية ضد المدنيين هي السبيل إلى أي إستراتيجية واقعية لاحتواء داعش وإعادة بناء النسيج الاجتماعي، الذي يُعتبر جوهريا في مواجهة التطرف والحفاظ على استمرارية الدولة السورية. ونظرا إلى العداء الناجم عن تلك الهجمات، ربما كان وقفها شرطا أساسيا كذلك لإجراء أي مُحادثات سلام ناجحة.

ومما يدعو للأسف أن روسيا وإيران، أبرز مؤيدي التعامل مع الأسد، لم يُمارسا أي ضغوط ملموسة لوقف هذه المذبحة. بل على العكس، عارضت روسيا مُضاعفة الجهود في مجلس الأمن التابع للأمم المُتحدة من أجل الحد من استخدام الأسد للقنابل البرميلية.

حان الوقت لنتوقف عن إشاحة نظرنا عن هذه الجرائم المُروعة. يجب أن يكون وقف فظائع الأسد وتلك التي ترتكبها جماعات أخرى، على رأس جدول الأعمال في أي مفاوضات.