سيارة تضررت نتيجة هجوم بسيارة مفخخة استهدف موكب النائب العام المصري هشام بركات تظهر في هذه الصورة في القاهرة بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2015

© 2015 رويترز

 

(بيروت) ـ مقتل النائب العام المصري هشام بركات في تفجير استهدف موكبه يوم 29 يونيو/حزيران 2015 يمثل لحظة خطيرة لسيادة القانون في مصر، ومنعطفاً جديداً في العنف المناوئ للحكومة. وعلى السلطات التحقيق في الجريمة وملاحقة المسؤولين عنها في محاكمات عادلة ومفتوحة. وقد أدى الهجوم الذي وقع في القاهرة كذلك إلى إصابة سبعة أشخاص على الأقل، بينهم ستة من حرس بركات الشخصيين وأحد المارة، بحسب تقارير إعلامية.

إن قتل بركات يجب أن يدق نواقيس الخطر من أن الانتهاكات الخطيرة وتدهور سيادة القانون في مصر على مدار العامين الماضيين قد ساهمت في إعداد بيئة خصبة للعنف، بحسب هيومن رايتس ووتش. وكان بركات، بحكم منصبه كنائب عام، قد اضطلع بدور قيادي في القضايا المقامة بحق الرئيس الأسبق محمد مرسي الذي عزله الجيش في يوليو/تموز 2013، وغيره من قادة الإخوان المسلمين وأعضاء المعارضة السياسية، الذين انتهى المطاف بكثيرين منهم إلى محاكمات جماعية غير عادلة وأحكام بالإعدام. وقد أطلق مسلحون النيران المميتة على قاضيين وأحد أفراد النيابة في شبه جزيرة سيناء في مايو/أيار 2015.

وقال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "إن اغتيال النائب العام جريمة خطيرة، وينبغي تقديم الجناة للعدالة على نحو عادل وشفاف. وهذه الجريمة  هي بمثابة رسالة تنبيه لقادة مصر، الذين يتعين عليهم البدء في وقف دائرة العنف المتفاقم في البلاد بالعودة إلى سيادة القانون ووقف الحملة القمعية التي قلصت الحريات الأساسية، بدلاً من الإسراع فيها".

وفي 30 يونيو/حزيران، أثناء كلمة ألقاها في جنازة بركات، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن "يد العدالة الناجزة مغلولة بالقوانين، ولا يمكننا انتظار هذا". ووعد بتعديل القوانين التي تسمح بـ"تنفيذ القانون والعدالة في أسرع وقت ممكن".

وقال السيسي: "هتصدر حكم بالإعدام هيتنفذ حكم الإعدام. هتصدر حكم بالمؤبد هيتنفذ حكم المؤبد".

وقال السيسي لعدد من القضاة  أثناء مغادرته الجنازة: "لا المحاكم بالطريقة دي في الظروف دي هتنفع... الكلام ده ينفع مع ناس عاديين. لكن الناس اللي لأ (غير عاديين) ما ينفعش معاهم غير القانون الناجز".

وقالت صحيفة المصري اليوم المستقلة، نقلاً عن مصادر قضائية، إن حكومة السيسي ستدرس في القريب العاجل تعديل قانون الإجراءات الجنائية بحيث يتيح للقضاة انتقاء من يسمعونهم من الشهود في المحكمة، وإخضاع أحكام محكمة الأمن الدولة العليا لتصديق الرئيس فقط بدون استنئاف.

ولم تقم أية جماعة بتبني مسؤولية قتل بركات. وكان بيان على إحدى صفحات موقع فيسبوك، المنسوبة إلى حركة المقاومة الشعبية في الجيزة ـ والتي سبق لها تبني مسؤولية أعمال تخريبية مناوئة للحكومة والدعوة إلى العنف ضد قوات الأمن ـ قد ادعى في البداية المسؤولية عن جريمة القتل، لكنه حُذف فيما بعد. ثم اختفت الصفحة من على موقع فيسبوك. وبعد هذا قام حساب على تويتر منسوب إلى حركة المقاومة الشعبية بإنكار امتلاك المجموعة لصفحة على فيسبوك. وفي 30 يونيو/حزيران صرحت قوات الأمن لمنافذ إعلامية مصرية بأنهم اعتقلوا الشخص المسؤول عن بيان فيسبوك الأصلي.

وبعد جريمة القتل بساعات، قامت هيئة الاستعلامات الحكومية المصرية بإلقاء اللوم على الإخوان المسلمين، أو تنظيم مرسي السابق، في مقتل بركات، لكنها لم تقدم أية أدلة. وكانت الحكومة قد صنفت تنظيم الإخوان على أنه تنظيم إرهابي في ديسمبر/كانون الأول 2013، بعد تفجير مميت بمديرية الأمن في مدينة المنصورة بمنطقة الدلتا، كذلك بدون تقديم أدلة على تورط الإخوان. وقد أشار الرئيس السيسي، الذي أشرف كوزير للدفاع على عزل مرسي والقتل الجماعي لما يزيد على ألف من مؤيدي مرسي في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2013 قبل تولي الحكم في يونيو/حزيران 2014، أشار إلى الإخوان على أنهم "الأب الروحي لجميع التنظيمات الإرهابية".

وفي تصريح للجماعة، قال الإخوان إن "القتل مرفوض، ولا سبيل إلى وقف هذه الدماء إلا بكسر الانقلاب العسكري". وقالت الجماعة إن "إزاحة هذه السلطة المجرمة" هي السبيل الوحيد لإنهاء العنف، وإن الحكومة وحملتها القمعية مسؤولان عن إيجاد الظروف التي أدت إلى الاغتيال.

وقد كرر الإخوان، الذين سيق قادتهم إلى السجون أو اختبأوا منذ عزل مرسي، الإعلان عن التزامهم بالعصيان المدني الخالي من العنف كشكل من أشكال الاحتجاج، في تصريحات رسمية ومن خلال الملاحظات الشخصية للقادة. ومع ذلك فإن الجماعة تخوض غمار نقاش داخلي بشأن استخدام العنف لمعارضة حكومة السيسي، بحسب تقارير صحفية. وفي بيان رسمي منشور في مايو/أيار، أيدت الجماعة نداء وجهه علماء مسلمون للمسؤولين عن قتل "الأبرياء" ـ سواء كانوا من القضاة أو الساسة أو الشخصيات الإعلامية أو غيرهم ـ لمواجهة القصاص منهم بضوابطه الشرعية، في إيحاء بوجوب قتلهم. وقام ناطق باسم الإخوان في مايو/أيار بالدعوة إلى "ثورة لا تبقي ولا تذر ظالماً".

وكان الرئيس المؤقت عدلي منصور، الذي تولى السلطة بعد عزل مرسي في يوليو/تموز 2013، قد عين بركات نائباً عاماً في 10 يوليو/تموز 2013، بعد أسبوع من شغله لمنصبه. وعقب هذا قام بركات بدور قيادي في الحملة القمعية الوحشية على الإخوان ومختلف الجماعات المعارضة: فصرح لوزير الداخلية بفض الاعتصام المؤيد لمرسي بميدان رابعة العدوية في 14 أغسطس/آب 2013، مما خلف ما لا يقل عن 800 قتيل في يوم واحد، ورفع الدعاوى المشوبة بانتهاكات جسيمة  لسلامة الإجراءات القانونية، والتي أدت إلى محاكمات جماعية غير عادلة ومئات من أحكام الإعدام بحق أعضاء الإخوان، بمن فيهم مرسي وغيره من كبار القادة. كما تورط بركات في تسجيل مسرب لمساعدي السيسي وهم يناقشون احتجاز مرسي غير المشروع بمعزل عن العالم الخارجي بعد عزله. ويزعم أن واحداً من كبار القادة العسكريين يقول في التسجيل إن جهوده لتلفيق مكان احتجاز مرسي ـ بغية تجنب العواقب القانونية لاحتجازه دون وجه حق ـ قد تمت بطلب من بركات.

وقد دأبت جماعات مسلحة على مهاجمة الشرطة والقوات المسلحة في العامين اللذين مرا منذ عزل مرسي، على الأخص في محافظة شمال سيناء حيث حصد النزاع بين الحكومة وجماعات المتمردين آلاف الأرواح. لكن تعرض القضاة وأفراد النيابة للهجوم البدني تزايد في الآونة الأخيرة.

ففي 14 يناير/كانون الثاني 2014 انفجرت قنبلة أمام إحدى محاكم القاهرة بحي إمبابة قبل يومين من استفتاء شمل أرجاء البلاد على دستور جديد، ولم تنتج عنها خسائر. وفي 3 مارس/آذار 2015 انفجرت قنبلة قرب مقر المجلس الأعلى للقضاء بوسط القاهرة، فقتلت اثنين من المارة وجرحت تسعة آخرين. وفي 23 مارس/آذار انفجرت قنبلة أمام منزل فتحي البيومي، أحد قضاة محكمة جنايات الجيزة، بدون خسائر. وفي 10 مايو/أيار تسببت ثلاثة انفجارات صغيرة أمام منزل معتز خفاجي، رئيس محكمة جنايات القاهرة، في إصابة عدد من المارة. وبعد ستة أيام قام مسلح بإطلاق النيران المميتة على اثنين من القضاة وأحد أفراد النيابة وسائقهم، كما جرح فرداً آخر من أفراد النيابة، بينما كانوا في سيارتهم في الطريق إلى المحكمة بمحافظة شمال سيناء.

وقد قامت جماعة منتسبة إلى تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف (المعروف أيضاً باسم داعش)، تطلق على نفسها اسم "ولاية سيناء" وكانت تعمل سابقاً باسم "أنصار بيت المقدس"، بنشر مقطع فيديو في 28 يونيو/حزيران يظهر مقاتليها وهم يرتكبون على ما يبدو هجوماً بإطلاق النار من سيارة متحركة في شمال سيناء. وسبق المقطع صور لعدد من القضاة، بينهم هؤلاء الذين برأوا الرئيس السابق حسني مبارك أو أصدروا أحكاماً قاسية على النشطاء والمتظاهرين المعارضين للحكومة، وبي أولئك مجموعة من فتيات المدارس في الإسكندرية.

وقال نديم حوري: "شهد العامان الماضيان تدهوراً تدريجياً للوضع في مصر، يتسم بانتهاك الحكومة لسيادة القانون وتصاعد العنف من جانب الجماعات المعارضة المتطرفة. ويعد قتل بركات اليوم تصعيداً إضافياً ينبغي أن يدفع الجانبين إلى التراجع".