"انسي مرسي وانسي رابعة". هذا ما قاله لي بقال الحي المصري قبل يومين، معبراً عن ولائه للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يقاسمه فيه معظم مواطنيه في مصر. "لقد أنقذنا من هؤلاء الناس".

ومع ذلك وبعد مرور عام يظل مستحيلاً تناسي مذبحة ميدان رابعة، التي قامت فيها قوات الأمن المصرية بقتل ما لا يقل عن 817 شخصاً، وربما ألف شخص على الأرجح، في واحدة من أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين في التاريخ الحديث. ولا شك أن الغفران بدوره مستحيل.

إن وقائع القتل، وكذلك قتل مئات المتظاهرين في يوليو/تموز وأغسطس/آب من العام الماضي، تمثل الحلقة المحورية في حملة الرعب التي شنتها الحكومة المدعومة عسكرياً في أعقاب خلع الجيش لمحمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً ـ والوحيد حتى الآن. لقد بدت الحملة وكأنها مصممة لإيصال رسالة وحيدة للإخوان المسلمين وأنصارهم: أن الديمقراطية، إذا كانت تعني نزالاً سياسياً حقيقياً بين آراء متنوعة، فقد انتهت في مصر.

ممنهجة وعمدية

يكشف تقرير هيومن رايتس ووتش بشأن وقائع القتل، المنشور لتوه، عن الطريقة الممنهجة والعمدية التي اتبعتها الشرطة والجنود في إطلاق النار على ما لا يقل عن 80 ألفاً من المتظاهرين السلميين في معظمهم في ميدان رابعة. وقد اشتمل تحقيقنا الذي استمر لمدة عام على مقابلات مع أكثر من 200 شاهد، وعمليات رصد للمظاهرات نفسها، وزيارات للمستشفيات والمشارح، ومراجعة لأدلة مادية ومستمدة من مقاطع الفيديو.

لقد وثقنا قيام الشرطة بإطلاق النار لقتل المتظاهرين، في غضون دقائق من تحذيرهم المفترض بضرورة الفرار، ولكن دون السماح لهم بالخروج آمنين. هاجمت الشرطة الاعتصام من كل مدخل من مداخل الميدان الرئيسية، باستخدام ناقلات الأفراد المدرعة والجرافات والقوات الأرضية والقناصة. بل إنها أطلقت النار على المنشآت الطبية الميدانية ووضعت القناصة بحيث يستهدفون الأشخاص الراغبين في دخول مستشفى رابعة أو الخروج منه. وقرب نهاية اليوم اشتعلت النيران في المنصة المركزية، والمستشفى الميداني، والمسجد، والطابق الأول من المستشفى، بأيدي قوات الأمن على الأرجح.

ولم تكن واقعة رابعة فردية، بل كانت واحدة من عدة اعتداءات على المتظاهرين في أعقاب عزل مرسي، قتلت فيها قوات الأمن المئات. وفي كل واقعة، وصف عشرات الشهود كيف أطلقت النيران على متظاهرين عزل، دون تحذير في حالات كثيرة.

وبينما حاولت الحكومة تصوير مسلكها في هيئة الدفاع عن النفس أمام عنف من جانب المتظاهرين، إلا أن الأدلة ـ بل تصريحات الحكومة نفسها ـ تشير إلى أن عدداً قليلاً فقط من المتظاهرين كان يحمل السلاح ويستخدم العنف. في رابعة على سبيل المثال، وسط عشرات الآلاف من المتظاهرين، لم تعثر الحكومة على أكثر من 15 بندقية، وفقدت 8 من رجال الشرطة جراء العنف من جانب المتظاهرين، مما لا يكاد يدل على الخطر الهائل المحدق بالأرواح الذي كان من شأنه تبرير اللجوء إلى القوة المميتة على هذا النطاق الواسع، وتلك الحصيلة الضخمة من الوفيات.

والأنكى أن المقتلة الجماعية لم تنبع من الفوضى وإنما نتجت عن خطة تم تنسيقها بعناية، مما يعكس سياسة تقضي بإطلاق النار على المتظاهرين. لقد قامت وزارة الداخلية، في الفترة المؤدية إلى فض رابعة، بعقد العديد من الاجتماعات مع كبار المسؤولين الحكوميين من وزارات مختلفة قبل تنفيذ الخطة. بل إنها أذاعت على الملأ توقعها لحصيلة وفيات تبلغ 10 بالمئة من المتظاهرين ـ أو نحو 3500 شخص ـ في إشارة إلى أن العواقب لم تكن ظاهرة فحسب، بل تم التحسب لها أيضاً.

وبعد ذلك بقليل قال رئيس الوزراء حازم الببلاوي لوسائل الإعلام: "كان المتوقع أكثر بكثير مما حدث فعلياً على الأرض. والنتيجة النهائية كانت أقل من توقعاتنا". وفي اليوم التالي قال لصحيفة المصري اليوم: "لقد نجحت خطة الفض بنسبة مئة في المئة".

جرائم ضد الإنسانية

إن أعمال القتل هذه، بالنظر إلى طبيعتها الممنهجة واسعة النطاق، والأدلة التي توحي بحدوثها كجزء من سياسة تقضي باستخدام القوة المميتة ضد متظاهرين عزل في غالبيتهم، ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ـ وهي من أخطر انتهاكات القانون الدولي. كما أخفقت السلطات في تقديم ولو مجرد تظاهر بالمحاسبة، رغم فظاعة ما ارتكبته.

لم تحقق الحكومة مع فرد واحد من الشرطة على ما حدث، ناهيك عن ملاحقته، ولا قدمت أي كشف حساب جدي. وبدلاً من هذا زادت الجرح إيلاماً فأنعمت على أفراد قوات الأمن المشاركين في الفض بالمكافآت والترقيات، وأقامت نصباً لتكريمهم في الموقع.

واليوم تجاهد السلطات لتصوير مصر كبلد نجحت في إعادة النظام إليه واستعادت له دوره كمعقل للاستقرار في منطقة تعج بالفوضى. وقد يكون صحيحاً أن الشرطة تتعرض لهجمات مميتة متفرقة حالياً، لكنها نادراً ما تتسرب خارج سيناء، وإذا قورنت بالقتال في العراق وسوريا وليبيا فإنها لا تمثل أزمة بقدر ما تمثل بعض المنغصات. بل إن مصر عادت إلى صدارة التحركات الدبلوماسية، كشريك يعتمد عليه للولايات المتحدة، بمساعدتها في التفاوض على وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس. وفور عودة السائحين ستعود الأمور إلى ما كانت عليه.

قمع سياسي هائل

لكن هذه الرواية الدالة على الهدوء لم تأت بثمن بخس، إذ استندت إلى أكبر حملة من القمع السياسي والوحشية التي شهدتها البلاد في أجيال من الحكم الديكتاتوري. فمنذ الانقلاب قامت الحكومة المدعومة عسكرياً بحبس ما لا يقل عن 22 ألفاً من أنصار الإخوان المسلمين، حارمة إياهم من الحقوق الأساسية في سلامة الإجراءات، كما أصدرت المحاكم احكاماً جماعية صادمة بالإعدام. وتمتد الملاحقات إلى النشطاء العلمانيين بدورهم، مع إلغاء شبه تام للمساحة المتاحة للآراء الانتقادية. أما منظمات حقوق الإنسان المصرية فقد وصفت الحملة ضدها بأنها "حرب على المجتمع المدني".

من المشكوك فيه، إذن، أن يستمر هذا الهدوء. فمن المستبعد للمعارضة السياسية الحبيسة في مصر، وضحايا قمع الحكومة، أن يلتزموا الصمت حيال الحكم المدعوم عسكرياً، المتحرر من أية محاسبة. كما أن إخفاق الحكومة في التصالح مع قطاع هام من الطبقة السياسية، وتقديم حساب عن سلوكها الذي لا يستند إلى أي قانون، قد يعمل على جلب عدم الاستقرار مستقبلاً.

ومن واجب الحكومات المعنية ـ بالتحرك على سبيل المثال من خلال تحقيق يجريه مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ـ أن تبرهن لضحايا إساءات الحكومة المصرية على أن الحقيقة والعدالة هما إمكانيات واقعية.

سارة ليا ويتسن هي المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش. للمتابعة على تويتر @sarahleah1