مخلفات مقذوفة صاروخية، نيران مباشرة، أمام مستشفى الفلوجة العام في الأنبار. الصورة بتاريخ 13 يناير/كانون الثاني 2014.

© 2014 خاص

(بغداد) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن قوات الحكومة العراقية التي تواجه جماعات مسلحة في محافظة الأنبار غربي العراق منذ يناير/كانون الثاني 2014 قد وجهت ضربات متكررة إلى مستشفى الفلوجة العام بقذائف الهاون وغيرها من الذخائر. وتوحي الضربات المتكررة للمستشفى الرئيسي، بما في ذلك بأسلحة النيران المباشرة، توحي بقوة باستهداف القوات العراقية للمستشفى، مما يشكل انتهاكاً خطيراً لقوانين الحرب.

ومنذ بدايات مايو/أيار، قامت القوات الحكومية أيضاً بإلقاء قنابل برميلية على أحياء سكنية في الفلوجة والمناطق المجاورة، كجزء من حملة مكثفة ضد جماعات المعارضة المسلحة، ومنها الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وقد أدت هذه الهجمات العشوائية عديمة التمييز إلى خسائر في صفوف المدنيين واضطرت الآلاف من السكان للفرار.

قال فريد آبراهامز، المستشار الخاص لـ هيومن رايتس ووتش: "أطلقت الحكومة النيران العشوائية على أحياء الفلوجة السكنية لأكثر من أربعة أشهر، ثم صعدت من هجماتها في مايو/أيار. وهذا الاستهتار البيّن بالمدنيين يجلب الموت على الأشخاص العالقين بين قوات الحكومة وجماعات المعارضة".

وتقول الجماعات المسلحة التي تحارب القوات الحكومية في الأنبار، بما فيها داعش، إنها أعدمت أسراها من الجنود العراقيين. كما تبنت داعش مسؤولية هجمات انتحارية وهجمات بسيارات مفخخة على أهداف مدنية في أجزاء أخرى من العراق، رداً على الهجوم على الفلوجة. وقد وجدت هيومن رايتس ووتش أن انتهاكات داعش قد ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.

في الفلوجة قامت داعش بزرع عبوات متفجرة بدائية الصنع بطول الطريق السريع الرئيسي وغيره من أجزاء المدينة، كما تدير سجوناً في الفلوجة ومناطق أخرى، بحسب بعض سكان الفلوجة.

وقد قام ستة شهود ممن أجرت معهم هيومن رايتس ووتش المقابلات، ومنهم ثلاثة من العاملين بالمستشفى، بتقديم شهادات ذات مصداقية عن ضربات متكررة وجهتها القوات الحكومية إلى مستشفى الفلوجة الرئيسي منذ يناير/كانون الثاني، فألحقت تلفيات جسيمة بالمباني وإصابات بالمرضى وأفراد الطاقم الطبي. وقال ضابط أمن يتبع الحكومة العراقية ويتمركز في الأنبار، وقد تحدث مع هيومن رايتس ووتش بشرط حجب هويته، قال إن القوات الحكومية استهدفت المستشفى بالهاون والمدفعية في 16 واقعة مختلفة.

قال موظفو المستشفى الثلاثة إن قذائف الهاون سقطت في أوقات مختلفة على قسم الطوارئ، ووحدة العناية المركزة، ووحدة التكييف المركزي، ومقطورة تؤوي عمال بالمستشفى من بنغلادش، وأجزاء أخرى من المستشفى. وقد أصابت الهجمات أربعة عمال من بنغلادش وثلاثة أطباء عراقيين وعدداً غير معروف من المرضى، بحسب قولهم.

قالت هيومن رايتس ووتش إن هذه الشهادات عن ضربات متكررة على مدار 4 شهور، المؤيدة بصور فوتوغرافية لتلفيات ظاهرة بالمستشفى، تشير بقوة إلى استهداف المستشفى.

قال شاهدان على الهجمات التي استهدفت المستشفى وأحدهما من العاملين بالمستشفى، إن مقاتلين مناوئين للحكومة من غير المنتمين إلى داعش كانوا يحرسون المستشفى، وإن المقاتلين الجرحى كانوا يتلقون العلاج هناك. وقال المسؤول الأمني الحكومي المتمركز بالأنبار إن داعش، وفق معلومات تلقاها من خلال عمله ومن العاملين بالمستشفى، قد استولت جزئياً على المستشفى، وكانت تستغل الطابق الثاني لمعالجة المقاتلين الجرحى وتستغل المكاتب الإدارية لاحتجاز المسؤولين المحليين رفيعي المستوى.

تخضع كافة المستشفيات، سواء كانت مدنية أو عسكرية، لحماية خاصة بموجب قوانين الحرب، فلا يجوز استهدافها حتى ولو استغلت لعلاج مقاتلين أعداء. وبموجب القانون الدولي العرفي المنطبق على القتال في الأنبار، تظل المستشفيات محمية ما لم تستغل لارتكاب أعمال عدائية تخرج عن وظيفتها الإنسانية. وحتى في تلك الحالة فإنها لا تخضع للهجوم إلا بعد توجيه إنذار يحدد مهلة زمنية معقولة، وبعد عدم الاكتراث بذلك الإنذار. ولا يجوز للجماعات المسلحة احتلال المستشفيات أو المنشآت الطبية.

قام سكان من الفلوجة وشهود أيضاً بوصف هجمات عشوائية عديمة التمييز بالهاون والصواريخ تسببت في قتل مدنيين، وأتلفت أو دمرت منازل، ومسجدين على الأقل، ومدرسة لم تكن مستخدمة في أغراض عسكرية.

وتشير شهادات شهود وسكان وكذلك المسؤول الأمني الحكومي إلى أن هذه الهجمات العشوائية عديمة التمييز قد اشتملت منذ مطلع مايو/أيار على استخدام القنابل البرميلية، الملقاة من المروحيات، على مناطق مأهولة من الفلوجة. قال المسؤول الأمني المتمركز في الأنبار إن الجيش استخدم القنابل البرميلية منذ 2 مايو/أيار تقريباً في الفلوجة، وكذلك في بلدات القرما والصقلاوية وإبراهيم بن علي والمناطق المحيطة بها. قال المسؤول: "لقد بدأوا في استخدامها [القنابل البرميلية] لأنهم يريدون إحداث أكبر قدر ممكن من الدمار. لقد قررت حكومتي تدمير المدينة ... بدلاً من محاولة غزوها".

وقال ثلاثة من سكان الفلوجة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم شاهدوا مروحيات تلقي بقنابل برميلية على حي الشرطة السكني في الفلوجة في 8 مايو/أيار، و4 قنابل على مناطق سكنية أخرى في 8 و9 مايو/أيار، والعشرات منها على حي العسكري بين 3 و9 مايو/أيار. وقال ساكن آخر إنه شاهد 5 أو 6 قنابل برميلية غير منفجرة في حي الشهداء يوم 8 مايو/أيار. وقال أربعة سكان آخرون إنهم سمعوا ما اعتقدوا أنه صوت هجوم بالقنابل البرميلية، استناداً إلى الصوت الثاقب والانفجار الهائل. ووصفوا دماراً واسع النطاق في مناطق مأهولة يتفق مع تأثير القنابل البرميلية.

في 12 مايو/أيار أنكر مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي استخدام الجيش للقنابل البرميلية في الأنبار ووصف تلك المزاعم بأنها "حملة تشهير". كما أنكر التهمة أيضاً قائد غرفة عمليات الأنبار في الجيش، اللواء رشيد فليح.

والقنابل البرميلية أسلحة غير موجهة تصنع عادة من براميل النفط الكبيرة أو اسطوانات الغاز أو خزانات المياه، وتحشى بمواد عالية الانفجار والمعادن الخردة لإنتاج شظايا، ثم تلقى من الطائرات المروحية. وتحدث القنابل البرميلية تأثيراً انفجارياً واسع النطاق وقد تؤدي عند استخدامها في مناطق مأهولة إلى خسائر مدنية كبيرة في الأرواح والممتلكات. كما أن انعدام اليقين بشأن دقة إصابة القنابل البرميلية لأهدافها العسكرية المشروعة في المناطق المأهولة قد يجعل استخدامها عشوائياً عديم التمييز، وينتهك قوانين الحرب.

وبحسب الحكومة، تسبب القتال في الأنبار في نزوح أكثر من 70 ألف عائلة منذ يناير/كانون الثاني. وتقدر الأمم المتحدة تسبب القتال في نزوح ما لا يقل عن 5000 عائلة منذ مطلع مايو/أيار، كما أن مصادر أخرى تقدر هذا العدد بـ10 آلاف. وقد عملت الحكومة منذ يناير/كانون الثاني على اعتراض طريق المدنيين عند مغادرة المنطقة وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى الأشخاص بالداخل.

وقد أدى نقص المرافق الطبية ومرافق الاتصالات العاملة، وخاصة في منطقة الفلوجة، إلى عرقلة جهود إحصاء الموتى. أفادت الإدارة الصحية بالأنبار بمقتل 589 شخصاً وإصابة 2494 بين  31 ديسمبر/كانون الأول 2013 و30 أبريل/نيسان 2014. لم تفرق الإدارة بين خسائر المدنيين والمقاتلين. وقال المسؤول الأمني الحكومي في الأنبار لـ هيومن رايتس ووتش إنه يقدر وفاة أكثر من ألف شخص، ومعظمهم من المدنيين، في الهجمات الحكومية على الفلوجة والقرما والصقلاوية منذ يناير/كانون الثاني، لكنه أضاف أنه "ليس هناك من سبيل لمعرفة أعداد دقيقة".

اندلع القتال في الأنبار في يناير/كانون الثاني بين قوات الحكومة وجملة من الجماعات السنية المسلحة المناوئة للحكومة، بما فيها داعش ومليشيات "قبلية" محلية لها مظالم طويلة الأمد مع الحكومة.

قال أحد قادة القوات المناوئة للحكومة، وقد تم حجب اسمه لأسباب أمنية، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن 11 جماعة من جماعات المعارضة المسلحة تقاتل في الأنبار. وقال إنها جميعاً، فيما عدا داعش، "تقاتل تحت راية" مجلس الأنبار العسكري، وهو ائتلاف من المقاتلين المنتمين إلى قبائل الأنبار وغيرهم من الجماعات المسلحة. ولا زال الغموض يكتنف أعداد وانتماءات المقاتلين المناوئين للحكومة في الفلوجة.

قال بعض السكان الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش المقابلات إن قوات المعارضة لا تتمركز إلا على أطراف الفلوجة، لكن آخرين قالوا إن المقاتلين، بمن فيهم مقاتلي داعش، موجودون في قلب المدينة نفسها. وقال قائد المعارضة المسلحة إن داعش ومقاتلين من مجلس الأنبار العسكري على السواء داخل الفلوجة، لكنه لم يقدم أية إشارة إلى أعدادهم.

وقد تكرر نشر داعش لمقاطع فيديو وصور فوتوغرافية لعمليات الإعدام التي تجريها للجنود العراقيين، كما شنت هجمات انتحارية وهجمات بسيارات مفخخة على قوات أمنية ومدنيين على السواء. في 13 مايو/أيار تبنت داعش مسؤولية تسع هجمات بسيارات مفخخة في مناطق الشيعة ببغداد تسببت في مقتل ما لا يقل عن 34 شخصاً. وورد في مقطع فيديو منشور على موقع إلكتروني منسوب إلى داعش إن الهجمات تؤشر على بداية حملة "ثأرية" من "الاعتداء على أهلنا في الفلوجة".

ويجب على الولايات المتحدة، التي أرسلت مساعدات عسكرية تشمل صواريخ "هيلفاير" وذخائر وطائرات مراقبة بدون طيار إلى الحكومة العراقية منذ بدء النزاع في الأنبار، يجب عليها بصفة خاصة أن تحذر العراق من مخاطرته بفقدان المساعدات العسكرية إذا لم تتوقف هجماته غير المشروعة، بحسب هيومن رايتس ووتش.

ينبغي قطع المعونة العسكرية الأجنبية عن الوحدات التي لها سجل مثبت من انتهاكات حقوق الإنسان، اتفاقاً مع القانون الأمريكي، حتى تتوقف الحكومة عن اعتداءاتها غير المشروعة وتكبح جماح قواتها الأمنية المسيئة.

قال فريد آبراهامز: "لا شك في شناعة الجرائم التي ارتكبتها بعض جماعات المعارضة المسلحة، لكن الحكومة العراقية لا تستطيع استخدامها لتبرير هجماتها غير المشروعة. وعلى حلفاء العراق إدانة استهداف البنية التحتية المدنية، والاستخدام الظاهر للقنابل البرميلية وغير ذلك من الهجمات العشوائية عديمة التمييز".

للمزيد من المعلومات عن انتهاكات القوات الحكومية والمناوئة لها في الأنبار، يرجى متابعة القراءة أدناه.

منهجية البحث
شرعت هيومن رايتس ووتش في إجراء أبحاث في الانتهاكات التي ترتكبها القوات الحكومية والمناوئة لها في محافظة الأنبار العراقية منذ اندلاع القتال هناك في يناير/كانون الثاني 2014. وبسبب انعدام الأمن في الأنبار فإن هيومن رايتس ووتش لم تستطع زيارة المحافظة، والمعلومات المقدمة هنا تستند إلى مقابلات مع سكان وشهود من الفلوجة، وبينهم أفراد من الطاقم الطبي بمستشفى الفلوجة العام، ومسؤول أمني حكومي متمركز في الأنبار، وقائد إحدى الجماعات المسلحة المناوئة للحكومة التي تقاتل في المحافظة. وقد طلب معظم الذين أجريت معهم المقابلات إخفاء هوياتهم حرصاً على سلامتهم.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع أكثر من 50 من سكان الأنبار ومن الشهود على الأحداث الموصوفة عن طريق الهاتف وشخصياً بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2014. ومنذ تصاعد القتال في مطلع مايو/أيار أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 20 آخرين من سكان الأنبار ومن الشهود الذين فروا من الأنبار إلى كردستان العراق، وكانت 3 من المقابلات هاتفية و17 شخصية.

وقام قسم الأسلحة وحقوق الإنسان في هيومن رايتس ووتش بمراجعة صور فوتوغرافية للدمار اللاحق بمستشفى الفلوجة العام. كما راجعت هيومن رايتس ووتش تصريحات ومقاطع فيديو وصور فوتوغرافية نشرتها داعش، بما فيها مقاطع فيديو تصور عمليات إعدام للجنود الأسرى.

وتشتمل المعلومات المقدمة أدناه على ردود الحكومة العراقية على استعلامات مكتوبة بشأن الأحداث الموثقة.

التحليل القانوني
يبدو الوضع على الأرض في محافظة الأنبار وكأنه يشكل نزاعاً مسلحاً ذا طبيعة غير دولية، ومن ثم فإنه محكوم بالقانون الدولي العرفي، المعروف أيضاً بمسمى قوانين الحرب.

ويتحدد مدى انطباق القانون الإنساني الدولي على موقف نزاع يضم أطرافاً غير حكومية ـ مثل قوات المعارضة ـ بعاملين رئيسيين: شدة النزاع، بما في ذلك طبيعته المطولة، ومستوى التنظيم وسيطرة القيادة في صفوف الطرف غير الحكومي. والاعتراف بجماعة مسلحة كطرف في نزاع غير دولي يتطلب حيازتها لحد أدنى من التنظيم والانضباط ـ أو ما يكفي لتمكين الجماعة من احترام القانون الإنساني الدولي. بعبارة أخرى، ينبغي أن تكون منظمة وقادرة على تخطيط وتنفيذ عمليات عسكرية منسقة ومتواصلة، وكذلك على فرض الانضباط باسم سلطة فعلية تُمارسها على الأرض.

وبالنظر إلى طبيعة النزاع المطولة، بعد أن دخل شهره الخامس، والأسلحة العسكرية المستخدمة وتقديرات الخسائر، فإن الوضع في الأنبار يبدو ملبياً لمعيار الشدة. أما قوات المعارضة المسلحة، بما فيها داعش والجماعات المقاتلة تحت مظلة مجلس الأنبار العسكري، فإنها تدير عمليات متواصلة وتبدو قادرة على استيفاء المعيار التنظيمي.

الضربات الموجهة إلى مستشفى الفلوجة العام
يقع مستشفى الفلوجة العام، المنشأة الطبية الرئيسية في المدينة، داخل حي الضباط المركزي، محاطاً بالمنازل. ومنذ بدء القتال في يناير/كانون الثاني، تكرر سقوط قذائف الهاون الحكومية وغيرها من الذخائر على المستشفى، بحسب ستة شهود وضابط أمني حكومي في الأنبار. اشتدت الضربات في فبراير/شباط ومارس/آذار، بحسب قولهم. وقد راجعت هيومن رايتس ووتش صوراً فوتوغرافية ومقاطع فيديو للمستشفى يبدو أنها تؤيد رواياتهم.

قال جميع الشهود، بمن فيهم ثلاثة من العاملين بالمستشفى، إنه لم يكن هناك وجود لمسلحين أثناء الهجمات. وقال أحد سكان الفلوجة وأحد العاملين بالمستشفى إن المستشفى كان يعالج مقاتلي المعارضة الجرحى. وقال المسؤول الأمني الحكومي لـ هيومن رايتس ووتش إن داعش كانت تعالج مقاتليها الجرحى في الطابق الثاني، وتستغل المكاتب الإدارية لاحتجاز مسؤولين محليين. إلا أن أياً من الاستخدامين لا يشكل أساساً مشروعاً لمهاجمة المستشفى.

قال الشهود الستة، في مقابلات منفصلة مع كل منهم، إنهم شهدوا الهجمات على المستشفى منذ يناير/كانون الثاني. وقال أحد العاملين بالمستشفى إن "عشرات الضربات قد وجهت إلى المستشفى"، بما فيها ضربات مباشرة للمبنى ألحقت تلفيات بقسم الطوارئ ووحدة العناية المركزة وقسم الأشعة ووحدة جراحة القلب وقسم الصيانة وسكن الأطباء ووحدة التكييف المركزي وقسم جراحة الأعصاب، الذي كان تحت الإنشاء. وأصابت إحدى قذائف الهاون مقطورة مخصصة لسكنى عمال المستشفى من بنغلادش، فأصيب أربعة منهم، وكانت إصابة أحدهم خطيرة، بحسب قوله. أدت الضربات الأخرى إلى إصابة ثلاثة أطباء وعدد غير معروف من المرضى.

قال موظف المستشفى إن الهجمات بدأت بعد أسبوع من بدء القتال في أوائل يناير/كانون الثاني، واستمرت منذ ذلك الحين. وعلاوة على نيران الهاون، أصاب المستشفى مقذوف معزز بالصواريخ ـ وهو سلاح نيران مباشرة ـ في الأول من أبريل/نيسان، بحسب قوله.

قال الموظف: "لا أدري لماذا يستهدفون المستشفى، لأنه لا يوجد مسلحون هناك سوى حراس البوابة الخارجية. وهم لا يدخلون المستشفى بالسلاح قط".

وقال آخر من العاملين بالمستشفى إنه شاهد ضربات عديدة تصيب المستشفى، وكان آخرها في الأول من مايو/أيار. وقال إنه شاهد إطلاق نار عشوائي في أرجاء الفلوجة لكنه اعتقد، بسبب تكرر الهجمات، أن الجيش يستهدف المستشفى:

قبل شهر ونصف [في أوائل أبريل/نيسان]، سقطت في يوم واحد 14 دفعة من الهاون. كانت الأولى في العاشرة صباحاً واستمرت [الهجمات] حتى العاشرة أو الحادية عشرة ليلاً. سقطت 4 قذائف هاون على المستشفى ـ فأصابت العناية المركزة ووحدة التكييف وأجزاء أخرى من مباني المستشفى نفسها. ثم سقطت 10 أخرى حول المستشفى ـ في المرآب، والحديقة، وموقف السيارات. توفي شخص واحد وأصيب اثنان. وتدمرت مساكن البنغلادشيين وأمتعتهم تماماً.

بعد أسبوعين أصيب سكن الأطباء المقيمين، وجرح اثنان منهم. أحد الأطباء المصابين متزوج وعنده أطفال. بعد أسبوع أصيبت وحدة جراحة القلب.

تحدثت هيومن رايتس ووتش مع أبو أحمد، وهو نجار عمره 33 عاماً وأب لخمسة أطفال، يوم 14 مايو/أيار في مستشفى بكردستان العراق، حيث خضع لجراحة في الساق جراء إصابة بعصب الفخذ. وقال إنه شاهد 3 قذائف هاون تسقط على أرض المستشفى ويفصل بين الواحدة والأخرى دقيقة أو اثنتان، في نحو الثامنة من مساء يوم في أواخر يناير/كانون الثاني. وأصابت إحداها مقطورة يقيم بها العمال من بنغلادش:

هناك صيدليات بجوار مدخل قسم الطوارئ. ذهبت إلى صيدلية وفي طريق العودة شاهدت قذيفة هاون تصيب المستشفى. رأيت قذائف الهاون تأتي من الشرق، من [قاعدة] المزرعة [العسكرية]. وكانت هناك 3 دفعات هاون أخرى. سقطت وبين الواحدة والأخرى دقيقة أو اثنتان.

وفي أواخر يناير/كانون الثاني أو أوائل فبراير/شباط سقطت قذيفة هاون أخرى في الشارع أمام البوابة الرئيسية للمستشفى، حسب قول أبو أحمد. وقال إنه كان في المستشفى يزور شقيقه، الذي يعمل هناك، وشاهد سقوط القذائف. قال أبو أحمد إنه لم ير أي مقاتلين مسلحين في المستشفى أو حوله في التوقيتين.

وقال آخر من سكان الفلوجة، وهو أبو قتيبة الذي يبلغ من العمر 52 عاماً، لـ هيومن رايتس ووتش إنه فر من الأنبار مع عائلته في 9 مايو/أيار بعد سقوط مقذوف رأساً أمام منزله في حي الضباط، خلف المستشفى مباشرة. وقال إنه شاهد قذائف الهاون تسقط بشكل متكرر على مباني المستشفى وأرضه، وشاهد التلفيات الناجمة عن الضربات في باب قسم الطوارئ، ووحدة العناية المركزة وغرفة العمليات.

وقال ثالث من سكان الفلوجة إنه شهد هجمة أصابت خمسة أو ستة أشخاص بينما كان يأخذ ابنه المريض إلى المستشفى في الأول من أبريل/نيسان أو نحوه:

كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحاً حين أطلقوا الصاروخ الأول. كنت بالخارج [عند] سقوط الصاروخ الأول على وحدة التكييف، بالقرب من الباب الشرقي في منطقة الاستقبال، فتحركنا إلى الداخل. ثم سقط الصاروخ الثاني، في منطقة الاستقبال. ثم سقط الثالث على المقطورات حيث يسكن العمال من بنغلادش. وظللت مختبئاً داخل المستشفى لمدة ساعتين، لكن كان من الواضح أنهم لن يستطيعوا شيئاً لابني، فعدت به إلى البيت.

عند دخولي شاهدت أشخاصاً عديدين مصابين في الكتف والظهر والرأس جراء الضربة الثانية على منطقة الاستقبال. كان بعض المنتظرين في الاستقبال [قد وصلوا إليه] مصابين... وكانت أغلبية المصابين من السيدات والأطفال. رأيت 3 أطفال مصابين في سيقانهم بالشظايا، وأحدهم بشظية في الرأس واثنتين في الظهر، وقد تكررت إصابتهم [في غارة الهاون]، إضافة إلى سيدتين في منطقة الاستقبال. وكانت فتاة أخرى قد فقدت ساقها في هجمة هاون سابقة وحين أخذوها إلى المستشفى كانت مصابة في ظهرها بالشظايا. لم أر قتلى، لكن إصاباتهم كانت خطيرة. أصيب نحو خمسة أو ستة في الهجمة.

وراجعت هيومن رايتس ووتش أكثر من 80 صورة ملتقطة بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان، لما يبدو أنه تلفيات واسعة النطاق لحقت بعدة مناطق في المستشفى، بما في ذلك قذيفة هاون مستقرة في وحدة التكييف المركزي المدمرة؛ ووحدة العناية المركزة المدمرة؛ ودمار بالوحدات السكنية المخصصة للعمال والأطباء المقيمين، وتلفيات جراء قذائف الهاون بسطح المستشفى.

قال موظف المستشفى الثاني إن القوات الحكومية أصابت مستشفى الولادة أيضاً، وهو مستشفى منفصل على الضفة الأخرى من نهر الفرات في غرب الفلوجة، بقذائف الهاون 3 مرات منذ 1 أبريل/نيسان تقريباً، وآخرها في نحو 23 أبريل/نيسان. وقال رجل من حي الرسالة القريب من مستشفى الولادة، قال لـ هيومن رايتس ووتش على نحو منفصل إن هذا المستشفى أصيب.

منذ بدء القتال في الأنبار في يناير/كانون الثاني، فر معظم الطاقم الطبي للمستشفى. كما قامت القوات الحكومية باعتراض طريق الأطباء الذين يفدون من خارج المدينة، بحسب أحد العاملين بالمستشفى.

قال أحد العاملين بالمستشفى: "لدينا إمدادات طبية قليلة للغاية، ونعاني من نقص في الموظفين والأطباء. إمداداتنا في حدها الأدنى، وليس لدينا أطباء سوى للإصابات الخطيرة".

في 10 مايو/أيار أرسلت هيومن رايتس ووتش خطابات إلى وزراء الداخلية والدفاع وحقوق الإنسان، وإلى مكتب رئيس الوزراء، للاستعلام عن تقارير الهجوم على مستشفى الفلوجة العام. وردت وزارة الداخلية في 15 مايو/أيار، مستشهدة باللواء فليح، قائد عمليات الأنبار، منكرة استهداف القوات العسكرية للمستشفى. قال فليح إن قوات الجيش العراقي "لا تستهدف إلا الجماعات الإرهابية الموجودة في نطاق منطقة عملياتها العسكرية".

ويبدو هذا وكأنه يناقض إفادة المسؤول الأمني الحكومي المتمركز في الأنبار، الذي أجرت معه هيومن رايتس ووتش مقابلة في 16 مايو/أيار، بأن الجيش أصاب المستشفى 16 مرة.

هجمات القنابل البرميلية
أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 14 من سكان الفلوجة بين 7 و24 مايو/أيار فقالوا إن مروحيات ألقت بقنابل برميلية على المدينة. وقال المسؤول الأمني الحكومي المتمركز بالأنبار لـ هيومن رايتس ووتش إن هجمات القنابل البرميلية قتلت نحو 40 شخصاً في الفلوجة بين 3 و15 مايو/أيار، رغم أن السكان الذين أجربت معهم المقابلات لم يعرفوا ما إذا كانت الهجمات قد أدت إلى وفيات أو إصابات. إلا أن بعض الشهود قالوا بالفعل إن هذه الهجمات تسببت في دمار واسع النطاق للممتلكات.

باستخدام القنابل البرميلية على مناطق كثيفة السكان، استخدمت القوات الحكومية العراقية بدورها وسائل وأساليب حربية لا يمكنها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، مما يجعل الهجمات عشوائية عديمة التمييز ومن ثم غير مشروعة.

قال أبو آية، وهو أحد سكان الفلوجة من حي الجغيفي الأول: "إنها انفجارات هائلة ـ مختلفة تماماً عن الصواريخ والهاون". وقال إنه شاهد مروحيات تلقي بقنابل برميلية على حي الشرطة في 8 مايو/أيار وإن لم ير أي رجال مسلحين أو سمع قتالاً في المنطقة في ذلك التوقيت. وأضاف: "تسقط الصواريخ وقذائف الهاون على السطح فتصنع حفراً، لكن البراميل تحدث دمارا تاماً":

كنت بمنزل عمي في حي الجولان، وكنت على السطح أحاول الحصول على إشارة الهاتف الخلوي، لأن الاتصالات كما تعلمون كانت مقطوعة. وفي نحو منتصف الليل رأيت انفجاراً هائلاً بحي الشرطة، على بعد نحو 2 كيلومتر. شاهدت طائرة مروحية ثم رأيت انفجاراً هائلاً ينبعث منه لهب ضخم. وكنت أعرف أنها قنبلة برميلية لأنهم استخدموا القنابل البرميلية طوال أسبوع ونصف تقريباً فكنت في ذلك الوقت أعرف كيف أميزها. كانوا يطلقون بين 8 و10 براميل يومياً، وأحياناً يصل العدد إلى 16.

راجعت هيومن رايتس ووتش أيضاً 8 مقاطع فيديو و10 صور فوتوغرافية لما بدا وكأنه مخلفات قنابل برميلية منفجرة وغير منفجرة، وكلها عدا واحد منشورة على الموقع الإلكتروني للمدون "براون موزز" الذي يتتبع النزاعين في سوريا والعراق. كما راجعت هيومن رايتس ووتش مقطع فيديو للدمار الحادث بأحد شوارع الفلوجة ويبدو أنه يتفق مع تأثير القنابل البرميلية.

وقد ظهر بأحد مقاطع الفيديو تدمير لمنازل بشارع الزباء بحي الرسالة يتفق مع ما ينجم عن القنابل البرميلية. وقال اثنان من سكان المنطقة لـ هيومن رايتس ووتش إن قنابل برميلية دمرت 4 منازل بالشرع، قريباُ من "الجسر الجديد" بالفلوجة. وتُظهر إحدى الصور قنبلة برميلية غير منفجرة ترقد في وسط ما أشار إليه أحد السكان على أنه الطريق السريع رقم 10، وهو شريان المدينة الرئيسي، بين شوارع حي المعلمين وحي النزال. وقد استقرت القنبلة أمام مقهى يدعى مقهى الباشا، على حد قوله.

في الصور الأخرى لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد المواقع. وقد ظهرت على إحدى القنابل البرميلية غير المنفجرة كلمات "الثأر للشهداء".

قال أحد السكان، أبو سامر، إنه شاهد مروحيات تلقي بقنابل برميلية يومي 8 و9 مايو/أيار في منطقة سكنية. وقال أبو سامر، عن طريق الهاتف من كردستان العراق، إنه شاهد قنابل برميلية غير منفجرة على الأرض.

وقال ساكن آخر إنه شاهد 5 أو 6 قنابل برميلية غير منفجرة في حي الشهداء، وهو حي في الجنوب الشرقي يواجه قاعدتي الطريق والمزرعة العسكريتين التابعتين للحكومة العراقية، يوم 8 مايو/أيار. قال شاهد آخر لـ هيومن رايتس ووتش إنه أحصى 7 قنابل برميلية لم تنفجر في حي المعلمين، وحي النزال وحي الجولان والزاوية، وقد سقطت تلك القنابل بين 6 و8 مايو/أيار. وأضاف: "أسوأ دمار شهدته كان في حي الشهداء. سقطت قنبلة برميلية في 5 مايو/أيار ودمرت 3 بيوت وأضرت ببيت رابع بشدة".

وقال السكان الأربعة الآخرون إنهم سمعوا انفجارات عالية على نحو استثنائي واعتقدوا أنها ناجمة عن قنابل برميلية، وشاهدوا الدمار فيما بعد. وصف شاهدان رؤية مروحيات تحلق بالسماء في حي الشهداء وفي سرداب، وهي منطقة قريبة من عامرية الفلوجة، ثم سمعا انفجارات وصفا صوتها بأنه "رهيب". قال ناشطان عراقيان معنيان بحقوق الإنسان إنهما تلقيا تقارير مشابهة من آخرين في الفلوجة.

تميل القنابل البرميلية إلى تدمير المباني في مساحات أوسع مما يشاهد مع الأنواع الأخرى من الغارات الجوية وغارات المدفعية، وكثيراً ما تتكون حفر انفجارية غير منتظمة الشكل وضحلة العمق بحواف متعرجة.

قال 16 من السكان ممن أجريت معهم مقابلات هاتفية أو شخصية في كردستان العراق إن الحكومة بدأت في إلقاء القنابل البرميلية في أواخر أبريل/نيسان على الفلوجة ومدينة القرما إلى الشرق، وإن تلك الهجمات تزايدت حين بدأ الجيش هجمته على الفلوجة في مطلع مايو/أيار.

قال أبو طه، وهو ضابط شرطة متقاعد من حي الشهداء بالفلوجة، إنه استطاع التعرف على الأسلحة لأنه لديه خبرة عسكرية. وقال إن أسوأ هجمات القنابل البرميلية على منطقته وقعت في 8 مايو/أيار. وقال: "رأيت 5 إلى 6 قنابل برميلية في منطقتي وحدها". وقال أبو طه إنه لم ير أي مقاتلين مناوئين للحكومة ولا سمع قتالاً في المنطقة حيث سقطت القنابل البرميلية.

وقال آخر من سكان الفلوجة إن قنبلة برميلية سقطت يوم 8 مايو/أيار على مدرسة الخنساء في حي الضباط بالقرب من المستشفى. وقال إن صوت الانفجار، وسحابة الركام الهائلة الناتجة، ونطاق الدمار قد قادته كلها للاستنتاج بأن السلاح المستخدم كان قنبلة برميلية.

وقال شهود إن القنابل البرميلية سقطت على قطاع عريض من الأحياء السكنية، يشمل تلك التي يتركز فيها معظم الباقين من سكان الفلوجة، مثل المعلمين والمهندسين وحي الرسالة وحي الجولان. كما سقطت قنابل برميلية، حسب مزاعم، على أحياء الجمهورية والعسكري والشرطة والنزال، بحسب أقوال لبعض السكان، ومناطق خارج الفلوجة، ومنها الزاوية والحلابسة والناعمية وجبيل والصقلاوية وسرداب والقرما.

ورغم أن مكتب رئيس الوزراء واللواء فليح قد أنكرا استخدام القنابل البرميلية في الأنبار إلا أن ضابط الأمن الحكومي المتمركز في الأنبار قال إن الجيش استخدم مروحيات أمريكية وروسية لإلقاء قنابل برميلية على الفلوجة والقرما والصقلاوية والمناطق المحيطة بها. وقال: "لقد استخدموها طوال الأسبوعين الماضيين، ولن يتوقفوا".

وقد سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق استخدام القنابل البرميلية على نطاق واسع من جانب القوات الحكومية في سوريا المجاورة، حيث يشن الجيش السوري بدوره حرباً على جماعات مسلحة متمردة، وبينها داعش.

في فبراير/شباط تبنى مجلس الأمن الأممي بالإجماع القرار 1239 الذي يطالب كافة الأطراف في سوريا بالتوقف عن استخدام القنابل البرميلية وغيرها من الأسلحة العشوائية عديمة التمييز في المناطق المأهولة بالسكان.

الهجمات العشوائية عديمة التمييز
شنت الحكومة هجمات عشوائية عديمة التمييز في الفلوجة وحولها منذ بدء القتال في يناير/كانون الثاني، فجرحت وقتلت مدنيين، بحسب أقوال لسكان. وقال سكان إن قذائف الهاون وغيرها من الذخائر أصابت مناطق سكنية حيث لم يكن يدور أي قتال، فأتلفت أو دمرت محال تجارية ومساجد ومدرسة واحدة على الأقل. وكانت أحياء الرسالة والضباط والشرطة والشهداء من الأحياء الأكثر تضرراً.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع أشخاص أصيبوا في هجمات على حي الرسالة، وهي منطقة سكنية مجاورة للفرات. وقد أصابت الشظايا الناجمة عن قذيفة هاون أو صاروخ على أحد الأسواق رأس فتاة في التاسعة في 30 أبريل/نيسان أو نحوه بينما كانت في الخارج لشراء الطحين. قالت والدة الفتاة إنها شاهدت الهجمة من منزل الأسرة المجاور:                                                                                        

رأيت ثيابها تحترق. أصيب الكثيرون في ذلك اليوم. كان يوماً مزدحماً وأناس كثيرون بالخارج. تعرض صاحب المحل وابنه لإصابات جسيمة. كان مجرد صاروخ واحد، وقد سقط مباشرة داخل السوق بينما كانت تدخل.

وقال والد الفتاة إنه كان على بعد نحو 400 متر في توقيت الهجوم:

لا أدري لماذا ألقوا بالصاروخ، فحي الرسالة حي سكني ولا وجود للمسلحين هناك. تطايرت الشظايا بكل مكان. وأصيب نحو ستة أشخاص ـ صاحب السوق، وابنه، وعدد من الآخرين، جميعهم من الأطفال.

وقال أبو أحمد، النجار ذو الـ33 عاماً، لـ هيومن رايتس ووتش إنه أصيب بجراح بليغة يوم 8 مايو/أيار حين سقطت ذخيرة من نوع غير معروف بجوار منزله في حي الرسالة. قال أبو أحمد إنه ذهب إلى حديقته بين الثامنة والتاسعة مساءً لإضافة المياه إلى نظام التبريد الخاص بالمنزل عند سقوط الذخيرة:

هناك صخور وحجارة تحيط بالمنزل، وقد سقطت شظايا الصاروخ على الحجارة. وأصبت في ساقي اليمنى بشظايا من الصاروخ، فانتزعت بعض اللحم من مكانه وصار بوسعك رؤية العظام. رأيت الدخان يتصاعد من ساقي مع احتراق الجلد. أصابتني الشظايا في كل مكان: ساقي اليمنى والجانب الأيمن من صدري وبطني، وذراعيّ ورقبتي ورأسي.

قال أبو أحمد إنه ذهب في البداية إلى مستشفى الفلوجة العام، ثم قام برحلة "مبرحة" مدتها 10 ساعات في سيارة إلى مستشفى في كردستان العراق لإجراء جراحة لساقه اليمنى. وقال أحد أطباء المستشفى لـ هيومن رايتس ووتش إن أبو أحمد كان بحاجة إلى استخراج المزيد من الشظايا لكن العائلة لم تملك تكلفة العملية.

قال أبو قتيبة، الذي شهد هجوم 7 مايو/أيار مباشرة خلف المستشفى وغيره من الهجمات عديمة التمييز على ما يبدو على مسجد ومنزلين، قال إنه تطوع في مسجد محلي أثناء الشهور الخمسة السابقة لتغسيل جثث ضحايا القتال. وقال إنه شاهد أكثر من 85 جثة، ومعظمهم بالغون، لكن كان بينهم أيضاً بعض الصبية في سن السابعة أو الثامنة. وقال إنهم "قتلوا جميعاً بشظايا الهاون، عدا واحد أو اثنين أصيبا بطلقات رصاص مباشرة".

وكانت إحدى الحالات التي وصفها أبو قتيبة تتعلق بأحد أصدقاء طفولته، خالد خضير صالح المهندي، 52 سنة، الذي قال إنه قتل بين 20 و25 يناير/كانون الثاني عند سقوط قذيفة مدفعية على حديقة منزله في حي الضباط، على بعد نحو 700 متر من منزل أبو قتيبة. وحين حاول أحد الجيران رفع الجثة أتت ذخيرة أخرى لتصيبه وتقتله بدوره، حسب قول أبو قتيبة. وقال أبو قتيبة إنه حين عثر على جثة خالد في حديقة بيته "كان نصف وجهه قد اختفى، وتعرفت عليه من نصف وجهه الآخر". وقال أبو قتيبة إن خالد ترك خلفه زوجة و5 أو 6 أبناء.

كما قال أبو قتيبة إنه شاهد غارتي مدفعية على مدرسة ابن خلدون الثانوية للبنات في حي الضباط في يناير/كانون الثاني، رغم أنه لم ير مقاتلين في المنطقة. بعد الغارة الأولى، ذهب شابان لتفقد الحراس الذين يعيشون هناك مع عائلاتهم، فأتت دفعة ثانية من نيران المدفعية لتقتل الشابين، اللذين كانا في نحو السابعة عشرة والثالثة والعشرين من العمر بحسب تقديره. لم يعرف أبو قتيبة اسميهما، لكنه قال إنه غسل جثتيهما في المسجد.

وقال ساكن آخر من الفلوجة لـ هيومن رايتس ووتش إن حفيده البالغ من العمر 14 عاماً وابن حارس المدرسة قتلا في الهجوم على مدرسة ابن خلدون. قال الساكن، الذي لم يشهد الغارة، إن نيران الهاون أصابت المدرسة يوم 14 يناير/كانون الثاني أو نحوه. وقال إن عائلتين، هما عائلة الحارس وعائلة نازحة من الرمادي، كانتا تسكنان المدرسة في ذلك الوقت.

انتهاكات المعارضة
تبنت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مسؤولية عمليات إعدام لجنود عراقيين أسرى وهجمات انتحارية وبالسيارات المفخخة على أهداف مدنية، ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية. كما يبدو أن داعش قد قامت بزرع ألغام أرضية بدائية الصنع وسيارات مفخخة، وأنها تدير سجناً واحداً على الأقل في الفلوجة. ويبدو أيضاً أن جماعات مسلحة تقاتل تحت مظلة مجلس الأنبار العسكري قد ارتكبت عمليات إعدام ميدانية أثناء القتال الأخير.

قال المسؤول الأمني الحكومي المتمركز في الأنبار لـ هيومن رايتس ووتش إن داعش لديها من 3000 إلى 4000 مقاتل في الفلوجة، وفي الشمال في الصقلاوية والقرما، وجنوباً حتى عامرية الفلوجة. كما تسيطر داعش على أحياء النزال والجبل والناعمية والصناعي في جنوب شرق الفلوجة، بينما تسيطر جماعات متمردة تتبع مجلس الأنبار العسكري على المناطق المركزية والشمالية، بما فيها حي الضباط وحي الجولان، بحسب قوله. لم يتسن لـ هيومن رايتس ووتش التحقق من هذه المزاعم.

عمليات الإعدام
في فبراير/شباط وثقت هيومن رايتس ووتش قيام داعش بإعدام أربعة من أفراد القوات العراقية الخاصة في الرمادي بمحافظة الأنبار يوم 20 يناير/كانون الثاني. وتأتي معظم الأدلة على عمليات إعدام جنود الجيش والقوات الخاصة العراقية من داعش نفسها.

والقوات الخاصة هو الاسم الذي تعرف به وحدتان أمنيتان مختلفتان، تتكون إحداهما من قوات عالية التدريب تتبع المالكي مباشرة وتعرف أيضا بـ"الألوية الذهبية"، والأخرى هي "وحدة استجابة طارئة" ملحقة بوزارة الداخلية. قال المسؤول الأمني الحكومي المتمركز في الأنبار لـ هيومن رايتس ووتش إن عدة مئات من أفراد الوحدتين يشاركون في القتال في الأنبار.

في فبراير/شباط اطلعت هيومن رايتس ووتش على مقطع فيديو مدته 30 دقيقة وعليه شعار داعش، قام فيه مقاتلون منتمون على ما يبدو إلى داعش بنصب كمين لقافلة من مركبات الجيش العراقي وأسروا نحو 20 جندياً. وبعد ذلك تظهر جثث الجنود أنفسهم مقيدة ومعصوبة العينين في مستودع، بطلقات نارية ظاهرة في الظهر والرأس. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تأكيد مصداقية مقطع الفيديو.

ويبدو أيضاً أن الجماعات المسلحة المقاتلة تحت مظلة مجلس الأنبار العسكري قد ارتكبت عمليات إعدام ميدانية بإجراءات موجزة أثناء القتال الأخير. قال قائد إحدى الجماعات المحلية المسلحة الذي أجرت معه هيومن رايتس ووتش مقابلة إن المقاتلين المنتسبين إلى المجلس أحسنوا معاملة جنود الجيش الأسرى ثم أطلقوا سراحهم، لكنهم أعدموا جنود القوات الخاصة الأسرى. وقال لـ هيومن رايتس ووتش:

جنود الجيش الأسرى نعطيهم دشداشة [الثوب التقليدي للرجال] وبعض الطعام ثم نعيدهم إلى بيوتهم. أما أسرى القوات الخاصة ـ الألوية الذهبية، لكننا نسميهم "الألوية القذرة" ـ فلهم شأن آخر. إننا لا نرحمهم، لأنهم خارجون على القانون بحسب الدستور، كما يعدمون أشخاصاً بناء على طائفتهم. مبدأهم الوحيد هو الثأر والقتل.

وقال أيضاً إن بعض أفراد القوات الخاصة في فبراير/شباط احتجزوا وأعدموا 11 من سكان الرمادي، في شارع رئيسي هو شارع 60، ولم يكونوا من المشاركين في القتال. وبعد ذلك قام بعض مقاتلي المعارضة المسلحين بأسر وقتل 17 من أفراد القوات الخاصة على سبيل الثأر، حسب قوله. قال القائد، دون تقديم تفاصيل من قبيل الموعد والمكان: "أخذنا منهم 17، وقتلناهم، وأخلينا الطريق للجنود كي يأتوا لرفع جثثهم".

تتكفل المادة 3، المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، والمنطبقة على النزاع في الأنبار، بحظر الإعدام الميداني بإجراءات موجزة للأشخاص المتحفظ عليهم، إلى جانب التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية، من جانب أطراف النزاع.

السجون غير المصرح بها
قال قائد الجماعات المحلية المسلحة في الأنبار لـ هيومن رايتس ووتش إن داعش تدير سجناً في الحي الصناعي ـ المنطقة الصناعية على التخوم الجنوبية الشرقية للمدينة ـ وعدداً من السجون الأخرى بين اليوسفية وأبو غريب، وهي المدن الواقعة بين الفلوجة وبغداد فيما يعرف بـ"حزام بغداد". كما قال ناشط حقوقي عراقي يعمل مع سكان الأنبار النازحين في كردستان العراق لـ هيومن رايتس ووتش إن بعض السكان أفادوا باحتجاز جماعات المعارضة المسلحة لما يصل إلى 300 شخص ـ من أفراد قوات الأمن والسكان الذين يعتبرونهم معارضين ـ في ورش مهجورة ومبان أخرى في الحي الصناعي.

وقال المسؤول الأمني الحكومي المتمركز في الأنبار لـ هيومن رايتس ووتش إن داعش تستغل عدة غرف إدارية بمستشفى الفلوجة العام كمقار لاحتجاز "علية القوم" ـ كبار الساسة المحليين ومقاتلي المجلس العسكري.

كما قال واحد من سكان الفلوجة، هو أبو محمد، لـ هيومن رايتس ووتش إن ثلاثة مقاتلين قدموا أنفسهم على أنهم من داعش احتجزوه في يناير/كانون الثاني لمدة ساعات في منزل، وأطلقوا سراحه عند اقتناعهم بأنه لا يعمل مع الحكومة. وقال إنهم قالوا له: "نحن هنا لحمايتكم". وقال أبو محمد الذي فر من الفلوجة عقب إطلاق سراحه أيضاً إن أربعة رجال قدموا أنفسهم على أنهم من داعش احتجزوا صديقاً له في الفلوجة، وهو شرطي، معصوب العينين لمدة 10 ساعات، ثم أطلقوا سراحه بعد أن وعدهم بالتوقف عن العمل مع الحكومة، كما قال أبو محمد.

الألغام الأرضية والسيارات المفخخة والعبوات المتفجرة بدائية الصنع
بعد بدء الهجمة الحكومية الأخيرة في أوائل مايو/أيار قامت داعش بزرع ألغام أرضية وعبوات متفجرة بدائية الصنع على طريق الفلوجة السريع رقم 10، وعبوات متفجرة وسيارات مفخخة في أرجاء المدينة، وهذا بحسب سكان والمسؤول الأمني المتمركز في الأنبار. وقال ثلاثة من السكان أجريت المقابلات مع كل منهم على حدة إنهم شاهدوا تلك القوات وهي تزرع ألغاماً على الطريق، أو إنهم شاهدوا أسفلت حديث التكسية، حيث قال سكان آخرون إن الألغام قد زرعت.

قال أحد السكان ممن غادروا الفلوجة في 12 مايو/أيار لـ هيومن رايتس ووتش:

طريق الفلوجة الرئيسي [طريق 10 السريع] مليء بالألغام. لقد زرعت داعش لغماً كل 20 متراً. وتستخدم داعش شاحنات البلدية ومعداتها أمام أعين سكان الفلوجة لحفر الشوارع، كما قال لي بعض السكان. أحياناً يتحمل الجيش اللوم عند مقتل أشخاص مع أن السبب الحقيقي هو الألغام.

في مارس/آذار أفادت الأمم المتحدة بأن جماعات مسلحة في الرمادي زرعت فخاخاً في مبان سكنية وبطول الطرق، مما منع العائلات النازحة من العودة إلى منازلها.

واستخدام الألغام الأرضية، بما فيها كافة الألغام المضادة للأفراد، والقنابل بدائية الصنع وغيرها من الأسلحة المستخدمة على نحو لا يمكنه التمييز بين المدنيين والمقاتلين، عشوائي عديم التمييز بطبيعته ويخالف قوانين الحرب. وقد صار العراق دولة طرفاً في معاهدة أوتاوا، التي تحظر الألغام الأرضية المضادة للأفراد، في أغسطس/آب 2007.