© 2011 Human Rights Watch

(بيروت) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن قانون العنف الأسري الذي أقرّه البرلمان اللبناني في الأول من أبريل/نيسان 2014 سيعزز حقوق المرأة وسلامتها، إلا أنه يتسم بالقصور في جوانب محورية. ينص القانون الجديد على تدابير هامة لحماية المرأة، مع ما تتطلبه من إصلاحات شرطية وقضائية، إلا أنه يتركها معرضة لخطر الاغتصاب الزوجي وانتهاكات أخرى.

تواجه المرأة معدلات مرتفعة من العنف الأسري في لبنان، ولكن حتى تمرير "قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري" لم يكن هناك قانون محدد يختص بالعنف الأسري. ويتلقى خط ساخن مخصص للعنف الأسري، تديره المنظمة غير الحكومية "كفى"، أكثر من 2600 بلاغ عن حالات عنف أسري سنوياً. قالت المنظمة إنها تلقت بلاغات عن مقتل 25 سيدة على أيدي أقاربهن في لبنان بين 2010 و2013.

وقالت روثنا بيغم، باحثة حقوق المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش إن: "القانون اللبناني الجديد بشأن العنف الأسري يعترف أخيراً بحاجة السيدات المعرضات لإساءة الأزواج والأقارب إلى الحماية وسبل الإنصاف القانونية، إلا أن القانون يتسم بأوجه قصور جسيمة، وعلى البرلمان التفكير في تعديله بحيث يوفر للسيدات حماية متكاملة من العنف الأسري".

كانت جمعيات حقوق المرأة ومقدمو الخدمات بمجال حقوق المرأة في لبنان، وبخاصة "كفى"، قد قادت حملة استمرت عدة سنوات لإقرار قانون للعنف الأسري. وقد احتجت الجمعيات على أوجه القصور في القانون وقالت إنها ستضغط على البرلمان لتبني تعديلات من شأنها توسيع الحماية.

يشتمل القانون، وهو نسخة معدلة من مشروع صاغته "كفى" وظل طي أدراج البرلمان منذ 2010، على عناصر إيجابية مثل النص الذي يتيح للسيدة الحصول على أمر حماية من الشخص المسيئ. كما يدعو إلى إنشاء ملاجئ مؤقتة للناجين من الإساءة؛ وتخصيص نائب عام في كل محافظة لتلقي الشكاوى والتحقيق في حالات العنف الأسري؛ وإنشاء وحدات مختصة بالعنف الأسري بالشرطة اللبنانية المحلية (قوى الأمن الداخلي) للتعامل مع الشكاوى. وينتظر أن يقوم الرئيس اللبناني ميشيل سليمان بالتوقيع على مشروع القانون للعمل به في غضون أسابيع. في 2 أبريل/نيسان 2014 قال الرئيس إنه سيدرس القانون مع البرلمان لإدخال بعض التعديلات، بحسب تقارير إعلامية.

إلا أن النسخة التي تبناها البرلمان من مشروع القانون تثير بعض بواعث القلق، بحسب هيومن رايتس ووتش، فالقانون يعرّف العنف الأسري على نحو ضيق ومن ثم فهو لا يوفر حماية كافية من جميع أشكال الإساءة. ونص التعريف هو "أي فعل أو إمتناع عن فعل أو التهديد بهما يرتكب من أحد أعضاء الأسرة ضد فرد أو أكثر من أفراد الأسرة ... ويتناول أحد الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون ويترتب عنه قتل أو إيذاء جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي".

وتتعلق الجرائم المشار إليها في القانون بالإجبار على التسول أو الدعارة أو القتل أو الزنا، واستخدام القوة أو التهديد بها بغية المعاشرة الجنسية. وقد تم تجريم الاعتداء والتهديد بالفعل بموجب قانون العقوبات اللبناني إلا أنهما لم يذكرا صراحة كجرائم في قانون العنف الأسري. وتدعو المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة إلى تعريف شامل للعنف الأسري، يشمل أعمال العنف البدني والجنسي والنفساني والاقتصادي.

ومن أوجه القصور الرئيسية في القانون أنه لا يجرّم الاغتصاب الزوجي تحديداً، حيث لا يعد جريمة بموجب سائر القوانين اللبنانية. كانت نسخة أسبق من مشروع القانون تشتمل على الاغتصاب الزوجي كجريمة، إلا أن النص أزيل بضغط من السلطات الدينية. وعلى سبيل الحل الوسط، يجرم القانون لجوء أحد الزوجين إلى العنف أو التهديد به "استيفاءً للحقوق الزوجية في الجماع"، لكنه لا يجرم انتهاك السلامة البدنية بغير رضا [الطرف المعني]. كما انتقد معلقون معنيون الإشارة إلى "الحقوق الزوجية في الجماع"، غير الموجودة في القانون الجنائي اللبناني، خشية استغلالها في شرعنة الاغتصاب الزوجي.

كان خبراء الأمم المتحدة وآلياتها الحقوقية قد دعوا الحكومات مراراً إلى تجريم الاغتصاب الزوجي. وفي 2008 قامت لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بدعوة لبنان تحديداً إلى ضمان "تجريم الاغتصاب الزوجي، بحيث أن زواج الجاني من الضحية لا يعفيه من العقوبة". وقالت اللجنة بوجه خاص إنه "لا يجوز في القانون أو الممارسة افتراض رضا السيدة بدعوى أنها لم تقاوم الفعل الجنسي غير المرغوب فيه بدنياً، وبصرف النظر عن استخدام الجاني للعنف أو التهديد به من عدمه".

أما نص القانون على الأمر بمنع التعرض، الذي يعد أمراً بالحماية، فهو مفرط الضيق بدوره بحسب هيومن رايتس ووتش. ينبغي أن تتمكن الضحايا من الحصول على تلك الأوامر على وجه السرعة حتى تكون فعالة. والقانون الجديد يلزم الضحية بتقديم طلب الحماية إلى قضاة التحقيق أو المحاكم لكنه لا يتطرق إلى تكلفة القيام بهذا ولا إلى كيفية الحصول على الأمر خارج ساعات عمل المحاكم. ويتعين على لبنان توضيح القانون لضمان إمكانية استصدار أوامر الحماية الطارئة قصيرة الأجل على وجه السرعة.

قالت روثنا بيغم: "الناجون من العنف الأسري يحتاجون إلى حلول سريعة وفعالة، ويحتاج لبنان إلى نظام يضمن للمرأة إمكانية الحصول على مثل تلك الأوامر الطارئة في أي وقت من اليوم".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الحكومة اللبنانية بدورها تحتاج إلى التعامل مع قوانين الأحوال الشخصية اللبنانية المتسمة بالتمييز، والتي تساهم في العنف الأسري. تعمل تلك القوانين، الحاكمة للزواج والطلاق وحضانة الأطفال والمواريث ومسائل أخرى لدى طوائف لبنان الدينية العديدة، على التمييز ضد السيدات من عدة جوانب. فبوسعها، على سبيل المثال، أن تصعّب حصول السيدات على الطلاق أو حضانة أطفالهن، مجبرة إياهن في أحيان كثيرة على البقاء في علاقات تخضعهن للعنف والأذى.

كما قالت هيومن رايتس ووتش إن المادة 22 في القانون الجديد تثير القلق أيضاً، فهي تقرر إلغاء جميع النصوص المخالفة للقانون باستثناء قوانين الأحوال الشخصية وقانون حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرضين للخطر.

وهذه المادة تناقض توصيات "دليل الأمم المتحدة للتشريعات المتعلقة بالعنف ضد المرأة"، الذي يقرر أنه "حيثما تعارض القانون الديني أو العرفي مع نظام العدالة الرسمي، ينبغي حل التعارض بإيلاء الاعتبار إلى الحقوق الإنسانية للناجين بما يتفق مع معايير المساواة بين الجنسين". وإعفاء المسائل المحكومة بقوانين الأحوال الشخصية من قانون العنف الأسري يقوض أمن المرأة داخل المنزل، بحسب هيومن رايتس ووتش.

يشتمل القانون الجديد على آلية لتمويل الإصلاحات التي يغطيها، وهي خطوة إيجابية. وعلى الحكومة التحرك فوراً لتنفيذ القانون، وإنشاء آليات رقابية لضمان تنفيذه، وصياغة بروتوكولات واستراتيجيات وطنية لكافة الوزارات المشاركة في التعامل مع العنف الأسري.

قالت روثنا بيغم: "على البرلمان أن يصلح قانون العنف الأسري دون إبطاء، وأن يطور استراتيجية وطنية لتنفيذ القانون. لكن لا يصح لأعضاء البرلمان التوقف عند هذا الحد، فعليهم أيضاً إصلاح قوانين الأحوال الشخصية التي كثيراً ما تؤدي دور الممكن للعنف".