طرابلس—"انتظرت عمري كلّه أن يأتي الغد، الذي تبدأ فيه ليبيا عهدا جديدا." هكذا قالت حاجة نوارة فرحا لـ هيومن رايتس ووتش عشية أول انتخابات وطنية ديموقراطية في ليبيا في يوليو/تموز 2012. "لقد ضحّينا بالكثير لنصل إلى هذه النقطة".

التقينا نوارة فيما كانت تعتصم وحدها أمام دار القضاء في بنغازي في الميدان الذي سبق أن قضت فيه العديد من الأمسيات تدعم الثورة منذ مطلع 2011. تُبرز نوارة بفخر بطاقة التسجيل الانتخابي الخاصة بها حول رقبتها، وتلوّح بعلم ليبيا الوطني الجديد بينما يذهب الناس إليها للتحية. لقد أضحت حاجة نوارة رمزا وطنيا بسبب مشاركتها الصامدة في الاحتجاجات التي دشنت الثورة وأفضت في النهاية إلى الإطاحة بمعمر القذافي.

في اليوم التالي، شهدنا انضمام النساء للرجال في مراكز الاقتراع في جميع أنحاء ليبيا لانتخاب 200 عضو في المؤتمر الوطني العام. انُتخب عدد مؤثر من النساء- 33 امرأة- بعد حشد وضغط هائلين من قبل الجماعات النسائية لسن قانون انتخابات ييسر مشاركة المرأة السياسية. شكلت النساء المٌنتخَبات كتلة سياسية داخل البرلمان الجديد ولا يزلن يلعبن دورا ناشطا في انتقال ليبيا الحيوي- والذي لا يخلو في الوقت نفسه من الصعاب- إلى عهد جديد.

واليوم تستعد ليبيا لانتخابات وطنية جديدة، هذه المرة لانتخاب الجمعية التأسيسية التي ستُسند إليها مهمة صياغة دستور ليبيا الجديدة. وبالنسبة للنساء الليبيات، فإن المخاطر لا يمكن أن تكون أعظم.

تقدم عملية صياغة الدستور لليبيين فرصة العمر لوضع الأسس القانونية لإصلاح دولتهم. وبالنسبة للنساء فإن صياغة الدستور تشكل فرصة لترسيخ حقوقهن ونبذ التمييز. يعد الآنالمؤتمر الوطني العام قانونا جديدا للانتخابات استعدادا لانتخابات الجمعية التأسيسية المتوقع عقدها في وقت لاحق من هذا العام.

يطالب تقرير هيومن رايتس ووتش الجديد "ثورة للجميع" السلطات الليبية بانتهاز هذه الفرصة التاريخية السانحة للوفاء بالتزاماتها الدولية طويلة المدى مع انتقال ليبيا من ما يزيد على أربعين عاماً من الديكتاتورية المتواصلة إلى عهد جديد. وللقيام بذلك، يطالب التقرير السلطات باتخاذ أربع خطوات رئيسية.

أولاً، يتعين على البرلمان الليبي أن يكفل إشراك المرأة على قدم المساواة مع الرجل في عملية صياغة الدستور. ينبغي أن تُمكن النساء من المشاركة بشكل كامل وفعال في اللجنة المعهود إليها صياغة قانون الانتخابات. كذلك يحتاج البرلمان إلى تعيين مستشار أو مستشارة بمجال النوع الاجتماعي (الجندر) للمساعدة على كفالة توافق مسودة الدستور مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وبمجرد البدء في عملية الصياغة، ينبغي على اللجنة التأسيسية أن تكفل نص الدستور الجديد صراحةً على المساواة التامة بين الرجال والنساء، وأن تكفل أيضا سمو ضمانات المساواة التي سُينص عليها في الدستور على أي قانون حالي أو مستقبلي. إن أي شيء دون ذلك سيكون غير متسق مع التزامات ليبيا بمقتضى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وغيرها من المواثيق الدولية التي تلزم الدول بكفالة المساواة بين الرجل والمرأة أمام القانون، بما في ذلك الحق في الحصول على التعويض والإنصاف القانونيين، وضمان مراعاة الأصول القانونية في المحاكمات.

ينبغي أيضاً أن يحظر الدستور الجديد بشكل صريح التمييز بناء على النوع الاجتماعي أو الجنس أو الحمل أو الزواج (الحالة الاجتماعية) من بين فئات أخرى، كما يجب أن يطالب المشرّع بتمرير قوانين تحول دون التمييز من قِبل الدولة أو أطراف غير تابعة للدولة، مع السماح للمحاكم بإلغاء السياسات والقوانين التمييزية ومنح المتضررين من التمييز تعويضات وسبل إنصاف فعالة.

على المؤتمر الوطني العام والبرلمانات القادمة إلغاء أو تعديل قوانين عهد القذافي وأنظمته القانونية التي تعرّض النساء للتمييز ومختلف أشكال الانتهاكات، سواء بشكل مباشر أو بما تستتبعه من آثار، ومنها القوانين التمييزية بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي، وقوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالعلاقات الأسرية التي لا توفر المساواة، وقانون الجنسية المبهم.

على سبيل المثال، يصنّف قانون العقوبات الحالي في ليبيا العنف الجنسي بصفته "جريمة ضد شرف المرأة" عوضا عن اعتباره جريمة ضد المرأة كضحية أو كانتهاك لسلامتها البدنية.

وأخيرا، ينبغي على الحكومة الليبية والمؤتمر الوطني العام العمل على إنهاء التمييز ضد النساء في جميع نواحي الحياة العامة والحياة السياسية في ليبيا. يعني ذلك العمل على كفالة عدم إفلات الرجال الذي يرتكبون أعمال عنف ضد النساء، بما في ذلك العنف الأسري، من العقاب، كما يعني أيضا مكافحة التنميط السلبي بحق النساء.

إن التطورات الأخيرة في ليبيا تؤكد على أهمية التحديات التي تواجهها النساء. ففي فبراير/شباط الماضي، أصدرت المحكمة الليبية العليا حكما من آثاره رفع القيود عن تعدد الزوجات. وفي أبريل/نيسان طالب مفتي البلاد- الذي يتمتع بنفوذ كبير- بالفصل الصارم بين الجنسين في جميع أماكن العمل والفصول الدراسية والدواوين الحكومية. وكان المفتي قد حث الحكومة في وقت سابق على منع زواج الليبيات من أجانب؛ مما أدى إلى قيام وزارة الشؤون الاجتماعية- حسب التقارير- بوقف منح تراخيص لمثل هذه الزيجات.

ينبغي أن تتمكن النساء من لعب دورهن كاملاً في مختلف العمليات السياسية والدستورية في ليبيا، من أجل تعزيزمكتسبات العامين الماضيين والحيلولة دون انتكاستها. يجب أن تُسمع أصوات النساء، من أجل وضع نهاية للتمييز الذي لا يزال يتخلل قوانين ليبيا ومؤسساتها.