قوات مجلس التعاون الخليجي تحرس أحد مداخل مستشفى السلمانية بالمنامة. 18 مارس/آذار 2011.

© 2011 Reuters

(المنامة، 30 مارس/آذار 2011) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن السلطات البحرينية تستهدف بشكل منهجي المتظاهرين والمارة الجرحى جراء الاحتجاجات المناهضة للحكومة بالمضايقة وسوء المعاملة، وتصل في بعض الحالات إلى حرمانهم من العناية المركزة.

منذ تولت قوة دفاع البحرين السيطرة على المنشأة الطبية الأهم في البلاد في 16 مارس/آذار 2011؛ عملت قوات الأمن والقوات العسكرية على طرد وتهديد وضرب واحتجاز المرضى المصابين بسبب الغاز المسيل للدموع والرصاصات المطاطية وخراطيش بنادق صيد الطيور والذخيرة الحية، ويتم إخراج هؤلاء المرضى أو نقلهم قسراً إلى مرافق طبية أخرى، وغالباً ما يتم هذا في تعارض مع الرأي الطبي السليم. وثقت هيومن رايتس ووتش بعض تلك الحالات.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "ليس هناك أي مبرر لاعتقال شخص ما لمجرد أنه ربما أصيب في حادث مرتبط بالاحتجاجات. حرمان المرضى من تلقي العلاج هو ضد كل القيم الإنسانية، وهو العلاج الذي يعتبر  في بعض الأحيان حاسماً لإنقاذ الحياة، وقد يسبب الحرمان منه معاناة جسمية وضرر لا يمكن إصلاحه".

في 27 مارس/آذار أخرجت قوات الأمن قسراً مريضاً شاباً من منشأة طبية، كان قد دخلها للعلاج من إصابات خطيرة ناجمة عن شظايا خراطيش البنادق، وكان المريض يعاني من ألم جمّ وقال الأطباء إنه يحتاج لعملية جراحية عاجلة لاستخراج أكثر من 100 شظية من خراطيش البنادق اخترقت منطقة حوضه وتسببت في تلف عدد من الأعضاء الداخلية.

ذهب المريض ذو الـ 22 عاماً الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه إلى مركز طبي محلي يوم 26 مارس/آذار، وقال المريض لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن أطلقت عليه خراطيش البنادق من على بعد متر واحد تقريباً يوم 25 مارس/آذار، بعدما دخلت قريته رداً على الاحتجاجات المناهضة للحكومة. وقال إنه بدأ يعاني من آلام حادة في المعدة وتقيأ بعدها بعدة ساعات. سرعان ما أصبح الألم لا يطاق، فاقتاده أخوته إلى مركز طبي قريب ليتلقى العلاج.

أعطاه الأطباء مسكنات للألم وتعاملوا مع عدد من الجروح السطحية التي أصيب بها، وأجريت عليه أشعة سينية في منطقة الحوض والأرداف. وأظهرت الأشعة التي أطلعت عليها هيومن رايتس ووتش أكثر من شظية خرطوش داخل جسم المريض. وقال الأطباء له ولأسرته إنهم لن يتمكنون من تقديم العلاج له لأن هناك بعض شظايا الخراطيش اخترقت جسده بعمق وتحتاج لتدخل جراحي.

في صباح يوم 27 مارس/آذار فحص مركز طبي آخر المريض، حيث قال له الأطباء إنه بحاجة لجراحة عاجلة، وقالوا إنهم سيحتاجون لطلب دم من مجمع السلمانية الطبي، وهو بنك الدم الوحيد في البلاد بالإضافة إلى مستشفى قوة دفاع البحرين، وأبلغوا المريض أنمه لا يمكنهم طلب الدم من دون تقديم معلومات المريض الشخصية والتي تشمل اسمه ورقم الهوية الوطنية الخاصة به وطبيعة جروحه.

بعد نحو ما يقرب من الساعة ونصف الساعة، شاهد أحد أفراد فريق عمل هيومن رايتس ووتش حوالي عشرة أفراد أمن بينهم شخصين يرتديان ملابس مدنية وما لا يقل عن أربعة من شرطة مكافحة الشغب يحملون أسلحة يدخلون المنشأة الطبية. وقال أحد ضباط الشرطة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم أتوا من مركز شرطة مدينة عيسى، وأنهم جاءوا لأخذ المريض. دخلوا غرفته وأرغموه على النهوض عن السرير والوقوف على قدميه  لإخراجه معهم، ولكن المريض كان يعاني من ألم ملحوظ وقال لهم إنه لا يستطيع المشي. فرد عليه أحد ضباط مكافحة الشغب "يمكنك الهرب من الشرطة ولكن لا يمكنك المشي الآن؟"، وأتاه أحد العاملين المستشفى بكرسي متحرك.

وسألت هيومن رايتس ووتش رجال الأمن إلى أين يأخذون المريض، وقالت لهم إنه بحاجة إلى عملية جراحية ولابد من بقاءه في المنشأة الطبية ليتلقى العلاج، وأوصل طاقم المستشفى المعلومات ذاتها إلى قوات الأمن، وقال أحد عملاء الأمن المرتدين ملابس مدنية لـ هيومن رايتس ووتش إن لديهم أوامر بنقل المريض إلى السلمانية، ولكنه رفض الإفصاح عن أية معلومات إضافية.

واقتادوا المريض إلى موقف السيارات في الكرسي المتحرك وتم وضعه في سيارة رياضية بيضاء لا تحمل لوحات أرقام، وجلس أحد أعوان الأمن الذين يرتدون ملابس مدنية خلف عجلة القيادة في حين جلس الآخر مع المريض في المقعد الخلفي وقاد السيارة في حراسة أربع سيارات جيب تابعة للشرطة. وعلمت هيومن رايتس ووتش في اليوم التالي من خلال قنوات غير رسمية أن السلطات نقلت المريض إلى مستشفى قوة دفاع البحرين التي تديرها المؤسسة العسكرية وأنه خضع هناك للعملية الجراحية. ولا توجد أية معلومات رسمية متوفرة حول حالة المريض.

وشهدت هيومن رايتس ووتش على حالة مماثلة في 28 مارس/آذار، عندما أُجبر أطباء في مركز طبي أخر على نقل جريح يبلغ من العمر 19 عاماً لم يرغب أيضاً في الإفصاح عن هويته، نقلوه إلى قوات الأمن في السلمانية؛ لأنه كان بحاجة للعناية المركزة. تعرض هذا المريض أيضا لشظايا خرطوش البنادق من مسافة قريبة يوم 25 مارس/آذار، واخترقت أكثر من 100 شظية خرطوش الجانب الأيمن من جسده وأحدثت أضراراً في كليته اليمنى والقولون ورئته اليمنى وتسببت بعدد من التمزقات والتهتكات.

وسعى المريض للعلاج بأحد المراكز الطبية المحلية، ولكن الأطباء قالوا له ولأسرته إنه بحاجة إلى رعاية عاجلة، وتدخل جراحي محتمل، وأنه سيكون من الضروري نقله إلى السلمانية أو مستشفى قوة دفاع البحرين. سمحت له السلطات في نهاية المطاف أن يتم تحويله إلى السلمانية في سيارة إسعاف دون مرافقة الشرطة وضمان أنه سيلقى معاملة لائقة. لا تزال عائلته قلقة للغاية على حالته الصحية، ولا تزال تخشى أن تنقله السلطات إلى الطابق السادس في السلمانية الذي يحتجزون فيه عدد كبير من المرضى المصابين بجروح متعلقة بالاحتجاجات.

وكانت هيومن رايتس ووتش قد وثقت في وقت سابق حالة أخرى مماثلة. إذ تعرض هاني عبد العزيز جمعة لشظايا خرطوش البنادق من مسافة قريبة، وتلقى العلاج في مركز طبي وبذل الأطباء جهدهم نحو الساعتين لتحقيق الاستقرار للحالة بعدما فقد كميات هائلة من الدم، وكان والد جمعة قد قال لـ هيومن رايتس ووتش إن ابنه بعدما وصل للمركز الطبي وصلت سيارة إسعاف من مستشفى قوة دفاع البحرين برفقة اثنين من الضباط الملثمين ونقل الضباط ابنه إلى ذلك المستشفى، وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي رأته فيها عائلته على قيد الحياة.

    

في 29 مارس/آذار أعلن وكيل وزارة الداخلية للشؤون القانونية عن وفاة ما لا يقل عن مريض واحد وآخر في حالة حرجة بسبب خشية أسرهم أن يتم احتجازهم وإساءة معاملتهم وتأخر قبولهم في المستشفيات، مما "أدى لتدهور في حالة ]واحد من المحتجين[ ووفاة الأخر". تأكدت هيومن رايتس ووتس أن الوفاة التي أشارت لها الوزارة هي حالة وفاة جمعة. لا تعرف هيومن رايتس ووتش إن كانت السلطات قد أرسلت أي بلاغات رسمية لأسر المريضين الذين تم اقتيادهما للسلمانية ومستشفى قوة دفاع البحرين في يومي 27 و28 مارس/آذار.

وقال جو ستورك: "بيان وزارة الداخلية يتجاهل تماماً حقيقة صعوبة القرارات التي اتخذها المرضى المصابين بجروح خطيرة وأسرهم، وكونهابسبب سلوك قوات الأمن غير الإنساني في السلمانية وغيرها من المراكز الطبية خلال الأسبوع الماضي".

وثقت هيومن رايتس ووتش العديد من الحالات للمرضى الذين يعانون من إصابات متعلقة بالاحتجاجات، ممن نقلوا أو تلقوا علاجا في السلمانية، ثم تعرضوا لمضايقات شديدة أو ضرب. قال شهود عيان عديدين لـ هيومن رايتس ووتش إن سلطات السلمانية تفصل تلقائيا الأشخاص الذين يعانون من إصابات متعلقة بالاحتجاجات عن بقية المرضى، وتنقل معظم المصابين بجروح ناجمة عن شظايا خراطيش البنادق أو الذخيرة الحية لعنابر في الطابق السادس، وإن هذا الطابق السادس مغلق أمنياً.

ووصف أحد المرضى السابقين الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه محنة استمرت ستة أيام في السلمانية. ذهب إلى هناك لتلقي العلاج من جروح في وجهه وعينه وإبهامه نتيجة شظايا خراطيش البنادق، بعدما هاجمت قوات الأمن المتظاهرين المناهضين للحكومة في دوار اللؤلؤة يوم 16 مارس/آذار. وقال لـ هيومن رايتس ووتش إنه في حوالي الثامنة والنصف مساء 17 مارس/آذار استمع هو وزملاؤه الأربعة في غرفتهم الواقعة في الجناح 23 أناس يصرخون وصوت إغلاق أبواب بقوة، واقتحمت مجموعة من الرجال المسلحين الملثمين وبعضهم في ملابس مدنية وأخرون يرتدون زي الشرطة الغرفة وطلبوا منه وزملائه أن يعرفوا أنفسهم ويعطوهم عناوينهم وأن يصفوا طبيعة إصاباتهم.

أجبره المسلحون هو وزملاءه على النهوض من أسرّتهم، ودفعوهم إلى الأرض، وكبلوا أيديهم من وراء ظهورهم، ثم ضربوهم وجروهم خارج الغرفة، واقتادهم الرجال إلى منطقة استقبال المستشفى، وأجبروهم على الاستلقاء على وجوههم وأيديهم مكبلة لأربع ساعات مع عشرات المرضى الأخرين. وقال الشاهد إن الرجال كانوا يركلون ويسبّون المرضى بينما هم يطالعون سجلاتهم الطبية.

وقال الشاهد إنه في اليوم التالي ما بين الرابعة والخامسة مساء نقلته المستشفى وعديد من الأخرين المصابين بجروح متعلقة بالاحتجاجات إلى الجناح 62 في الطابق السادس، وقال إنه من هذا المساء إلى صباح اليوم التالي كان يدخل مجموعات من الرجال بعضهم بالزي العسكري وأخرين في ملابس مدنية ومعظمهم ملثمين واستجوبوهم مرارا مسجلين التحقيقات على شرائط فيديو، مطالبين بمعرفة العلاقات المزعومة مع شخصيات معارضة وإيران وحزب الله واعتادوا استخدام مصطلحات ضد الشيعة أمام المرضى. وقال في إحدى المرات إن أحدهم طلب من أخرين أن يضربوهم بأحذيتهم لأنهم "نجس" أو قذرين، وضرب الرجال المرضى على رؤوسهم وأيديهم وأعناقهم.

  

قال الشاهد إن على مدى اليومين التاليين والمرضى في عنبر الدور السادس المغلق أمنياً يتعرضون للضرب والاستجوابات المتكررة، وقال الشاهد لـ هيومن رايتس ووتش إنه منذ 19 مارس/آذار بدأت السلطات تأمر الأطباء بتقييم أحوال المرضى المصابين بجروح أقل خطورة، ثم راحت تأمر المستشفى بإطلاق سراحهم. وفي 21 مارس/آذار تم الإفراج عنه هو وآخرون. وقدم عدد من الشهود الآخرين لـ هيومن رايتس ووتش روايات مماثلة.

وقال جو ستورك: "حولت حكومة البحرين المراكز الطبية التي كان من المفترض أن تكون ملاذاً آمناً وشفاء للمرضى والجرحى إلى مقرات للاحتجاز في أوضاع ترقى في بعض الأحيان لمستوى التعذيب. ويتوجب على السلطات السماح فوراً لجميع المرضى الذين يعانون من إصابات متعلقة بالاحتجاجات بالوصول غير المشروط إلى المراكز الطبية والمستشفيات".