Skip to main content

أسئلة وأجوبة عن الثياب والرموز الدينية في أوروبا

 

هناك عدد متزايد من البلدان الأوروبية أصدرت قيوداً على الثياب الدينية في الأماكن العامة، أو تُفكر في إصدار قيود من هذا النوع. الدافع وراء هذه القيود هو نقاش دائر في أوروبا حول ارتداء الحجاب الإسلامي. يعكس النقاش التوترات في مجتمعات متزايدة التعددية بشكل مطرد، تكافح من أجل دمج مختلف الطوائف في المجتمع ومن أجل حفظ الهوية الوطنية والأمن القومي.

وبينما هناك العديد من الإجراءات المقترحة والتي تم تبنيها التي تبدو حيادية في الظاهر - تمنع جميع الثياب والرموز الدينية أو تغطية الوجه، على الورق - فإن الجدل العام والسياسي الدائر قد تركز على مختلف أنواع الحجاب التي ترتديها المرأة المسلمة، والحجاب يغطي الشعر كله، والنقاب يغطي الوجه والرقبة أيضاً، ويترك العينين فقط، والبرقع رداء يغطي الوجه والجسد كاملاً.

لا توجد إحصاءات كاملة أو موثوقة عن عدد النساء في البلدان الأوروبية اللاتي يرتدين حجاب الوجه الكامل (النقاب أو البرقع)، لكن من الواضح أيضاً أنهن يشكلن أقلية صغيرة للغاية. التقديرات في فرنسا تتراوح بين 700 إلى 2000، ونحو 150 إلى 200 في الدنمارك، بينما في بلجيكا فالعدد يدور حول 300 إلى 400.

في فرنسا، صدر حظر على الموظفين العامين، ومنهم المُعلمات، بموجب القانون، من ارتداء رموز دينية، ولا يحق للطلاب ارتياد المدارس العامة إذا كانوا يرتدون أي نوع من أنواع الرموز الدينية "اللافتة"، بما في ذلك الحجاب، وعمّة هنود السيخ، ورداء رأس اليهود (كيباه). وقالت السلطات إن هذا الحظر ينطبق أيضاً على الصلبان المسيحية "الكبيرة"، لكن الحظر لم يُطبق على الصلبان "عادية" المقاس التي يتم ارتداءها حول الرقبة. في ألمانيا، فإن ثمانية من 16 ولاية أصدرت قوانين تحظر على المعلمين والمعلمات في المدارس العامة ارتداء ثياب أو رموز دينية ظاهرة، مع وجود نقاشات برلمانية ووثائق تفسيرية ورد فيها بوضوح أن الحجاب الإسلامي هو الهدف الأساسي. اثنان من تلك الولايات فرضت نفس القيود بشكل عام على بعض أو كل الموظفين العامين.

وفي سبتمبر/أيلول 2010، تبنى البرلمان الفرنسي قانوناً يحظر إخفاء الوجه في الأماكن العامة، بنية مُعلنة هي منع ارتداء النقاب الإسلامي الذي يغطي الوجه، في الأماكن العامة. القانون، الذي تمت الموافقة عليه من قبل المجلس الدستوري الفرنسي في أكتوبر/تشرين الأول 2010، يعتبر إكراه المرأة على ارتداء النقاب جريمة، يُعاقب عليها بسنة من السجن وغرامة 30 ألف يورو. ما إن يدخل القانون حيز النفاذ، في ربيع عام 2011، تتعرض المرأة التي تخالف القانون لغرامة بحد أقصى 150 يورو والإلزام بحضور دورة تدريبية في "المواطنة".

وهناك قانون فيه قيود مشابهة وافق عليها البرلمان البلجيكي في أبريل/نيسان، وما زال في انتظار موافقة مجلس الشيوخ البلجيكي. مجلس الشيوخ الإسباني تبنى قراراً غير ملزم في يونيو/حزيران 2010 يدعو إسبانيا إلى حظر الثياب والإكسسوارات في الأماكن العامة التي تؤدي إلى تغطية الوجه بالكامل، بدعوى أن أغلب إسبانيا تعتبر النقاب الإسلامي "تمييزي وضار ويتعارض مع كرامة المرأة والمساواة الحقيقية والفعالة بين الرجل والمرأة". الحكومة الإسبانية قالت إنها ستضم الحظر إلى إصلاح مستقبلي في قانون إسباني عن الحريات الدينية. وهناك خطة لحظر النقاب وردت في اتفاق تحالف الحكومة في هولندا، في أكتوبر/تشرين الأول 2010. وهناك إجراءات مشابهة في بلدان أخرى، منها إيطاليا والمملكة المتحدة والدنمارك، بينما هناك بعض البلديات في بلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا فرضت بالفعل أو تفكر في فرض حظراً محلياً.

يثير هذا الجدل أسئلة يصعب الإجابة عليها، عن العلاقة بين مختلف عناصر الحقوق الأساسية، لا سيما الحقوق المرتبطة بحرية المعتقد الديني وحقوق المرأة. كما يفرض أسئلة عن الدور الملائم للدولة فيما يتعلق بالدين والممارسات التقليدية، ومنها كيفية وموعد ومكان تضييق الحكومات بشكل مشروع على ارتداء الثياب الدينية وعرض الرموز الدينية في الأماكن العامة.

ما قول القانون الدولي لحقوق الإنسان في الثياب والرموز الدينية؟

يضمن قانون حقوق الإنسان الحق في الحرية الدينية، بما في ذلك الحق في إظهار المرء لمعتقداته الدينية عبر العبادة ومراعاة الشعائر وممارسة الواجبات الدينية وتلقي التعاليم الدينية في الدوائر الخاصة والعامة. قانون حقوق الإنسان يطالب الدول أيضاً بضمان الحق في خصوصية الحياة الخاصة، ويشمل ذلك الحق في حرية المرء على جسده، على سبيل المثال الحرية في اختيار ما يرتديه المرء، في الأماكن العامة والخاصة. وعلى الحكومات ضمان الحق في المساواة وعدم التعرض للتمييز، لا سيما منع التمييز على أساس من الدين أو الجنس. وأخيراً، فإن الدول مُلزمة بحماية حقوق الأقليات الدينية داخل حدودها.

وقد أوضحت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن مفهوم العبادة يشمل إظهار الرموز، وأن مراعاة الشعائر وإقامتها قد تشمل ارتداء ثياب مميزة أو تغطية الرأس.

ومثل الأغلبية العظمى من الحقوق، فلا الحريات الدينية أو الحق في حرية المرء على جسده هي حقوق مُطلقة بموجب قانون حقوق الإنسان. الحكومات يمكنها الحد من هذه الحقوق، لكن فقط مع إظهار أن القيود ضرورية لحماية السلامة العامة والنظام العام أو الصحة أو الأخلاق العامة، أو حقوق الإنسان الأساسية وحريات الآخرين، ويعتبر هذا المعيار في تقييد الحقوق معياراً يصعب على الحكومات تحقيقه أو تبريره.

الحكومات التي تحاول حظر تغطية الوجه تماماً لم تُظهر أن ارتداء النقاب أو البرقع يفرض تهديداً قوياً يستوجب أي من أشكال التقييد، للدرجة التي تبرر الحظر التام. كما أنه بموجب القانون الدولي فأي تقييد للحريات الدينية يجب ألا يكون تمييزاً وأن يكون متناسباً مع ما يستوجبه. بينما القيود المقترحة والقائمة قد صيغت بمصطلحات محايدة - حظر إخفاء الوجه في مكان عام - فإن الهدف المعلن والمنطق وراء هذا الحظر هو اعتراض ارتداء النقاب الكامل، وهذا الحظر من المرجح أن يكون له أثر غير متناسب على النساء المسلمات. بمعنى آخر، هذا الحظر تمييزي من حيث الممارسة.

وبينما بعض الأسباب المذكورة للحظر على النقاب - الحاجة للتأكد من هوية الشخص والحاجة لحماية النساء من القمع - قد تكون مشروعة، فإن الرد بحظر تام وعلني، بما في ذلك عقاب النساء اللاتي يرتدين النقاب، هو رد غير متناسب. من الممكن فرض إجراءات أقل تقييداً وفي الوقت نفسه تفي بهذه الأهداف وبعضها تجري مناقشته أدناه.

هيومن رايتس ووتش تعرف بالحجج والأسباب المبداة لحقيقة أن تغطية الوجه والجسد بالكامل لا يعتبر ممارسة دينية يفرضها الإسلام، بل ممارسة ثقافية معينة ذات جذور جغرافية في مناطق محدودة. وليس دورنا الدخول في أي جدل ديني. المهم هو أنه ليس من حق الدولة تعريف أو تفسير معنى الرموز الدينية، والمهم هو ما يعتبره الأفراد دليلاً على مراعاة المعتقدات الدينية. الحق في حرية الدين والمعتقد الديني يحمي الأقليات الدينية لكنه يحمي في الوقت نفسه من يتراجعون عن الاعتقاد في الدين في أوساط الأغلبية الدينية، والملحدين. بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، فليس من حق الدولة حرمان طوائف دينية معينة أو فرض معتقدات دينية تخص طوائف بعينها، أو فعل ذلك فيما يتعلق بمظاهر أي معتقدات دينية.

ما قول الهيئات الدولية لحقوق الإنسان؟

الهيئات الدولية لحقوق الإنسان انتقدت التضييق على الحجاب والنقاب. المفوض الأوروبي لحقوق الإنسان، توماس هامربرغ وصف الحظر التام على البرقع والنقاب "خرق غير سليم للحق في الخصوصية"، مشيراً أيضاً إلى أهمية الحق في حرية إظهار المرء لمظاهر دينه والحق في عدم التعرض للتمييز. الأمين العام للمجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي، أبديا معارضة أشكال الحظر هذه. لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل أعربت عن قلقها من أن حظر الرموز الدينية في المدارس ربما يتجاهل مبدأ مراعاة المصالح الفضلى للأطفال والحق في التعليم، ودعت فرنسا إلى ضمان عدم استبعاد أو تهميش أي طفل من نظام التعليم المدرسي نتيجة للقوانين الفرنسية.

تمنح المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الحكومات مجال اختيار واسع لدى تقييم ما إن كانت القيود على الثياب الدينية للموظفين العامين وفي البنايات العامة يتفق مع قانون حقوق الإنسان. في سلسلة من المحاكمات، أيدت المحكمة القيود على الطلاب والمعلمين بعدم ارتداء الحجاب والعمم في المدارس والجامعات. كما أيدت مطلباً فُرض أخيراً في فرنسا، بأن ينزع هنود السيخ العمّة أثناء التقاط الصور الفوتوغرافية اللازمة لاستخراج رخص القيادة. (لم تنظر المحكمة بعد في أي من القضايا الخاصة بالقيود على غطاء رأس اليهود، في القانون الفرنسي).

ولا تتفق هيومن رايتس ووتش مع رأي المحكمة في هذه القضايا. تعتقد هيومن رايتس ووتش أن المحكمة أخفقت في منح الوزن المناسب لحاجة الدولة لأن تكون لديها مبررات قوية لفرض هذه القيود، وأثر هذه القيود على حياة الأفراد المعنيين (منهم الرجال السيخ والأطفال في فرنسا)، والأثر التمييزي للحظر الذي يؤثر بالأساس على النساء والفتيات مرتديات الحجاب. في العديد من هذه القضايا، قضت المحكمة دون مطالبة الحكومة بالخروج بتبرير لما تفرض من قيود.

كما يجدر بالذكر أن في فبراير/شباط 2010 في قضية ضد تركيا، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن القيود العامة على الثياب الدينية في الأماكن العامة وتنطبق على أبناء أقلية معينة، تخرق حقهم في الحريات الدينية. هذه السابقة في الحُكم توحي بأن المحكمة ستجد أن الحظر العام على النقاب الذي يغطي الوجه غير متفق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.

ما موقف هيومن رايتس ووتش من تدخل الدولة في الثياب والرموز الدينية؟

ليس لـ هيومن رايتس ووتش موقف من كون الحجاب أو النقاب مقبولاً أم لا. إننا نعارض سياسات فرض الحجاب والنقاب بالقوة وكذلك القيود على ارتداء هذه الثياب الدينية. وفيما يخص الحريات الدينية، فإننا ندافع عن هذا الحق، من نفس منطلق دفاعنا عن حرية التعبير - إذ نؤيد الحق في التعبير عن الآراء التي قد يراها البعض متناقضة مع مبادئ الكرامة الإنسانية أو التسامح أو الاحترام، والتي قد تضايق البعض كثيراً، من واقع الأهمية الأساسية لحرية المعتقد الديني وحرية التعبير في المجتمعات الديمقراطية.

كما نعارض القوانين التي تمنع الموظفين العامين - ومنهم المعلمين والمعلمات - من ارتداء الرموز الدينية في مكان العمل، ما لم يتبين أن هذه الرموز لها أثر مباشر على قدرة المعلمين والمعلمات والموظفين والموظفات على أداءهم لعملهم. يمكن للسلطات أن تمنع المعلمين في المدارس العامة من فرض آرائهم الدينية بشكل عام على طلابهم، لكن المدارس يمكنها التصدي لهذا الأمر بشكل فردي بمعالجة كل حالة على حدة وبفرض إجراءات تأديبية داخلية. السماح للموظفين في الدولة بالكشف عن معتقداتهم الدينية عن طريق ارتداء رموز دينية لا يعتبر تصديقاً من الدولة بهذه المعتقدات أو مظاهرها، ولا هو يقوض حيادية الدولة أو قدرة الموظفين في الدولة على أداء واجباتهم. على النقيض، فإن هذا يُظهر الاحترام للتنوع الديني.

وربما من المعقول للدولة أن تحظر ارتداء النقاب في بعض الوظائف، عندما يثبت أن إخفاء الوجه يتعارض مع المتطلبات الوظيفية الأساسية. على سبيل المثال، قد يكون مشروعاً مطالبة الموظفين العامين المتعاملين بشكل مباشر مع الجمهور والمعلمات في المدارس العامة، بإظهار وجوههم ووجوههن طوال الوقت. لكن مثل هذه القيود يجب أن تكون مُصاغة فقط في الحالات التي يكون من الضروري فيها كشف الوجه أثناء أداء الوظيفة. وهذه القيود لا يمكن أن تُطبق وأن تعتبر مشروعة في حالة ارتداء الرموز الدينية التي لا تغطي الوجه، مثل الحجاب الذي يغطي الشعر، أو قبعة اليهود أو الصلبان أو العمم في حالة هنود السيخ.

وماذا عن الدول التي تُجبر فيها النساء على ارتداء الحجاب أو النقاب أو البرقع؟

تعارض هيومن رايتس ووتش سياسات إجبار النساء على ارتداء الحجاب وغير ذلك من الثياب الدينية، مثل السياسات المتبعة في منطقة أكيه )أندونيسيا( أو السعودية أو إيران أو أجزاء من الصومال أو غزة أو جمهورية الشيشان الروسية وفي أفغانستان تحت حكم طالبان، بصفتها تخرق حقوق المرأة في حرية المرء في جسده، وكذلك تتعارض مع الحريات الدينية وحرية الآراء. لقد وثقنا مثل هذه الممارسات والسياسات المبررة على أسس دينية وكيف أنه كان لها في بعض الأحيان الأثر السلبي على حقوق المرأة، وأن النساء والفتيات يتعرضن في بعض الأحيان للعنف والقمع باسم الدين.

عندما تحظر الحكومات الثياب الدينية أو تفرضها فرضاً، أليست بفعلها هذا تعكس الوعي المجتمعي في تلك البلدان؟

ترفض هيومن رايتس ووتش الرأي القائل بأن القواعد التي تفرضها الحكومات فيما يخص الحجاب في أجزاء من العالم الإسلامي، ومنع الثياب الدينية في أوروبا، هي مجرد انعكاس للمعايير الاجتماعية السائدة في تلك البلدان. مبادئ حقوق الإنسان تحمي جميع الأفراد وتمنح حماية خاصة للأقليات، وكثيراً ما تعتبر ضد قوانين تعكس المعايير المجتمعية القمعية. كما أن العديد من القوانين، سواء في أوروبا، التي تحاول حظر ملابس دينية معينة، أو تلك في أجزاء أخرى من العالم، هي قوانين جديدة نسبياً.

كما لا نعتقد في صحة الآراء القائلة بأن سياسات الإجبار على ارتداء الحجاب أو النقاب هي تعبير عن المفاهيم المجتمعية المشتركة الخاصة بحفظ الأخلاق وأنها موازية للقوانين التي تحظر العرى في الأماكن العامة. من المهم ملاحظة أن قوانين الانضباط الأخلاقي التي تحظر العرى في الأماكن العامة هي قوانين متبعة في جميع أنحاء العالم تقريباً، وليست متصلة بقيود على حقوق أخرى ولا تؤدي إلى تقييد حقوق أخرى، وليست عرضة للاختلاف حولها على نطاق واسع. على النقيض، فإن الإجبار على ارتداء الحجاب وتغطية الوجه - لا سيما النقاب والبرقع - متصل بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. كما أن الغرض والمعنى وطبيعة تغطية الرأس والوجه تختلف كثيراً من مجتمع لآخر ومن دولة لأخرى، وهي موضع تنازع في الرأي واسع في المجتمعات الإسلامية.

وفي الوقت نفسه، فإن القيود المفروضة على ارتداء الحجاب أو النقاب في الحياة العامة هي انتهاك لحق النساء من نفس منطق كون إجبارهن على ارتداءها انتهاك لحقوقهن. النساء المسلمات، مثل جميع النساء، يجب أن يُتاح لهن الحق في ارتداء ما يشأن من ثياب، وفي اتخاذ قراراتهن الحياتية ومنحهن الحرية في التعبير عن مظاهر إيمانهن، وهويتهن ومثلهن الأخلاقية.

لكن أليس الحجاب أو النقاب رمزاً على إخضاع المرأة بالقوة؟

أحد الحجج الأساسية المستخدمة لصالح الحظر هي أن الحظر يساعد على تحرير النساء المُكرهات على ارتداء الحجاب أو النقاب. بالنسبة للكثيرات، فإن النقاب الكامل هو رمز قمع وإخضاع قوي للنساء المسلمات. البرقع مرتبط في الأذهان بطالبان، التي تخرق بشكل ممنهج الحقوق والحريات الأساسية للنساء الأفغانيات، مما يخلفهن ضحية أقل متوسط عمر في المنطقة وصاحبات أحد أعلى معدلات الوفاة أثناء الولادة ورعاية الأطفال.

إكراه النساء على ارتداء النقاب أو الحجاب هو واحد من مجموعة كبيرة من الإساءات المتصلة بالنساء تحديداً، والمرتكبة ضد النساء في جميع الأديان ومختلف التقاليد الاجتماعية والمجتمعات في شتى أنحاء العالم. على الدول التزام بالقضاء على العنف والتمييز ضد المرأة في الحياة العامة والخاصة، بما في ذلك عن طريق استخدام قوانين العقوبات من أجل معاقبة المسؤولين عن هذا الإكراه.

لكن التعميم فيما يخص اضطهاد المرأة يضر بأحد مقومات مساواة المرأة بالرجل: الحق في حرية تقرير المصير وحرية المرء في جسده، والحق في اتخاذ القرارات الحياتية دون تدخل من الدولة أو آخرين. هناك بالطبع نساء أُجبرن على ارتداء النقاب أو الحجاب ويشعرن بضغوط هائلة تضطرهن لعمل شيء ضد قناعاتهن. وهناك أيضاً مسلمات أوروبيات قلن إن النقاب أو الحجاب هو قرارهن الشخصي، وذكرن دوافع لهذا القرار مثل التعبير عن المعتقد الديني والرغبة في التأكيد على الهوية. من المهم الإقرار بأن الحجاب أو النقاب قد يكون اختيار شخصي، بنفس طريقة اعتبار السلوكيات الأخرى التي تشكلت بناء على عوامل مجتمعية أو أسرية أو دينية، وينتهجها الأفراد، من سبل التعبير عن الشخصية.

الحق في حرية المرء في جسده، هو مبدأ أساسي من مبادئ حقوق المرأة، ومفهوم أنه جزء من الحق في خصوصية الحياة الخاصة المكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. الحق في حرية المرء في جسده يشمل الحق في اتخاذ القرارات بحرية طبقاً لقيم المرء ومعتقداته وظروفه الشخصية واحتياجاته. ممارسة هذا الحق تعني أن الشخص حر من الإكراه وكذلك حر من القيود غير المشروعة على شخصه. كما يشمل الحق في تبني أسلوب حياة لا يوافق عليه الآخرون في المجتمع، أو يرونه ضاراً بالشخص الذي يتبناه.

وعلى المستوى العملي، فمن الصعب رؤية كيف أن القوانين التي تستهدف النساء تخدم قضية مساواة المرأة. فالقوانين المحلية والقوانين الوطنية في فرنسا التي تحظر النقاب، والتي ظهرت شهر أكتوبر/تشرين الأول 2010، تنص على جملة من العقوبات على النساء اللاتي يخرقن شروط الحظر، بما في ذلك الغرامات ودورات تدريبية في "المواطنة" والعمل المجتمعي. الحظر الذي ما زال بانتظار الموافقة النهائية من مجلس الشيوخ البلجيكي ينص على عقوبة بالحبس بحد أقصى سبعة أيام.

ولقد كشفت بحوثنا عن أن الحظر على ارتداء المعلمات للحجاب في أجزاء من ألمانيا أدى بالنساء الملتزمات من المسلمات إلى التخلي عن أعمالهن، مما أسفر عن فقدان الاستقلالية والوضع الاجتماعي والاكتفاء المالي، رغم أنه لا توجد إحصاءات موثوقة عن عدد النساء المتأثرات. بالنسبة للنساء المُكرهات من قبل الأقارب في الأسرة على ارتداء الحجاب، فإن منعهن من الحصول على وظائف لن يحميهن من هذا الاضطهاد. كما أن هذا النوع من تدخل الدولة يبدو أنه يفاقم من التمييز ضد النساء اللاتي يرتدين الحجاب في القطاع الخاص. بعيداً كل البعد عن تمكينهن، فإن هذا الحظر القانوني يؤدي إلى تدهور مركزهن الاجتماعي.

حتى في حالة النقاب وتغطية الوجه، فالحجج المُقدمة ليست مقنعة. بالنسبة للنساء المُلزمات على تغطية وجوههن وأجسادهن بالكامل، فإن الحظر على تغطية الوجه في الأماكن العامة قد يعني أنهن سيلجأن إلى ما يدعوه المنتقدين بـ "سجن اختياري": منازلهن، إذ قد يرفض أقاربهن من الرجال السماح لهن بالخروج من البيوت دون ارتداء النقاب. الرقابة الاجتماعية القوية في مجتمعات مسلمة ضد ارتداء النقاب الكامل، وضد الإجبار على ارتداء الحجاب أو النقاب بشكل عام، من المُرجح أن تؤدي إلى تمكين النساء أكثر من القوانين والغرامات. إكراه الدولة للأفراد وعقابها للضحايا لن ينزع الاضطهاد من جذوره. المطلوب هو التعليم وإتاحة الدعم والتسهيلات الاقتصادية وكذلك السبل الفعالة لالتماس العدالة ضد من يقومون بالاضطهاد.

وبالنسبة لمن يغطين وجوههن أو شعرهن من واقع اختيارهن الحر، فإن الحظر يفرض عليهن الاختيار بين المشاركة الكاملة في المجتمع على جانب، وإظهار معتقداتهن الدينية ومراعاتها على الجانب الآخر.

الحظر المفروض في البنايات والمواصلات العامة، مقارنة بذلك المفروض على كل الأماكن العامة، يعني المخاطرة بفرض أثر مدمر بنفس القوة على قدرة النساء المنقبات على إدارة حياتهن بحرية، ويجعل من الأنشطة اليومية المألوفة، مثل ركوب الحافلات وحضور جلسات الآباء والمعلمين في المدارس العامة وتعبئة الاستمارات في مقار البلدية، بل وحتى الحصول على رعاية طبية في المستشفى، من الأمور المستحيل أداءها مع مراعاة معتقداتهن الدينية.

وماذا عن الفتيات المُجبرات من قبل أسرهن على ارتداء النقاب أو الحجاب؟

هناك فرق بين حقوق الآباء في تعليم أطفالهم طبقاً لما يرونه ضمن معتقداتهم، وحق الأطفال في الحرية الشخصية (الذي يتزايد مع التقدم في السن). بموجب القانون الدولي، على الدول احترام المسؤوليات والحقوق والواجبات الخاصة بالآباء، في توفير التوجيه والإرشاد الملائم أثناء ممارسة الطفل لحقوقه الأساسية، بشكل متسق مع تزايد قدرات الطفل مع مرور الزمن والتقدم في السن. وكثيراً ما يختلف الناس بحدة حول ما يعتبر سلوك أبوي ملائم، بما في ذلك كل شيء، من التعليم الروحاني، إلى النظام الغذائي السليم.

إلا أن الدول يمكنها التدخل في اختيارات الآباء الخاصة بأطفالهم فقط في حالة وجود ضرر بدني أو نفسي محتمل يتهدد الطفل، ويمكن إثباته. على الدول أن تلجأ للإجراءات التشريعية والإدارية والمجتمعية اللازمة لحماية الأطفال عندما يكون الآباء مسؤولين عن وقوع أعمال عنف بدني أو نفسي، أو إصابات أو إساءات، أو إهمال أو معاملة تنطوي على الإهمال أو إساءة معاملة أو استغلال. من المهم ملاحظة أنه بموجب القانون الدولي على الدول اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان حماية الأطفال من التمييز أو العقوبات القاسية التي قد تترتب على معتقدات آبائهم أو أقاربهم.

وكقاعدة عامة، من غير الملائم بالنسبة للدولة أن تنظّم مسألة مطالبة الآباء للأطفال بارتداء الثياب الدينية بما يتفق مع قناعات الآباء الخاصة، ما لم يكن الإلزام قد جاء مصحوباً بإساءة معاملة نفسية أو بدنية. ومع بلوغ الطفل 18 عاماً فإنه هو أو هي تزيد حريته في إدارة شؤونه بنفسه، بما في ذلك الحق في اختيار الملبس.

من رأي هيومن رايتس ووتش أن القيود الشاملة على ارتداء الطلاب للثياب والرموز الدينية في المدارس يعارض القانون الدولي لحقوق الإنسان. مثل هذه القيود قد تكون ذات أثر غير متناسب على الأقليات الدينية، وقد تصم أعضاء الأقليات وصماً سلبياً، ولها أثر سلبي على تمتع الأطفال بحقهم في التعليم، وكثيراً ما تكون ذات أثر زائد على الفتيات. يمكن أن تطبق المدارس سياسات تخص الثياب والزي المدرسي، لكن يجب ان تستوعب هذه القواعد متطلبات المعتقدات الدينية، سواء الدين الإسلامي أو السيخ أو اليهود أو المسيحيين أو غير ذلك. والقيود المفروضة بالنظر في كل حالة على حدة قد تكون مشروعة عندما تتمكن إدارة المدرسة من إظهار أن ذلك الثوب تحديداً، بما في ذلك النقاب الذي يغطي الوجه، يتدخل في قدرة الطالب أو الطالبة على التعلم أو المشاركة بالكامل في الحياة المدرسية. في هذه الحالة، فإن واجب حماية المصلحة الفضلى للطفل قد يبرر القيد المفروض.

القوانين التي تطالب الطالبات بارتداء الحجاب أو النقاب في المدارس تخرق بدورها بالمثل التزام السلطات بموجب القانون الدولي باحترام حق الآباء في تربية أطفالهم بما يتفق مع قناعاتهم الخاصة، وحق الطفل في التعبير عن حريته في جسده، وكذلك واجب تفادي الإكراه في الأمور المتصلة بالحريات الدينية.

أليس من الواجب منع البرقع والنقاب لأسباب أمنية؟

الحظر الشامل المعمم على النقاب الإسلامي هو رد فعل غير متناسب على الحاجة المشروعة والملموسة، في جملة من المواقف، للتأكد من هوية الأفراد. مثلاً في نقاط التفتيش بالمطارات وأثناء أخذ الآباء لأطفالهم من المدارس، وأثناء المعاملات الإدارية مع مسؤولي الدولة وأثناء صرف الشيكات المصرفية، فهناك حاجة لأن يكشف الشخص المعني عن هويته. يجب تبني الإجراءات الملائمة والحساسة للوفاء بحق الفرد في الكشف عن معتقده الديني وواجبه في تعريف نفسه في الوقت نفسه. وفي جميع المواقف المذكورة أعلاه، كأمثلة، فإن المرأة التي ترتدي النقاب يمكن اصطحابها إلى مكان منعزل لتكشف وجهها لحارسة أو معلمة أو موظفة بنكية أو موظفة بالدولة، حسب الحالة. أما أشكال اللباس الديني التي لا تجعل كشف الهوية مستغلقاً، مثل ارتداء حجاب الرأس أو عمّة السيخ، فيجب ألا تتعرض للقيود باسم الأمن.

بعض المؤيدين للحظر العام يتذرعون بالحاجة الماسة لمراعاة النظام العام ويشيرون إلى وجود قوانين في بعض البلدان تمنع الأفراد من السير مرتدين أقنعة باستثناء في مناسبات معينة (على سبيل المثال، في أوقات الاحتفال). ولا توجد أدلة مُقنعة على أن ارتداء المرأة المسلمة للنقاب الكامل هو أكثر تهديداً للأمن من سبل تغطية الوجه الأخرى، بما في ذلك الأقنعة الحامية للوجه لأسباب صحية والثياب الشتوية في المناطق الباردة، التي قد تغطي الوجه أو معظمه. أخيراً، فإن الحظر على إخفاء المرء لوجهه في الأماكن العامة من غير المرجح أن يردع الشخص عن ارتكاب جريمة يريد فيها إخفاء وجهه، بأي شكل من الأشكال الأخرى، من أجل تفادي الكشف عن هويته.

أليس منع الثياب والرموز الدينية في الأماكن العامة طريقة مناسبة للحفاظ على العلمانية؟

تطالب قوانين حقوق الإنسان الدول والسلطات بالدول بالامتناع عن أي تمييز على أساس المعتقد الديني. هذا يعني أن على الدولة التزام الحياد فيما يخص الدين - وهو ضامن هام للحريات الدينية. في بعض الدول الأوروبية فإن حيادية الدولة تتطلب من مؤسسات الدولة الامتناع عن فرض أي مجموعة معينة من الآراء الدينية، بينما في الوقت نفسه تسمح بحرية التعبير عن المعتقدات الدينية في تلك المجتمعات. لكن العلمانية المتوحشة التي تحاول منع الأفراد من إظهار معتقدهم الديني، مثل فرض حظر يحول دون ارتداء الثياب الدينية في الأماكن العامة على صلة بجماعة دينية معينة، هو أمر يقوض من هذا المبدأ، ولا يحميه.

هناك تفرقة واضحة بين الكشف المعمم عن الرموز المرتبطة بديانة معينة، وهو ما قد يُرى على أنه تأكيد على رسالة دينية محددة، وعلى الجانب الآخر، الكشف الفردي عن المعتقدات الخاصة من قبل الموظفين في المؤسسات العامة.

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

المنطقة/البلد