في قرية ونزا، رجل يمسك بشظايا قذيفة معدنية من الموقع الذي قُتلت فيه باسوز جبار البالغة من العمر 14 عاماً أثناء القصف الإيراني في 2 يونيو/حزيران. ابنه يتطلع بنظره بعيداً وهو يروي كيف ماتت

© 2010 Daniel W. Smith/Human Rights Watch

(نيويورك، 12 يوليو/تموز 2010) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على إيران اتخاذ الاحتياطات المستطاعة لتجنيب المدنيين خطر التعرض لضرر القصف المدفعي وغيره من العمليات العسكرية في منطقة تضم العشرات من القرى الكردية، على الحدود في شمال العراق.

الهجمات الإيرانية، الموجهة إلى جماعة "حزب الحياة الحرة الكردستاني" تكثفت أواخر مايو/أيار وأسفرت عن نزوح أكثر من 500 أسرة، وألحقت الإصابات بعدد غير معلوم من سكان القرى، وأودت بحياة فتاة في سن المراهقة. كما قال سكان القرى العراقيون لـ هيومن رايتس ووتش - التي زارت المنطقة أواخر يونيو/حزيران - إن حرس الحدود الإيرانيين استهدفوا ماشيتهم وأطلقوا النار على السكان في بعض الأحيان.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "على إيران اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة لتجنيب المدنيين أخطار المدفعية وغيرها من الهجمات". وتابع: "إطلاق قذائف المدفعية على مناطق مأهولة بالسكان، خاصة في غياب أهداف عسكرية في تلك المناطق، واستهداف الماشية، هي خروقات جسيمة لقوانين الحرب.

ومنذ 3 يونيو/حزيران 2010، فرت نحو 500 أسرة من قراها الحدودية وتجمعت في مخيمات من الخيام في أماكن أخرى في إربيل والسليمانية، منضمة إلى نحو 250 أسرة كانت قد فرت من القصف الإيراني في الشهور السابقة. وقد بذلت المنظمات الإنسانية والبلديات المحلية جهودها من أجل الوفاء بالاحتياجات الأساسية للأسر النازحة. وأدت الهجمات الأخيرة إلى فرار عدد غير معلوم من المدنيين الأكراد الآخرين في شتى أنحاء المناطق الريفية وفي البلدات المحيطة بها.

وتقع المناطق المتأثرة بالقتال في جبال قنديل، على امتداد الحدود الشرقية لإربيل والسليمانية، في منطقة تديرها حكومة إقليم كردستان. وإلى الغرب، على امتداد الحدود بين العراق وتركيا، وتستمر القوات التركية في مهاجمة قوات حزب العمال الكردستاني، رغم أن هذه الهجمات لم تكن آثارها بجسامة الهجمات الواقعة على المناطق المأهولة بالسكان العراقيين الأكراد. حزب الحياة الحرة الكردستاني هو مجموعة تم تشكيلها عام 2004 وتنتمي إلى حزب العمال الكردستاني.

زارت هيومن رايتس ووتش مناطق شومان وسوران ورانيا وبيشدار في الفترة من 18 إلى 27 يونيو/حزيران، وقابلت أكثر من 50 شخصاً نازحاً من سكان القرى، ومسؤولين بالحكومة المحلية، وجنود عراقيين. وفي جميع المناطق التي زارتها هيومن رايتس ووتش، كانت هناك مساحات واسعة من الأراضي الملوثة بحفر صغيرة متخلفة عن الانفجارات وشظايا داخل القرى وفي البيوت المغلقة، وكذلك تبين وجود نمط من التدمير اللاحق بالمساكن والمزروعات، يتسق مع كونه نتيجة قصف مدفعي. كما شاهدت هيومن رايتس ووتش مقطع فيديو على هواتف السكان الخلوية تظهر فيه لحظات ما بعد القصف، مع انبعاث الدخان من الحفر المتخلفة عن الانفجارات إلى جوار خيام لحق بها الدمار، وإلى جوار دواب نافقة. سكان القرى والمسؤولون الحكوميون وقوات الأمن العراقية، الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش، أكدوا أن حزب الحياة الحرة الكردستاني لم يكن له وجود في تلك المناطق ولم تكن هناك أهداف عسكرية قريبة من أية نقطة تعرضت للقصف، قبل أو أثناء القصف.

وقال ضابط عسكري من حكومة إقليم كردستان يدير قاعدة عسكرية في منطقة جبلية: "نحن نعرف هذه الجبال تمام المعرفة. ولا يوجد مقاتلون من حزب الحياة الحرة في هذه القرى. لا توجد فيها إلا قوات حكومية... إيران تهاجم مناطق لا يوجد فيها مقاتلون".

وقال كروان شريف عمدة منطقة حاج عمران لـ هيومن رايتس ووتش إن الأهالي المقيمين في المناطق القريبة يتعرضون للقصف، وهم مزارعون ورعاة.

وقال شريف: "لم أر مقاتلين في هذه المناطق. حزب الحياة الحرة بعيد للغاية عن هذه المناطق التي تقصفها إيران. وقد سقطت قذيفة مدفعية على مسافة 250 متراً من مكتبي".

وقال صحفي حر من المنطقة نفسها، ويغطي في أحيان كثيرة أخبار الجماعات المسلحة: "إنني أقابل أشخاصاً من حزب الحياة الحرة طوال الوقت، واضطر لصعود الجبال كي أقابلهم. كما أنهم مقاتلو حرب عصابات، ويعرفون كيف يختبئون من الإيرانيين، على عكس المزارعين".

ولم تر هيومن رايتس ووتش أية أدلة على وجود أنشطة لحزب الحياة الحرة في المناطق التي زارتها أو بالقرب منها.

وقال أقارب ومسؤولون محليون لـ هيومن رايتس ووتش إن قذيفة أودت بحياة باسوز جبار البالغة من العمر 14 عاماً فيما كانت تلعب خارج بيتها في وينزا، قرية بمنطقة شومان، في 2 يونيو/حزيران. وأظهر سكان القرية لـ هيومن رايتس ووتش شظايا معدنية من قذيفة، تم جمعها من موقع الهجوم.

صديقة الفتاة المقربة، شاناز قادر، 13 عاماً، وصفت لنا عملية القصف. كان القصف صاخباً للغاية ومخيفاً، على حد قولها هي وجارات أخريات، فركضن بحثاً عن مخبأ. انفصلت الفتاتان واختبأت قادر وراء صخرة كبيرة. وقالت: "بكيت لأنني كنت خائفة أن يقترب القصف أكثر. لكن عندما سمعت بكاء جاراتي، نسيت كل شيء. سمعتهم يندبون باسوز، لم أتحمل. عندما توقف القصف رأينا جثمان باسوز الدامي". منذ الهجوم لم يبق في القرية سوى عائلات قليلة، في محاولة لإنقاذ محاصيلهم.

المنظمات الإنسانية الناشطة في المناطق المتأثرة لم تتوصل لأعداد الجرحى المدنيين، لكن قال أكثر من 12 قروياً لـ هيومن رايتس ووتش إن السكان المصابين جراء القذائف قد انتقلوا للإقامة لدى أقارب لهم في المناطق القريبة.

توقيت الهجمات الأخيرة كان مدمراً للمزارعين نظراً لأن الهجمات تزامنت مع موسم الزراعة القصير. وقال المزارعون في عدة مناطق إن هذا هو العام الثالث على التوالي الذي يقصف فيه الإيرانيون المزارعين ويجبروهم على المغادرة في توقيت حساس للزراعة ورعاية المحاصيل.

وفيما قال المسؤولون الإيرانيون القليل عن النشاط العسكري على الجانب الآخر من الحدود، لا سيما القصف المدفعي، فقد ذكروا أن النشاط العسكري الإيراني كان يهدف إلى وقف الهجمات القادمة من الحدود، على يد حزب الحياة الحرة الكردستاني. سفير إيران في العراق، حسن كاظمي قمي، قال لوكالة مهر الإيرانية للأنباء في 9 يونيو/حزيران إن إيران تسيطر بحزم على أمنها الحدودي، ورفض مزاعم عبور القوات الإيرانية الحدود مع العراق بشكل غير قانوني.

وقال سكان القرى ومسؤولون محليون لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يرون أن إيران كانت تقصد إجبار المزارعين على الرحيل عن أراضيهم، لخلق منطقة على امتداد الحدود، على الجانب العراقي، خالية من السكان. وقال سكان محليون بوجود نمط من القصف المتزايد على مقربة من بساتينهم ومنازلهم، إلى أن شعروا أن عليهم الرحيل خشية التعرض للإصابات أو القتل.

وقال رجل في قرية كاني سبي: "إنهم يفعلون هذا حتى نغادر. نحن أسر وعائلات، نزرع لكسب العيش، لكن الإيرانيين لا يريدوننا هنا".

وأفاد المزارعون القريبون من الحدود أنه منذ يونيو/حزيران، تعمد الجنود الإيرانيون على الجانب الآخر قتل ماشية المزارعين بالبنادق الآلية. وفي بعض الحالات، على حد قولهم، أطلقت القوات الإيرانية النار عليهم، في حالة صعودهم التلال لارتفاع يمكن معه مشاهدتهم. وقال المزارعون إنهم في تلك الحالات كانوا لا يحملون أية أسلحة وكانوا يرتدون الثياب المدنية.

وفي منطقة زراعية في حج عمران، على مسافة كيلومترين من الحدود، قال دشاد باقر، مزارع في الثلاثينات من عمره، إن جميع السكان فروا بعد القصف المتكرر. وأوضح أن الوضع هادئ منذ أيام قليلة، ولذلك عاد نحو 40 إلى 60 مزارعاً في هدوء لمحاولة إنقاذ حقول زهرات عباد الشمس والطماطم والخيار. فقام حراس الحدود الإيرانيون بـ "إطلاق النار على عشرة جياد على مقربة من هنا، منذ يومين. نحن لا نبتعد، لأنك إذا صعدت هذا التل، الآن أو في أي وقت، فسوف يطلقون النار عليك".

وفي 22 يونيو/حزيران، اليوم الذي تحدث فيه مع هيومن رايتس ووتش، قال باقر إنهم كانوا محظوظين خلال الأيام القليلة الماضية لعدم وقوع أي قصف.

وأضاف: "نحن على استعداد للفرار إذا بدأ القصف من جديد".

وتكرر تحذير سكان القرى لـ هيومن رايتس ووتش بالابتعاد عن قمم التلال المكشوفة لحرس الحدود الإيرانيين على الجانب الآخر. وقال مزارع آخر من القرية نفسها: "إنهم يطلقون النار على أي شيء يتحرك، سواء كان إنسان أو حيوان... أعتقد أنهم يقولون لنا أن نغادر ديارنا".

مهاجمة المدنيين والأعيان المدنية عمداً - كإطلاق النار على المزارعين غير المشاركين في أعمال القتال واستهداف الماشية - هو خرق جسيم للقانون الإنساني الدولي.

ودعت هيومن رايتس ووتش السلطات العراقية إلى ضمان وصول المساعدات الضرورية التي وعدت بها الحكومة إلى الأشخاص النازحين عن بيوتهم. وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين ومنظمات إنسانية لـ هيومن رايتس ووتش إن أكثر من 750 أسرة (نحو 4740 شخصاً) تعرضوا للنزوح جراء القصف الإيراني، بمن فيهم 250 أسرة قبل بدء الحملة القائمة في أواخر مايو/أيار.

أكبر المخيمات هو مخيم دولي شاهيدن، على مسافة تسعة كيلومترات من سانجسار. وهناك أكثر من ألفي شخص فروا إلى هناك من 21 قرية، طبقاً لمكتب وكالة الأمم المتحدة للاجئين في السليمانية. وفيما بدأت الحكومة المحلية في توفير المياه القابلة للشرب للمخيم، فإن سكان القرى النازحين يعتمدون على وكالة اللاجئين، وعلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والهلال الأحمر العراقي، والمنظمة الدولية للهجرة، في توفير الخيام والأغطية البلاستيكية والأغذية والإسعافات الأولية ومواقد الطهي والبطانيات وفلاتر المياه وغيرها من المواد.

وطبقاً للمنظمات الإنسانية والمزارعين المحليين، فمنذ مطلع عام 2008 تعرض آلاف المدنيين للنزوح على فترات في المنطقة جراء القصف الإيراني - يعودون ويغادرون من جديد مع توقف وبدء القصف، مما يصعب من تقدير عدد النازحين.

وقال مسؤولون بالحكومة العراقية إن وزارة الهجرة والمهجرين بالحكومة المركزية قامت على مدار الشهر الماضي بتعويض بعض النازحين بمبلغ إجمالي يُقدر بمليون دينار عراقي (850 دولار أميركي) لكل أسرة. حكومة إقليم كردستان - التي توزع النقود - لم تعلن عن أدلة إرشادية واضحة لاستحقاق التعويض. وفيما قال قلة من الناس لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تلقوا التعويض، فقد نفت الأغلبية الحصول عليه.

وفي مخيم جراوة للاجئين، في منطقة رانيا، قال أحد عجائز القرية، بابير حاجي، إن لا أحد من بين الأسر في المخيم تلقى التعويض جراء ما وصفه بـ "المحسوبية" داخل أروقة حكومة إقليم كردستان.

وقال: "لم نحصل على أي شيء لأننا لسنا من الأسر التي تربطها صلات بالحكومة".

وطبقاً للسكان، فإن أي من الجماعتين المسلحتين اللتين تطاردهما القوات الإيرانية والتركية لم تتلق المساعدات من المدنيين في المناطق الخاضعة للقصف، رغم أن السكان يقولون إن بعض الشرائح من السكان الأكراد ربما كانوا متعاطفين مع المتمردين.

المنظمة الأكبر التي تضم حزب الحياة الحرة وحزب عمال كردستان هي الكونفدرالية الديمقراطية الكردستانية، التي أقرت لـ هيومن رايتس ووتش بأن المقاتلين يشغلون مناطق من جبال قنديل شمالي العراق، ويتنقلون على امتداد الحدود لشن هجمات في الداخل الإيراني والتركي. وبشأن المناطق التي تقصفها إيران داخل العراق، أوضح المتحدث باسم الكونفدرالية أحمد دنيز لـ هيومن رايتس ووتش: "قوات حزب الحياة الحرة لا تتواجد هناك... قواتنا لا تعمل من مناطق مأهولة بالمدنيين".

ورصدت هيومن رايتس ووتش جنوبي معبر حاج عمران الحدودي ما وصفه ضابط من قوات الأمن الكردستانية (البشمركة) بأنه نقطة عسكرية إيرانية. وقال الضابط إن النقطة شُيدت قبل أسبوعين من قبل القوات الإيرانية، وأنها تقع على مسافة 3 كيلومترات في العمق الإيراني. وأكد مسؤولون محليون فيما بعد أن النقطة تقع في الأراضي الإيرانية. وعن القصف هز الضابط رأسه وقال: "نحن نتفرج على القصف لا أكثر".

مبدأ التمييز - الذي يطالب أطراف النزاع المسلح بالتمييز طوال الوقت بين المقاتلين والمدنيين - هو مبدأ محوري في القانون الإنساني الدولي، الذي ينظم مسلك أطراف القتال. القانون الدولي العرفي يطالب بألا توجه العمليات إلا ضد المقاتلين والأهداف العسكرية، مع تجنيب المدنيين والأعيان المدنية الهجمات. الهجوم العمدي أو العشوائي أو غير المتناسب ضد المدنيين والأعيان المدنية، هو هجوم غير مشروع.

وتعتبر الهجمات عشوائية عندما تكون غير موجهة إلى هدف عسكري محدد أو تُوجه باستخدام سبل أو وسائل قتالية لا يمكنها التمييز بين الأهداف العسكرية وغيرها، أو التي لا يمكن الحد من آثارها على الهدف العسكري المحدد. والهجوم غير المتناسب هو الذي تفوق الخسائر العرضية المتوقعة منه اللاحقة بأرواح المدنيين والأعيان المدنية، بشكل مفرط، الميزة العسكرية الأكيدة والمباشرة المتوقعة من الهجوم.

وحتى وقت قريب، لم تصدر عن الحكومة المركزية العراقية  أو الحكومة الإقليمية تعليقات قوية على الهجمات الإيرانية. ثم وفي مؤتمر صحفي بتاريخ 22 يونيو/حزيران، اتهم نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي، كل من إيران وتركيا بانتهاك سيادة الأراضي العراقية وقال إن الحكومة العراقية أرسلت خطابات احتجاج إلى السفارتين. وسلّم نائب رئيس الوزراء العراقي لبيد عباوي هذه الرسائل.

وقال عباوي لـ هيومن رايتس ووتش: "لقد أوضحنا للإيرانيين أننا ضد تحركات أية جماعات [مسلحة] ناشطة بالقرب من الحدود، لكن هذه المشكلات لن تُحل بجهود عسكرية أحادية الجانب على حدودنا من قبل دولة أخرى". وأضاف: "إننا نطالب إيران وتركيا بالكف عن القصف على الفور. ولم نتلق رداً مباشراً من إيران، سوى أنه قيل لنا إن بواعث قلقنا مُبالغ فيها، وهذا هو الرد المألوف".