– قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس في غزة، وتلك التابعة لحركة فتح في الضفة الغربية، قد نفذت حملة من الاعتقالات غير القانونية بحق خصوم كل من الحركتين على مدار الأيام القليلة الماضية. وفي غزة قامت قوات حركة حماس بارتكاب الإساءات البدنية ضد بعض الأشخاص الذين قبضت عليهم وأغلقت ما يُقدر بمائة منظمة تعتبرها موالية لحركة فتح.

وتقرير "الاقتتال الداخلي: انتهاكات فلسطينية في غزة والضفة الغربية" الذي صدر اليوم، والذي جاء في 113 صفحة؛ وثقت من خلاله هيومن رايتس ووتش وجود نسق متكرر من الإساءات الجسيمة التي ارتكبتها حركة حماس ضد حركة فتح في غزة، ومن قِبل حركة فتح ضد حركة حماس في الضفة الغربية، منذ يونيو/حزيران 2007، عندما استولت حركة حماس على السلطة بالقوة في قطاع غزة. وقد جاء هذ الارتفاع الأخير في حدة النزاع الفلسطيني الداخلي بعد عام من الاعتقالات سياسية الدوافع والتعذيب والمعاملة السيئة أثناء الاحتجاز لكل من الطرفين بحق الآخر.

وقال جو ستورك نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، التي عرضت التقرير خلال الأيام الأخيرة الماضية على مسؤولين فلسطينيين رفيعي المستوى في كل من غزة والضفة الغربية: "يتسبب القتال السياسي بين حركة حماس وحركة فتح في وقوع المزيد والمزيد من الضحايا للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في كل يوم". وأضاف بأنه: "وقامت الأجهزة الأمنية على الجانبين باستهداف الناشطين المؤيدين والمنظمات المؤيدة للطرف الآخر. وأسفر مثل ذلك السلوك المنطوي على الإساءة عن جعل الفلسطينيين من كافة توجهاتهم ضحايا، كما أضعف من سيادة القانون".

وطالبت هيومن رايتس ووتش سلطات كلاً من حركة حماس وحركة فتح بإخلاء سبيل كل من تم اعتقالهم تعسفاً خلال الأيام القليلة الماضية وعلى مدار العام الماضي، وبأن تسمح باطلاع الجهات المستقلة لمراقبة حقوق الإنسان على الأشخاص المحتجزين. كما ويجب محاسبة عناصر الأجهزة الأمنية والجماعات المُسلحة الذين أمروا بالتعذيب أو مارسوه.

ويحث التقرير الجديد الجهات الدولية المُساندة لكل من حركتي حماس وفتح – سواء مادياً أو سياسياً – إلى ربط مساعداتهم ودعمهم للأجهزة الأمنية باتخاذ خطوات واضحة وقابلة للتثبت منها من أجل القضاء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وقد بدأت موجة الاعتقالات الأخيرة بعد وقوع ثلاثة انفجارات في غزة خلال 24 ساعة، وأخر عمليات التفجير – التي وقعت في 25 يوليو/تموز 2008 – تسببت في مقتل فتاة في الرابعة من عمرها وخمسة أعضاء من جناح حركة حماس المسلح؛ كتائب القسام، وهذا بمقهى شاطئي في مدينة غزة. وسرعان ما قال زعماء في حركة حماس إن حركة فتح هي المسؤولة، وإن لم يكشفوا عن دليل يدعم هذا الزعم. كما أنكرت حركة فتح مسؤوليتها.

وبعد هذه العملية التفجيرية بفترة وجيزة أجرت كلٌ من شرطة حماس والأمن الداخلي وكتائب القسام حملة اعتقالات موسعة بحق أعضاء حركة فتح ومؤيديها. وقال سعيد صيام وزير الداخلية بحركة حماس لـ هيومن رايتس ووتش في 28 يوليو/تموز إن القوات التابعة له اعتقلت زهاء 200 شخص. وطبقاً لما ذكره صيام ونشطاء حقوق الإنسان المحليين، فسرعان ما تم إخلاء سبيل الكثير منهم.

كما أغلقت سلطات حماس مكاتب لحركة فتح في شمال غزة، وأغلقت، حسب ما ذكرت جماعات حقوقية محلية، أكثر من 100 جمعية مدنية وخيرية وأندية رياضية وصادرت أيضاً أجهزة حاسب آلي ومعدات مكاتب، والأثاث ومكيفات الهواء في بعض الحالات.

وقال كلٌ من سعيد صيام ومحمود زهار، وزير الخارجية السابق والقائد صاحب النفوذ بحركة حماس، لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة نفذت أغلب عمليات الاعتقال والإغلاق، إلا أن شهود العيان والجماعات الحقوقية المحلية قالت إن كتائب القسام تكرر توليها لزمام المبادرة أثناء هذه العمليات. وحسب القانون الفلسطيني فكتائب القسام ليست مخولة سلطات إنفاذ القانون.

وقال زهار لـ هيومن رايتس ووتش إن من "ينجحون في إقناع المحققين بأنهم ليسوا متورطين" سوف يتم إخلاء سبيلهم "حتى لو كانوا من فتح".

وقد أجرت هيومن رايتس ووتش تحقيقاتها في حالتين قام فيهما عناصر كتائب القسام باحتجاز أشخاص وضربهم قبل إخلاء سبيلهم. وأصيب رجل يبلغ من العمر 35 عاماً بأربعة كسور في ساق واحدة ورصاصة في الساق الأخرى وكسر في الذراع. وكان فاقداً للوعي حين زارته هيومن رايتس ووتش في 28 يوليو/تموز، بانتظار سماح الحكومة الإسرائيلية بنقله إلى إسرائيل لتلقي الرعاية الطبية.

وفي تحرك انتقامي على ما يبدو، قامت الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية باحتجاز ما يُقدر بمائة شخص يُشتبه أن علاقات تربطهم بحركة حماس، ونصفهم تقريباً من منطقة نابلس. ومن بين المحتجزين، حسب التقارير، أكاديميين ومسؤولين بالحكومة المحلية، وتم إخلاء سبيل بعضهم. وقال نشطاء حقوقيون من الضفة الغربية إن رجلاً من حركة حماس في نابلس قد تعرض للضرب أثناء اعتقاله، بحدة استدعت تلقيه الرعاية الطبية في المستشفى. وعلى مدار العام الماضي قامت السلطات في الضفة الغربية بإغلاق عشرات المنظمات المُشتبه بعلاقاتها بحركة حماس.

وقال جو ستورك: "إن التفجيرات التي وقعت في غزة هي أعمال إجرامية، ويتولى الأمن في غزة مسؤولية تقديم الجناة للعدالة". وأضاف: "لكن على الأقل فإن بعض قادة حماس يبدو أنهم يفضلون استخدام هذه الجرائم كذريعة للقضاء على حركة فتح وتوطيد السيطرة. كما أن الاعتقالات الانتقامية، على ما يبدو، في الضفة الغربية، هي بالمثل غير قانونية بما لا يدع أي مجال للشك".

كما أبدت هيومن رايتس ووتش قلقها من اعتداء حماس على الجمعيات المدنية والخيرية. وقال كلٌ من وزير الداخلية سعيد صيام ومحمود زهار إن السلطات عثرت على تعليمات لصنع متفجرات على حاسب آلي تمت مصادرته، وإنها تبحث عن أدلة على أعضاء الجمعيات الذين اتصلوا بالأجهزة الأمنية في الضفة الغربية.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن أغلب المنظمات المُغلقة تُرى على أن ثمة بعض العلاقات التي تربطها بحركة فتح، لكن ليس كل هذه المنظمات بأي حال. وكان أحدها المجلس الفلسطيني للعلاقات الخارجية برئاسة زياد أبو عمرو، العضو بالمجلس التشريعي الفلسطيني، والذي ساندته حركة حماس أثناء ترشحه كمستقل في انتخابات يناير/كانون الثاني 2006 التي جاءت بحماس إلى السلطة. ووصف أبو عمرو منظمته بأنها "ملتقى لكل الفصائل، ومنها حماس، وأحد المؤسسات القليلة في غزة التي تربطها صلات بالعالم الخارجي". وقال لـ هيومن رايتس ووتش: "حضر رجال مُسلحون ملثمون حوالي الساعة الواحدة صباحاً وأخذوا كل شيء... مكيفات الهواء والوثائق والكتب و10 سنوات من جهود التوثيق التي لا يمكن تعويضها. ولم يتركوا أي شيء في المكتب".

وورد في تقرير هيومن رايتس ووتش إنه على مدار الاثني عشر شهراً المنقضية في الضفة الغربية قامت الأجهزة الأمنية التي تديرها حركة فتح باعتقال مئات من أعضاء ومناصري حركة حماس دون إذن من القضاء. وكان من نفذوا عمليات الاعتقال في العادة أشخاص مُلثمون ولم يقوموا بالتعريف على أنفسهم كما ولم يقوموا بإبلاغ المعتقلين بأسباب الاعتقال. وفي العادة لا تقوم السلطات بالسماح للمعتقلين بالالتقاء بمحاميهم أو الادعاء خلال 24 ساعة، حسب ما ينص عليه القانون الفلسطيني. كما وتجاهلت السلطات بعض أوامر المحاكم بإخلاء سبيل المحتجزين.

وحسب ما ورد في التقرير؛ قامت الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية في أحيان كثيرة بتعذيب المحتجزين أثناء الاستجواب، وأدى ذلك، حسب ما هو معروف، إلى وفاة محتجز واحد على الأقل. وشملت أساليب التعذيب التظاهر بالإقدام على إعدام المحتجزين، والركل واللكم، والضرب بالعصي والأنابيب البلاستيكية والخراطيم المطاطية. وأكثر أساليب التعذيب انتشاراً هو إجبار المحتجزين على اتخاذ أوضاع مُجهدة لفترات زمنية مطولة. وهذه الممارسة المعروفة باسم "الشبح" وتتسبب تلك بألم شديد وتؤدي إلى وقوع إصابات في بعض الأحيان، دون أن تخلف أية علامات أو شواهد مادية على استخدامها.

كما ارتكب عناصر حركة حماس في غزة الكثير من هذه الإساءات نفسها. إذ قامت الأجهزة الأمنية ]التابعة لـ حركة حماس[ بتنفيذ اعتقالات تعسفية بحق الخصوم السياسيين المُشتبهين، وعذبت المحتجزين وشددت القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع، وانتهكت الحق في إجراءات التقاضي السليمة الذي يضمنه كل من القانون الفلسطيني والدولي.

وإجمالاً، فإن الانتهاكات ضد المحتجزين في غزة كانت لفترة زمنية أقصر من تلك التي يتعرض لها المحتجزين في الضفة الغربية، لكنها أشد وطأة مما يتم في الضفة الغربية. إذ كانت عمليات الاحتجاز التعسفي يصحبها الضرب المبرح، وفي حالتين وثقتهما هيومن رايتس ووتش، تعرض المحتجزين إلى إطلاق أعيرة نارية في الساقين من مسافة قريبة. وفي ثلاث حالات على الأقل لاقى أشخاص حتفهم أثناء الاحتجاز، والظاهر أن السبب المباشر كان التعذيب.

ولم تُحاسب السلطات في أغلب الأحوال، سواء في غزة أو الضفة الغربية، عناصر الأجهزة الأمنية المتورطين في انتهاكات جسيمة. وقال مسؤولون أمنيون من الضفة الغربية لـ هيومن رايتس ووتش إنهم قاموا بتأديب ومعاقبة الضباط المسؤولين عن ارتكاب الانتهاكات، لكنهم لم يعرضوا على هيومن رايتس ووتش حالات بعينها أو أي إحصاءات. وقال المسؤولون في غزة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم عاقبوا وأدبوا أكثر من 700 ضابط جراء انتهاك حقوق ]المحتجزين[، لكنهم قدموا تفاصيل بالحد الأدنى.

وفي الضفة الغربية، كانت أغلب الحالات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوق الإنسان الفلسطينية تخص المخابرات العامة أو الأمن الوقائي، وكل من الجهتين تتولى مسؤولية مراقبة الفصائل السياسية الفلسطينية والجماعات المسلحة. ويعمل رئيس الأمن الوقائي في الضفة الغربية، زياد حب الريح، تحت إشراف وزير الداخلية عبد الرزاق اليحيى، ومن بعده رئيس الوزراء سلام فياض. أما رئيس المخابرات العامة، توفيق الطيراوي، فيعمل تحت الإشراف المباشر للرئيس محمود عباس. وبموجب المادة 39 من القانون الأساسي الفلسطيني فإن الرئيس هو القائد الأعلى لكل القوات الفلسطينية.

أما في غزة فإن أغلب وقائع الانتهاكات تورط فيها جهاز الأمن الداخلي الذي تديره حركة حماس، وهو يعالج الجرائم السياسية والأمنية. وعلى امتداد أغلب الفترات التي غطاها هذا التقرير، كان رئيس الوزراء إسماعيل هنية يشغل أيضاً منصب وزير الداخلية، لكن المسؤول الأمني الأبرز في غزة يبدو أنه مسؤول حركة حماس سعيد صيام. وفي أواخر أبريل/نيسان 2008، أصبح سعيد صيام بصفة رسمية وزيراً للداخلية، وهو المنصب الذي تولاه منذ مارس/آذار 2006 وحتى مارس/آذار 2007.

كما يتناول التقرير مسألة المانحين والداعمين لكل من حركتي فتح وحماس. فمنذ يونيو/حزيران 2007 والحكومات الأجنبية ناشطة في المنطقة – لا سيما الحكومة الأميركية وبلدان الاتحاد الأوروبي – وحاولت عزل وإضعاف حركة حماس في غزة، فيما عززت من قدرات حركة فتح في الضفة الغربية. ولا يتناول التقرير بالفحص القرار السياسي الخاص بترجيح كفة حركة فتح على حركة حماس، لكنه ينتقد الحكومات التي تعهدت بمنح 8 مليار دولار للضفة الغربية، تشمل الملايين لصالح تدريب وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية التي تديرها حركة فتح، وكيف أن هذه الجهات المانحة لا تولي الاهتمام الكافي للانتهاكات المنهجية التي ترتكبها هذه الأجهزة، ولعدم انتقادها إياها علناً.

ويدعم الاتحاد الأوروبي – أكبر جهة مانحة للسلطة الفلسطينية – الشرطة المدنية الفلسطينية، وهي على ما يبدو أقل الأطراف في مجال ارتكاب الانتهاكات ضمن الجهاز الأمني في الضفة الغربية. وتتزعم الولايات المتحدة حركة لتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية، وقد تعهدت بزهاء 60 مليون دولار لتدريب ومساعدة جهاز الأمن الوطني والحرس الرئاسي الموالي للرئيس محمود عباس. وما زال مصدر تمويل جهاز الأمن الوقائي والمخابرات العامة – أكثر الأجهزة إثارة للمشكلات – غير معروف.

وقال جو ستورك: "إيقاف التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة يجب أن يكون شرطاً أساسياً لتقديم الدعم الغربي السخي المعروض منحه للأجهزة الأمنية بالضفة الغربية" وأضاف "ويجب ألا يتم منح النقود والتدريب للأجهزة الأمنية أو القادة الذين يخالفون القانون الفلسطيني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان".

وقليلٌ هو المعروف عن كم ومصادر المساعدات الممنوحة لسلطات حركة حماس. لكن طبقاً للولايات المتحدة وإسرائيل ومسؤولي حركة فتح، فإن حركة حماس تتلقى المساعدات من سوريا وإيران.

وقال جو ستورك: "لتفادي التورط بالمشاركة في انتهاكات حقوق الإنسان، على الحكومات المساندة لـ حركة حماس في غزة أن تربط مساعداتها المقدمة إليها بإجراء إصلاحات في الأجهزة الأمنية". وأضاف: "ومن يساندون حركة حماس سياسياً عليهم أن يتحدثوا علناً عن الانتهاكات التي ترتكبها الحركة وأن يضغطوا من أجل وضع حد لهذه الانتهاكات".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن المسؤولين الفلسطينيين يتذرعون بتدمير إسرائيل للمنشآت الأمنية والسجون وغيرها من مراكز العدالة الجنائية، منذ بدء الانتفاضة الثانية في أواخر سنة 2000، لتفسير تواضع حالة الأنظمة الأمنية والجنائية الفلسطينية. كما أن استمرار إسرائيل في فرض القيود على تحركات الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية يُشكل عاملاً مساهماً في هذه المشكلة.

ونظام الأمن الفلسطيني مُثقلٌ أيضاً بأعباء نجمت عن تركة من الأجهزة المتعددة والمتداخلة الأدوار، مع غياب الإشراف المستقل وغياب أنظمة لحماية الشهود. وفي ظل خبرة تحقيقية متواضعة وعدم وجود مراكز للطب الشرعي، فإن الأجهزة الأمنية تستمر في الاعتماد على نظام الاستجواب واستخلاص الاعترافات، مما يُشجع على ارتكاب الإساءات أثناء عمليات الاستجواب.

وقال ستورك "هذه أعباء حقيقية، لكن أيّ منها لا يبرر السلوك المنطوي على الإساءة الذي تنتهجه الأجهزة الأمنية في غزة والضفة الغربية" وأضاف "على الزعماء السياسيين في كل من حركتي حماس وفتح، أن يوقفوا الانتهاكات الجسيمة المتفشية، كما أن هذا بإمكانهم".

للاطلاع على تقرير هيومن رايتس ووتش "الاقتتال الداخلي: إساءات فلسطينية في غزة والضفة الغربية":https://www.hrw.org/reports/2008/iopt0708/