إن اليوم العالمي للمرأة ليس فقط مناسبة لتقييم مدى تقدم المرأة في مجالات كالتعليم والعمل والسياسة، بل هو أيضاً مناسبة لإظهار أهمية ما كانت تتم رؤيته تقليدياً على أنه "عمل المرأة"، وهو الطهي والتنظيف ورعاية الأطفال.

بالنسبة للكثير منا فإن سلامة أطفالنا، وراحة ذوينا المسنين، والبيوت الآمنة النظيفة، ووجبات الطعام المغذية، لا تقدر بثمن وتعتبر جزءاً لا يتجزأ من حياتنا. إلا أن المجتمع لم يمنح إلا القليل من الإشادة بالأعمال اليومية المطلوبة لرعاية الأسرة والبيت.

والنساء اللبنانيات عالقات في وضع لا يُحسدن عليه. ففيما تتزايد مشاركتهن في سوق العمل، فإن الصورة النمطية عن الرجل والمرأة والتمييز الجنسي يعنيان أنهن لا يزلن يتحملن الشطر الأعظم من عبء العمل المنزلي. ومهمتهن ازدادت مشقة جراء تمسك المجتمع بأهمية البيت الأنيق، وفي الوقت نفسه هو يرى الطهي والتنظيف أعمالاً تافهة لا أهمية لها مقارنة بالعمل "الحقيقي" الذي يجري في المكاتب أو المصانع. وهذا السلوك المجتمعي يقلل كثيراً من شأن المهارات المطلوبة للرعاية بالمرضى وتنشئة الأطفال وتحضير الوجبات عدة مرات يومياً، وفي حالات كثيرة أداء كل هذه المهام مجتمعة في الوقت نفسه.

إن نقص احترام العمل المنزلي لا يظهر على الرجال اللبنانيين فحسب، بل أيضاً على الكثيرات من النساء اللبنانيات. ويتضح هذا كثيراً في معاملة الخادمات المنزليات الوافدات. فكل عام تَهجر عشرات الآلاف من النساء من سريلانكا والفيليبين وأثيوبيا ومن بلدان أخرى عائلاتهن لمساعدة اللبنانيين في إدارة حياتهم. وفيما تلقى العديدات منهن معاملة حسنة من أصحاب عملهن، فإن الكثيرات غيرهن يلقين معاملة سيئة يُعتبرن معها شبه مجردات من الإنسانية، وكأن ما يؤدين من عمل قليل الشأن لا أهمية له.

ويبدو أن أصحاب العمل تناسوا سبب استخدامهم للخادمات المنزليات وهو أنهم أنفسهم وجدوا متطلبات التنظيف والطهي ورعاية الأطفال كثيرة وزائدة؛ فهم لا يبالون بمطالبة الخادمات بالتواجد "تحت الطلب" على مدار الساعة، ولا يوفرون لهن حتى يوم راحة واحد كل أسبوع. وفي واقع الأمر يريد الكثير من أصحاب العمل تلقي مساعدة الخادمات هذه دون دفع أجور، أو حتى حين لا يكون في وسعهم دفع الأجر. وعدم دفع الأجور – سواء لشهور أو لأعوام أحياناً – هو أحد المشكلات المتكررة التي تواجه الخادمات المنزليات في لبنان.

وحتى الحكومة اللبنانية تتعاطى مع هؤلاء النساء وعملهن وكأنهن عديمات الوجود. وباستبعاد العمل المنزلي من قوانين العمل تنكر الحكومة على الخادمات المنزليات المعايير الدنيا التي يتمتع بها غيرهن من العمال، مثل العطلة الأسبوعية لمدة يوم، والقيود المفروضة على عدد ساعات العمل، والحد الأدنى للأجور. وهذا الاستبعاد يرمز لمدى تقليل إحترام العمل المرتبط بأدوار الأنثى التقليدية، وللأسف فهو يمنح أصحاب العمل طيفاً واسعاً من السبل لاستغلال الخادمات المنزليات.

ومن يعارضون إصلاح قوانين العمل يؤكدون على أن العمل المنزلي حالة استثنائية، إذ أنه من أشكال العمل التي لا يمكن تنظيمها لأنها تتم في حرمة البيوت. ويزعم الكثير من أصحاب العمل أن الخادمات المنزليات لديهم هن مثل بناتهن أو يعتبرن جزءاً من الاسرة. وإذا كانت هذه حقيقة، فمن المحير أن نرى أصحاب العمل هؤلاء لا يوفرون تدابير حماية العمال الأساسية لمن يهتمون بهم. وتظهر من الأبحاث أنه فيما تعامل بعض الأسر اللبنانية الخادمات المنزليات معاملة حسنة، فإن العديد من الأسر الأخرى لا تتعاطى بهذا المنهج وتحتاج لتوجيه القانون لها... وقد شملت الشكاوى المتكررة التي تقدمت بها الخادمات المنزليات توفير قدر متدني من الطعام والقيود المفروضة على حرية التنقل.

وفي أسوأ الحالات قد يسيئ أصحاب العمل بدنياً أو جنسياً إلى الخادمات المنزليات. ويربط بين هذه الحالات والعنف الأسري تشابه مدهش. وفي مثل هذه الحالات يمكن أن يهين صاحب العمل الخادمة ويسبها، أو يضربها جراء ما اقترفت من أخطاء بسيطة أثناء العمل. في حين يعتبره المجتمع عادة أعمال العنف من قبيل صفع أو دفع الخادمات المنزليات نوعاً من "التأديب".

كيف يمكن أن تصل معاملة الخادمات المنزليات إلى هذه النقطة وهن ضيوف على هذا البلد ويقضين أيامهن ولياليهن يرعين الأسر اللبنانية؟ إن اليوم العالمي للمرأة هو لحظة مفصلية يجب فيها التفكر، ليس فقط في شأن المرأة اللبنانية، بل في شأن كل النساء داخل لبنان، بمن فيهن الخادمات المنزليات. هذا اليوم تذكرة نرى فيه أن العمل من أجل المساواة في الحقوق يجب أن يتم على جبهات متوازية.

وأمام المجتمع اللبناني خيار من اثنين: إما أن يستمر الوضع الراهن على ما هو عليه فيحرر المجتمع نفسه من العمل المنزلي بنقله إلى الشقيقات الفقيرات من شتى بقاع الأرض ويتركهن عرضة للاستغلال والإساءة؛ أو يتخذ خطوات نحو الإعلاء من قدر العمل المنزلي فيمد الخادمات المنزليات بحقوقهن كعاملات، ويمنحهن ما يستحققن من كرامة.

نيشا فاريا هي باحثة في مجال حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش وكتبت عدة تقارير عن الخادمات المنزليات الوافدات، على رابط: https://www.hrw.org/campaigns/women/2006/domestic_workers/reports.htm