نكتب إليكم هذه الرسالة المفتوحة لنعبر عما يساورنا من قلقٍ بشأن محاكمة الأنفال. ونأمل أن يكون تدارك النواقص التي نحددها أدناه أمراً ممكناً بغية جعل هذه المحاكمة متفقةً مع المعايير الدولية للمحاكمات العادلة. إن المحاكمات العادلة أمرٌ أساسي من أجل توفير العدالة للضحايا وأسرهم، وهي تلعب دوراً حاسماً لضمان عدم تكرار ممارسات النظام السابق الوحشية مرةً أخرى.

25 مارس/آذار 2007
السيد عارف الشاهين
رئيس المحكمة العراقية العليا
بغداد، العراق

سعادة الرئيس،

نكتب إليكم هذه الرسالة المفتوحة لنعبر عما يساورنا من قلقٍ بشأن محاكمة الأنفال. ونأمل أن يكون تدارك النواقص التي نحددها أدناه أمراً ممكناً بغية جعل هذه المحاكمة متفقةً مع المعايير الدولية للمحاكمات العادلة. إن المحاكمات العادلة أمرٌ أساسي من أجل توفير العدالة للضحايا وأسرهم، وهي تلعب دوراً حاسماً لضمان عدم تكرار ممارسات النظام السابق الوحشية مرةً أخرى.

وما يثير قلقنا تحديداً هو أن قرارات الاتهام الصادرة بحق المتهمين الستة في محاكمة الأنفال قرارات فضفاضة إلى درجةٍ تنتهك معها حق المتهمين في إبلاغهم بالتهم الموجهة إليهم. وقد طرحنا مخاوف مماثلة في تقريرنا الخاص بمجريات محاكمة الدجيل، وكنا على أمل بحل هذه المشكلات. لكن أية إجراءاتٍ تصحيحية لم تتخذ حتى الآن. كما يثير قلقنا أيضاً أن عدم توفر نسبة كبيرة من شهود الدفاع سوف ينتقص كثيراً من حق المتهمين الجوهري في نيل فرصةٍ كافية لعرض قضيتهم.

عيوب صيغ قرارات الاتهام
تبعاً للمادة 19(4)(أ) من نظام المحكمة العراقية العليا، والمادة 14(3)(أ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يكون للمتهم الحق في إبلاغه "سريعاً وبالتفصيل بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها". وهذا ما يقتضي أن يتضمن قرار الاتهام معلوماتٍ كافية حول العناصر المادية للقضية المقامة ضد كل متهم حتى يتمكن المتهمون من إعداد دفاعٍ كافٍ أمام هذه التهم.

وبغية التمكن من إعداد الدفاع على نحوٍ فعال، يجب أن يكون المتهم قادراً على تحديد نوع المسؤولية الجنائية المستخدمة في اتهامه، وكذلك معرفة الوقائع التي سيجري العمل على إثباتها لإثبات مسؤوليته. وبالتالي، وبالحد الأدنى، يجب توضيح الطبيعة المحددة لمسؤولية المتهم (بصفته مخططاً مثلاً، أو آمراً، أو محرضاً، أو مساعداً في الجريمة). كما يجب تزويد المتهم ببيانٍ وجيز عن الوقائع المادية التي سوف تستخدم لإثبات هذا النوع المحدد من المسؤولية.

على أن الكشف عن ملف الأدلة لا يعطي، في حد ذاته، المتهمين إشعاراً كافياً بالتهم الموجهة إليهم. وبما أن الملف ليس خاصا بكل متهمٍ على حدة، فهو لا يبلغ كل متهمٍ بالوقائع المادية المتصلة بدوره في الجريمة والتي سيجري العمل على إثباتها في المحكمة.

وأما قرارات الاتهام الصادرة بحق المتهمين في 20 فبراير/شباط 2007، فهي لا تحوي وقائع مادية كافية بشأن التهم الموجهة إلى كلٍّ منهم. وبالنسبة لمعظم المتهمين، جرى تقديم معلومات غير كافية فيما يخص أساس مسؤولياتهم الجنائية الفردية عن الجرائم المرتكبة. وهذا يعود عموماً إلى عدم توفر الوضوح الكافي بشأن الوقائع التي تعتزم النيابة العامة إثباتها والتي تتصل بمراكز السلطة التي كان يحتلها المتهمون أثناء حملة الأنفال؛ وكذلك بشأن مواقع هذه المراكز ضمن مجمل التسلسل القيادي خلال هذه الحملة.

إن توجيه الاتهام إلى المتهمين بموجب جميع أشكال المسؤولية الجنائية الواردة في المادة 15 من نظام المحكمة يخلق مشكلاتٍ إضافية بشأن سرعة مجريات المحاكمة في قضية الأنفال وإنصافها. ومع أن المحكمة غير مقيدةٍ بتوجيه الاتهام إلى المتهمين بموجب نوعٍ واحدٍ من أنواع المسؤولية الجنائية، فإن اتهام كل المتهمين بجميع أشكال المسؤولية الجنائية التي تلحظها المادة 15 يجعل من الصعب عليهم إعداد دفاعٍ حقيقي ضمن الزمن المحدود المخصص لذلك.

وفضلاً عما تقدم، تمتنع وثيقة الاتهام عن الإشارة بالوضوح الكافي إلى الوقائع التي سوف تستخدم لتأييد نظرية المسؤولية الجنائية. فكل نوعٍ من أنواع المسؤوليات الجنائية المزعومة يحتاج إلى إثبات عناصرَ ماديةٍ إضافية مستقلة. وعلى سبيل المثال، يتطلب اتهام أحد المتهمين وفق مبدأ المسؤولية القيادية بموجب المادة 15(4) من نظام المحكمة إثبات ثلاثة عناصر: وجود علاقة المرؤوس ـ ومن يرأسهم؛ معرفة المرؤوس، أو لديه من الأسباب ليعرف ، بأن فعلاً جنائياً كان على وشك أن يرتكب، أو بأنه ارتكب فعلاً؛ وأن المرؤوس امتنع عن اتخاذ التدابير المعقولة الضرورية لمنع الفعل الجنائي أو لمعاقبة مرتكبه. ومن هنا، يتعين أن يتضمن قرار الاتهام الصادر بحق أي متهم خلاصةً بالوقائع المادية المقدمة لإقامة الحجة في كل عنصرٍ من هذه العناصر. وعلى النحو عينه، تتطلب تهمة المؤامرة الجناية الاستعانة بوقائع إضافية تتصل بطبيعة المؤامرة والمتآمرين، إضافةً إلى نوع المؤامرة الجنائية المنسوبة إلى المتهمين.

وانطلاقاً من المعلومات الواردة في وثائق الاتهام، لا يستطيع كثيرٌ من المتهمين تحديد نوع، أو أنواع، المسؤولية الجنائية المنسوبة إليهم؛ ولا الوقائع التي جرى استخدامها لإثبات هذه المسؤولية. فعلى سبيل المثال، تقتصر التهم الموجهة إلى كلٍّ من صابر عبد العزيز الدوري وفرحان مطلق الجبوري على القول إنهما "شاركا عمداً" أو "شاركا قصداً" في قتل مدنيين أكراد وإدارة الهجوم عليهم. ومن غير الواضح ما إذا كان القصد من الوقائع المقدمة فيما يتصل بدوريهما في تلك الهجمات هو إثبات مشاركتهما المباشرة، أو مشاركتهما في مؤامرةٍ جنائية، أو كونهما يتحملان مسؤولية قيادية في الجرائم المرتكبة.

ومن خلال توجيه الاتهام بموجب جميع أشكال المسؤولية الجنائية، ثم الامتناع عن تحديد الوقائع المادية التي يُعتزم استخدامها لإثبات كل شكل من هذه الأشكال، يجري انتقاصٌ غير منصفٍ من قدرة المتهمين على إعداد دفوعهم.

ومن هنا فإننا ندعوكم إلى العمل لضمانة فهم قضاة المحكمة العراقية العليا، والمدعين العامين فيها، أهمية قرارات الاتهام المدعّمة على نحوٍ كافٍ، إضافةً إلى فهمهم السوابق القضائية ذات الصلة بالقضية المنظورة. ونأمل أن تقدم المحكمة في قرارات الاتهام التي تصدرها مستقبلاً مزيداً من التفاصيل حول طبيعة الاتهام الموجه إلى كل متهم، وخاصةً فيما يتعلق بالسلطة التي كان المتهم يتمتع بها وبدوره في الجريمة المرتكبة.

ضمانة تمكن شهود الدفاع من تقديم شهاداتهم
ثمة خطرٌ آخر يتهدد سلامة إجراءات المحاكمة، وهو يتصل بتوفر شهود الدفاع أثناء مرحلة الدفاع التي بدأت مؤخراً في محاكمة الأنفال. إن المادة 19(4)(ج) من نظام المحكمة العراقية العليا تكفل حق الدفاع "في استدعاء .... الشهود ومناقشتهم، وفي إبراز أي دليل دفاع ينسجم مع القانون". وتكفل المادة 14(3)(ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للمتهم حق "أن يناقش شهود الاتهام، بنفسه أو من قبل غيره، وأن يحصل على الموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام". إن منح المتهم فرصة استدعاء الشهود وإدلائهم بشهاداتهم بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام أمرٌ جوهريٌّ في محاكمة عادلة. ومن واجب قضاة المحكمة العراقية العليا ضمانة هذا الحق كاملاً في محاكمة الأنفال، وفي المحاكمات المقبلة.

ونحن نعلم أن كثيراً من الشهود الذين يرغب المتهمون في استدعائهم غير مستعدين للقدوم إلى العراق من أجل الشهادة خوفا من اعتقالهم. لكن الفشل في الحصول على شهادات أهم شهود الدفاع يهدد بأن يودي بإنصاف إجراءات المحاكمة. ونود في هذا الصدد لفت انتباهكم إلى قرارات لجنة حقوق الإنسان التي فسّرت المادة 14(3)(ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فهي تشير إلى واجب المحكمة في بذل كل جهد معقول، في القضايا التي ينتظر صدور أحكامٍ بالإعدام فيها، للحصول على شهادة الدفاع المادية أمرٌ يتّسم بأقصى الأهمية.

ومن هنا فإننا ندعو المحكمة إلى السماح بمحاولة تأمين القدوم الآمن لشهود الدفاع من أجل هدفٍ ينحصر في الإدلاء بالشهادة في محاكمة الأنفال. وهذا ما سيكون منسجماً مع نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 93(2)). وهو منسجمٌ أيضاً مع سلوك المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة التي سمحت للقضاة بترتيب اتفاقات مرور آمن بغية الحصول على شهادات الشهود منذ أول قضية أمام تلك المحكمة.

أما إذا تبين تعذر ذلك لأسبابٍ تتجاوز سلطة المحكمة العراقية العليا، فنحن ندعو المحكمة إلى تزويد شهود الدفاع بإمكانية الإدلاء بالشهادة من خلال الاتصال عبر الفيديو. وبما أن قضاة الحكم يستطيعون ممارسة الضبط على هذه الشهادة عبر الاتصال المرئي كما يمارسونه في حالة الشهادة الحية، فإن إتاحة هذه الفرصة أمام الدفاع أمرٌ أساسي لكفالة حقوقه مع المحافظة على سلامة مجريات المحاكمة.

وعلى الرغم من أن نظام المحكمة العراقية العليا لا يفرض هذه التدابير على نحوٍ صارم، كما لا يفرضها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أو غيره من مصادر القانون الدولي، فإننا ندعو المحكمة إلى بذل كل ما بوسعها للأخذ بهذا الخيار. فقيامها بهذا الأمر حاسم الأهمية في حماية عدالة مجريات المحاكمة جملةً (ومظهر العدالة) في محاكمةٍ في غاية الأهميةٍ بالنسبة للعراق بلداً وشعباً.

يلعب الالتزام بحقوق المحاكمة العادلة في هذه المحاكمات التي تتميز بقدرٍ كبير من الاهتمام العام دوراً فائق الأهمية في بناء احترامٍ حقيقي لسيادة القانون. ولابد من الحماية التامة لحقوق المتهمين (الأمر الذي كان غائباً تماماً في ظل حكم حزب البعث) حتى يتحول العراق إلى مجتمعٍ توجد فيه محاكماتٌ منصفة تحترم حقوق الإنسان.

مع الاحترام

ريتشارد ديكر
مدير قسم العدالة الدولية
هيومن رايتس ووتش