(القدس، 22 يونيو/حزيران 2005) - قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير جديد لها صدر اليوم إن الجيش الإسرائيلي قد أشاع مناخاً من الإفلات من العقاب في صفوفه من خلال تقاعسه عن إجراء تحقيق وافٍ للتحقق مما إذا كان الجنود قد قتلوا أو أصابوا المدنيين الفلسطينيين على نحو غير مشروع، أو تقاعسوا عن حمايتهم من الأذى.

فمنذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الحالية عام 2000، قتلت القوات الإسرائيلية الآلاف من الفلسطينيين ممن لم يشاركوا في أي قتال أو ألحقت بهم إصابات خطيرة؛ غير أن السلطات الإسرائيلية لم تجرِ تحقيقات إلا في أقل من خمسة في المائة من الحوادث المفضية للموت للتثبت مما إذا كان الجنود قد استخدموا القوة بصورة غير مشروعة؛ كما أن التحقيقات التي أجرتها كانت بعيدة كل البعد عن الالتزام بالمعايير الدولية للتحقيقات المستقلة والنزيهة.

وفي تقريرها الذي يقع في 126 صفحة، والصادر تحت عنوان: "تعزيز مناخ الإفلات من العقاب: تقاعس الجيش الإسرائيلي عن التحقيق في المخالفات"، توثق هيومن رايتس ووتش تقاعس إسرائيل عن الوفاء بالتزامها القانوني بالتحقيق في وفيات وإصابات المدنيين الناجمة عن استخدام القوة المميتة في سياق ضبط الأمن والنظام وتنفيذ القانون، مثل السيطرة على المظاهرات أو فرض الحظر على التجول، وفي حالات القتال حينما تكون ثمة أدلة أولية أو ادعاءات جديرة بالتصديق تشير إلى أن الجنود تعمدوا إلحاق الضرر بالمدنيين أو لم يتخذوا كافة الاحتياطات الممكنة لحمايتهم من الأذى.

ويفحص التقرير بالتفصيل ما يزيد على 12 من حالات الوفاة أو الإصابة الخطيرة التي وقعت في صفوف المدنيين الفلسطينيين والأجانب على أيدي قوات الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ ومن الجلي أن معظمها وقع في سياق اجراءات فرض الأمن وليس في حالات صراع مسلح.
وقالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش "إن معظم التحقيقات التي قامت بها إسرائيل بشأن الخسائر في صفوف المدنيين كانت زائفة؛ وقد أدى تقاعس الحكومة عن إجراء تحقيق بشأن الوفيات من المدنيين الأبرياء إلى خلق مناخ يدفع الجنود إلى الاعتقاد بأن بمقدورهم إزهاق الأرواح وهم بمأمن من المساءلة والعقاب".

و في آخر خطاب أرسله الجيش الإسرائيلي إلى هيومن رايتس ووتش بهذا الصدد، في مايو/أيار 2004، قال إن الشرطة العسكرية أجرت تحقيقات بشأن 47 حالة زُعم أن القوات الإسرائيلية استخدمت فيها القوة المميتة بصورة غير مشروعة، أي ما يقل عن 5 في المائة من حالات الوفاة في صفوف المدنيين المسجلة آنذاك.

وحتى 22 مايو/أيار، كان الجيش الإسرائيلي قد فتح 108 تحقيقات تمخضت عن صدور 19 قرار اتهام وستة أحكام بالإدانة، حسبما أفادت منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية. وأدين جنديان إسرائيليان بتهمة القتل الخطأ، واثنان بتهمة إحداث ضرر خطير، واثنان بتهمة استخدام السلاح بصورة غير مشروعة.

وكان أطول أحكام السجن التي صدرت في هذه القضايا هو حكم مدته 20 شهراً، صدر في 18 مايو/أيار بتهمة إحداث ضرر خطير؛ ولكن معظم أحكام الإدانة الصادرة أدت إلى توقيع عقوبات أخف من تلك التي يحكم بها القضاء في جرائم السرقة البسيطة أو التي تصدر بحق المعترضين على أداء الخدمة العسكرية بدافع من الضمير.

وفي الانتفاضة الفلسطينية السابقة، التي وقعت في الفترة من 1988 إلى 1993، اتبعت إسرائيل سياسة تتمثل في فتح التحقيقات بشأن كافة حالات الوفاة والإصابة التي تقع في صفوف المدنيين؛ غير أن هذه التحقيقات كانت على مستوى متدن هي الأخرى في كثير من الأحيان.
وفي أعقاب اندلاع الاشتباكات في سبتمبر/أيلول 2000، قال الجيش الإسرائيلي إنه لا يعتزم إجراء التحقيقات بصفة روتينية في حالات الوفاة التي تقع في صفوف المدنيين لأن الحالة الراهنة "تقترب من الصراع المسلح"، وأضاف أن التحقيقات سوف تقتصر على "الحالات الاستثنائية". ولكن حتى في حالات الصراع المسلح، ينبغي على السلطات العسكرية التحقيق في الادعاءات الجديرة بالتصديق أو الأدلة الأولية على الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي؛ وقالت هيومن رايتس ووتش إن الكثير من الوفيات والإصابات وقعت في حالات من الواضح أنها لم ترق إلى مستوى الصراع المسلح، بل كانت بالأحرى حالات لتنفيذ القانون.

وقالت ويتسن "حتى حينما قتل الجنود الإسرائيليون المدنيين أو أصابوهم بعاهات مستديمة في حالات تنفيذ القانون، تقاعس الجيش عن الوفاء بالتزامه بالتحقيق".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن لب المشكلة يكمن في أن نظام القضاء العسكري الذي يعتمد على المعلومات المستقاة من جلسات استجواب الجنود – والتي يطلق عليها بشكل مضلل اسم "تحقيقات العمليات" – للبت فيما إذا كانت هناك مبررات لإجراء تحقيق للشرطة العسكرية. ومثل هذه "التحقيقات" لا تسعى لأخذ أقوال الضحايا أو الشهود غير العسكريين، ولا تأخذها بعين الاعتبار، ولا تبذل أي جهد للتوفيق بين روايات الجنود وبين التسجيلات المرئية للوقائع، وغيرها من الأدلة الأطبية أو شهادات الشهود، عند وجود تضارب فيما بينها.

وقالت ويتسن "من الجائز أن ’تحقيقات العمليات‘ السريعة تلبي غرضاً عسكرياً نافعاً، ولكن يجب على الجيش الإسرائيلي أن يكف عن اتخاذها ذريعة للتملص من إجراء تحقيقات جادة نزيهة".

فالقانون الإنساني الدولي، أو ما يعرف بقوانين الحرب، يلزم الجيوش بالتحقيق في الانتهاكات الخطيرة لأحكام هذا القانون، ومحاكمة مرتكبيها، وإنزال العقاب الملائم بهم؛ كما أن الالتزامات الواقعة على عاتق الحكومة الإسرائيلية بموجب ما صادقت عليه من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان تعزز مسؤوليتها عن التحقيق في أي مخالفات.

وتشمل هذه الالتزامات واجب التحقيق في الانتهاكات الخطيرة، وإتاحة سبل التعويض والإنصاف الفعالة من خلال إحالة الجناة إلى القضاء، وتقديم تعويضات عادلة وكافية للضحايا وذويهم، والتثبت من الحقائق بشأن ما حدث لهم.

وقالت ويتسن "يجب على الجيش الإسرائيلي التحقيق فيما يُزعم وقوعه من مخالفات بدافع من المصلحة الذاتية أيضاً؛ فالحرص على محاسبة الجنود على أفعالهم يؤكد نزاهة القوات المسلحة".

وقد حثت منظمة هيومن رايتس الحكومة الإسرائيلية على رصد الخسائر التي تقع في صفوف المدنيين في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، ونشر مثل هذه المعلومات على الملأ. كما يجب على الجيش الإسرائيلي وضع حد لأسلوب "تحقيقات العمليات" الذي درج على استخدامه للبت في ضرورة فتح تحقيق جنائي عند الاشتباه في استخدام القوة بصورة غير مشروعة، وإنشاء هيئة مستقلة لتلقي الشكاوى بشأن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي تقع على أيدي الجنود الإسرائيليين وغيرهم من أفراد قوات الأمن، والتحقيق فيها.

يمكن الإتطلاع على مقاطع التقرير في الموقع الآتي:
https://www.hrw.org/reports/2005/iopt0605/summaryrecsar.pdf