(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" و"منّا لحقوق الإنسان" اليوم إن على الحكومة اللبنانية محاسبة المسؤولين عن الترحيل غير القانوني للشاعر الذي يحمل الجنسيتين المصرية والتركية عبد الرحمن يوسف القرضاوي إلى الإمارات في يناير/كانون الثاني 2025. لا يزال القرضاوي محتجزا بشكل تعسفي هناك في ظروف انقطاع شبه تام عن العالم الخارجي.
اعتقلت السلطات اللبنانية القرضاوي في 28 ديسمبر/كانون الأول 2024 عند عودته من سوريا بناء على طلب توقيف مؤقت من مصر. قدمت الإمارات طلب اعتقال وتسليم إضافي، عمّمه "مجلس وزراء الداخلية العرب"، وتضمن تهما منها "ارتكاب أعمال من شأنها إثارة وتكدير الأمن العام".
قالت تانيا بولاكوفسكي، كبيرة المسؤولين القانونيين ومديرة الأبحاث في منّا لحقوق الإنسان: "بالتصرف بناءً على طلب لا أساس له وذي دوافع سياسية، عمّمه مجلس وزراء الداخلية العرب، سمحت السلطات اللبنانية بالقمع عبر الحدود في انتهاك للقانون المحلي للبنان والتزاماته الدولية. قرار لبنان تسليم القرضاوي على الرغم من المخاطر المبررة المتمثلة في التعذيب والاختفاء القسري يؤكد كيف يُساء استخدام آليات الأمن الإقليمية مثل المجلس لإسكات المنتقدين السلميين عبر الحدود".
مجلس وزراء الداخلية العرب مُكلف بتعميم مذكرات التوقيف التي تطلبها الدول على الدول الأعضاء في "جامعة الدول العربية". لا يمكن للأفراد المستهدفين الاطلاع على الأدلة التي تستند إليها الطلبات أو طلب سحب مذكرات التوقيف، ولا توجد آلية لرصد إساءة استخدام أنظمتها.
بين 2022 و2025، وثقت منّا لحقوق الإنسان سبع حالات لأفراد استهدفهم نظام مجلس وزراء الداخلية العرب، مما سمح بحدوث القمع عبر الحدود. من بين الدول التي طُلب منها أو طلبت تسليم الأفراد مصر، والأردن، ولبنان، والمغرب، والسعودية، والإمارات. وشملت جميع الحالات معارضين سلميين ومتظاهرين وأفرادا من الأقليات الدينية يواجهون التسليم إلى دول في "جامعة الدول العربية" حيث يتعرضون لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما يشمل التعذيب، وفقا لتقرير صادر عن منّا لحقوق الإنسان في مايو/أيار.
طلب اعتقال القرضاوي وتسليمه، وهو ليس مواطنا إماراتيا ولم يكن موجودا في الإمارات عندما وقعت الجريمة المزعومة، نابع من منشور على وسائل التواصل الاجتماعي نشره القرضاوي خلال زيارة إلى سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024 انتقد فيه السلطات في الإمارات ودول عربية أخرى.
تم تسليم القرضاوي في 8 يناير/كانون الثاني 2025، على الرغم من الطعن الذي قدمه محاميه أمام أعلى محكمة إدارية في لبنان، "مجلس الدولة الشورى"، طالبا وقف تنفيذ قرار مجلس الوزراء. أعرب خبراء في "الأمم المتحدة" عن قلقهم من أن "القرضاوي قد يتعرض للتعذيب أو سوء المعاملة أو الاختفاء القسري إذا تم ترحيله" وأن التهم الموجهة إليه هي "انتقام منه لممارسته المشروعة لحقه في حرية التعبير".
بعد وقت قصير من تسليمه، أعلنت "وكالة أنباء الإمارات الرسمية" أن القرضاوي رهن الاحتجاز "بناء على طلب التوقيف المؤقت الصادر بحقه من الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب" وأن القرضاوي يواجه تهمة "ارتكابه أعمالا من شأنها إثارة وتكدير الأمن العام".
بحسب تقارير، لم تسمح السلطات الإماراتية لأسرته سوى بزيارتين قصيرتين، في مارس/آذار وأغسطس/آب. ولم تقدم السلطات أي معلومات عن مكان احتجازه أو وضعه القانوني أو أي إجراءات قضائية ضده.
قالت هيومن رايتس ووتش ومنّا لحقوق الإنسان إن تسليم القرضاوي إلى الإمارات ينتهك القوانين المحلية للبنان والتزاماته الدولية، بما يشمل "الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، التي صادق عليها لبنان. تنص المادة 34 من قانون العقوبات اللبناني على رفض طلب التسليم عندما ينشأ عن "جريمة ذات طابع سياسي، أو ظهر أنه لغرض سياسي". يوجد نص مماثل في "اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي"، وهي صك صادر عن جامعة الدول العربية ينظم دور مجلس وزراء الداخلية العرب في تسليم المطلوبين بين الدول الأعضاء، وينص على أنه لا يجوز تسليم أي شخص "إذا كان الطلب متعلقا بجريمة يعتبرها الطرف المتعاقد المطلوب إليه التنفيذ جريمة ذات صبغة سياسية".
في أكتوبر/تشرين الأول، رفض مجلس الشورى اللبناني الطعن الذي قدمه الممثل القانوني للقرضاوي. واستشهد المجلس بالمادة 31 من قانون العقوبات اللبناني، التي تسمح بتسليم المجرمين في الجرائم التي "تنال من أمنها [أمن الدولة الأجنبية التي تطلب التسليم] أو من مكانتها المالية".
على مدى العقد الماضي، سنت السلطات الإماراتية قوانين وسياسات قمعية واحتجزت بشكل غير قانوني مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء ومعارضين سياسيين وغيرهم ممن تعتبرهم منتقدين. ويقضي عشرات المتهمين أحكاما طويلة بالسَّجن بعد محاكمات جائرة بتهم غامضة وفضفاضة تنتهك حقوقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات.
قالت هيومن رايتس ووتش ومنّا لحقوق الإنسان إن على لبنان التوقف عن المشاركة في القمع العابر للحدود الوطنية برفض طلبات التسليم، ومنها تلك التي يعممها مجلس وزراء الداخلية العرب لأسباب سياسية والتي تميز على أساس الرأي السياسي وتنتهك مبدأ عدم الإعادةالقسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان يواجه فيه خطر حقيقييتمثل في التعرض للاضطهاد أو التعذيب أو غير ذلك من ضروب المعاملة السيئة الخطيرة أو تهديد حياته.
قالت المنظمتان إن على السلطات اللبنانية أن تفتح تحقيقا مستقلا في الظروف المحيطة بتسليم القرضاوي غير القانوني، وتحاسب الوزراء اللبنانيين السابقين المسؤولين عن انتهاك القوانين المحلية اللبنانية والالتزامات الحقوقية الدولية. وتشمل هذه الالتزامات حظر التمييز على أساس المعتقد السياسي، ومبدأ عدم الإعادة القسرية المطلق الذي لا يمكن التنازل عنه.
على الإمارات أن تفرج فورا عن القرضاوي، وتمتنع عن تسليمه إلى مصر، وتسمح له بالتوجه إلى بلد لا يواجه فيه خطر الاضطهاد. على الإمارات أن تفرج عن أي شخص محتجز بسبب ممارسته السلمية لحقه في حرية التعبير، وأن تمتنع عن طلب تسليم معارضين آخرين لهذه الأسباب.
قالت المنظمتان إن على حلفاء حكومة الإمارات، ومنهم تركيا، الضغط عليها لإطلاق سراح القرضاوي وأي شخص آخر محتجز ظلما. وعلى جميع دول الجامعة العربية رفض طلبات التسليم التي تقدمها الإمارات بحق أي شخص يمارس حقه في حرية التعبير بشكل سلمي.
قال رمزي قيس، باحث لبنان في هيومن رايتس ووتش: "ترحيل لبنان غير القانوني للقرضاوي يثير احتمال أن يتم القبض على معارضين من جميع أنحاء العالم العربي وتسليمهم دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة أو النظر في مخاطر الانتهاكات التي قد يتعرضون لها. على السلطات اللبنانية ضمان محاسبة المسؤولين عن ترحيل القرضاوي، وضمان عدم تعرض أي شخص آخر للتسليم لمجرد انتقاده سلميا دولا عربية أخرى".