ثلاثة رجال بكامل معداتهم القتالية يرتدون كمامات واقية للوجه ضد فيروس كورونا، في طرابلس، ليبيا في 25 مارس/آذار 2020. 

© 2020 عمرو صلاح الدين/ "وكالة الأناضول" عبر "غيتي إيمدجز"

في بداية أبريل/نيسان، خطفت صورة لثلاثة مقاتلين على الخطوط الأمامية في طرابلس أنظار مستخدمي وسائل الإعلام الاجتماعية لقوتها وعبثية الموقف التي تجسده. يَظهر في الصورة ثلاثة رجال مدججين بالأسلحة ويرتدون كمّامات واقية من فيروس كورونا.

في ليبيا، تشتد الحرب لغزو طرابلس، وتحمل عواقب مدمرة على السكان المدنيين، منذ أن أكدت البلاد أول إصابة بفيروس كورونا في نهاية مارس/آذار. كثّفت عناصر "القوات المسلحة العربية الليبية" بقيادة خليفة حفتر قصفها للأحياء السكنية القريبة من الخطوط الأمامية في الضواحي الجنوبية لطرابلس. تقول "الأمم المتحدة" إن قوات حفتر، التي تتلقى معظم دعمها العسكري من الإمارات، هي مَن أوقع الغالبية العظمى من الضحايا المدنيين خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

في الوقت نفسه، حققت "حكومة الوفاق الوطني" والقوات التابعة لها، بدعم معظمه من تركيا، تقدما كبيرا منذ منتصف أبريل/نيسان، لكن لا يبدو أنها تنوي تغيير أساليبها. فهي لم تعمل في الماضي على التحقق من عدم وجود مدنيين بالقرب من المنشآت العسكرية التي استهدفتها، ما يزيد الخطر على المدنيين.

ساهمت هذه الهجمات بدفع "منظمة الصحة العالمية" إلى إدراج ليبيا على لائحة الدول المعرضة لخطر شديد من فيروس كورونا. قالت المنظمة إن قدرات ليبيا للكشف عن الفيروس والاستجابة له ضعيفة. هناك خطر كبير يتمثل في احتمال انهيار النظام الصحي بشكل كامل وسريع في حال انتشار المرض في ليبيا. لن تتمكن السلطات من التعامل مع الأعداد الكبيرة للمرضى، لا سيما في الغرب والجنوب اللذَين يمزقهما النزاع.

أشارت "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" في تقريرها عن الخسائر البشرية في الربع الأول من عام 2020 إلى زيادة بنسبة %45 في الخسائر في صفوف المدنيين مقارنة بنفس الفترة من 2019.

وثّقنا خلال العام الماضي انتهاكات خطيرة لقوانين الحرب من قبل الجماعات المنتسبة إلى حكومة الوفاق الوطني والقوات المسلحة العربية الليبية وداعميها الأجانب. كلا الجانبين شن هجمات عشوائية وغيرها من الهجمات غير القانونية ضد المدنيين، التي قتلت مئات المدنيين منذ بدء النزاع في أبريل/نيسان 2019.

شملت الهجمات التي قتلت مدنيين غارات جوية، وضربات الطائرات المسيّرة، وكذلك القصف الذي استهدف منازل، ومحلات تجارية، ومدارس، ومرافق صحية. قالت الأمم المتحدة، التي نسبت معظم الخسائر إلى القوات المسلحة العربية الليبية، إن الضربات الجوية كانت السبب الرئيسي للإصابات بين المدنيين في 2019.

بعد سنوات من الانقسامات السياسية والإهمال والنزاع المسلح، كانت البُنى الصحية الليبية مدمرة بالفعل، قبل تفشي فيروس كورونا بزمن.

لكن يبدو أن الوباء العالمي لم يدفع أيا من الجانبين إلى اتخاذ إجراءات إضافية لحماية المدنيين في الحرب، حيث تعرضت المستشفيات وأطقمها الطبية لهجمات متكررة.

خلال زيارة إلى طرابلس في ديسمبر/كانون الأول، عاينتُ بنفسي الأثر المدمر لاستخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان، والذي أتلف البنية التحتية المدنية الحيوية، بما فيها مرافق الرعاية الصحية. زرتُ المستشفيات التي تضررت أو أُغلقت، والعيادات الميدانية التي تعرضت للهجوم، ووثقتُ الحالات التي قتل أو أصيب فيها سائقو سيارات الإسعاف وأوائل المستجيبين في حالات الطوارئ أثناء مزاولة عملهم.

في منطقة صلاح الدين في الضواحي الجنوبية لطرابلس، زرتُ مصحتين خاصتين قريبتين من الخطوط الأمامية تضررتا من القتال. أُغلِقت "مصحة الأمومة" بعد أن أسفر هجوم صاروخي عن مقتل سائق سيارة إسعاف وإلحاق أضرار بالمستشفى. قُتل السائق سالم انفيس، وهو أب لثلاثة أطفال، في غارة جوية للقوات المسلحة العربية الليبية أصابت سيارة الإسعاف التي كان يقودها في أكتوبر/تشرين الأول. قتلت قذيفة هاون وحيدة في نوفمبر/تشرين الثاني صبيا عمره تسع سنوات كان يرافق والدته التي كنت تراجع "مصحة النخبة" القريبة، وهو مستشفى خاص كان لا يزال يعالج عددا قليلا من المرضى. تتهم سلطات طرابلس قوات حفتر في كلي الحادثين.

أفادت منظمة الصحة العالمية بوقوع 13 هجوما على مرافق صحية في ليبيا في 2020 حتى أوائل مايو/أيار، أدّت إلى تدمير ثمانية مرافق للرعاية الصحية وثلاث مركبات نقل. كما أسفرت الهجمات عن مقتل خمسة موظفين طبيين وإصابة 17 آخرين.

القانون الإنساني الدولي، وهو الإطار القانوني الذي يحكم النزاع في ليبيا، يغطي العمليات القتالية وحماية المدنيين، لكن لا يتطرق إلى ما إذا كان ينبغي وقف القتال خلال انتشار الأوبئة. لكن "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" تقول إن القانون يتضمن عدة أحكام رئيسية تتعلق بالأوبئة.

يُحظر على الأطراف مهاجمة أو تدمير أو إزالة أو تخريب أية مرافق ضرورية لحياة السكان المدنيين، مثل منشآت مياه الشرب، وهي ملزمة بالحرص المستمر على تجنب الممتلكات المدنية. تكتسب مرافق إمدادات المياه في سياق الأزمة الحالية أهمية حاسمة، فأي خلل فيها قد يمنع المدنيين من اتخاذ تدابير الوقاية الأساسية عن طريق غسل الأيدي المتكرر، ما قد يؤدي إلى زيادة انتشار الفيروس.

هناك حاجة ماسة إلى مرافق طبية تعمل بشكل جيد ومجهزة تجهيزا جيدا لتوفير الرعاية الطبية على نطاق واسع بما يقتضيه تفشي فيروس كورونا. والطرفان ملزمان باحترام وحماية العاملين في قطاع الصحة ومرافقهم ومركباتهم، وكذلك باحترام وحماية الجرحى والمرضى وبذل قصارى جهدهما لإجلائهم دون تأخير.

بإمكاني أن أنقل أنّ أطراف هذا النزاع انتهكت هذه الأحكام مرات عديدة.

في الواقع، ضربت أطراف النزاع في ليبيا بالقوانين عُرض الحائط منذ سنوات عديدة، ونفذت عملياتها دون عقاب ولا اعتراض، على الرغم من ولاية "المحكمة الجنائية الدولية" للنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية هناك منذ 15 فبراير/شباط 2011.

لدي بعض الأمل في أن ينشئ "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" في جنيف لجنة دولية للتحقيق خلال جلسته القادمة في يونيو/حزيران. على هذه اللجنة، كخطوة أولى نحو المساءلة، توثيق الانتهاكات وتحديد المسؤولين، بما في ذلك الجهات الخارجية، والحفاظ على الأدلة لاستخدامها في الإجراءات الجنائية المستقبلية، والإبلاغ علنا عن أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا.

تواصل الجماعات المسلحة في ليبيا، التي تجرأت بفعل الإفلات من العقاب على جرائمها لسنوات، تدمير البنية التحتية الصحية الهشة في البلاد رغم الوباء القاتل.

ما لا يدع مجالا للشك هو أن الكمّامات لن تجدي نفعا إذا استمرت أطراف النزاع في تدمير ما تبقى من النظام الصحي الليبي المسؤول عن مكافحة انتشار فيروس خطير إلى درجة أنه شلّ العالم بأسره.