أطباء لبنانيون يهتفون خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في وسط بيروت، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

© AFP/Getty 2019

(بيروت) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن العاملين في القطاع الطبي والمسؤولين الحكوميين في لبنان يحذرون من أن المستشفيات قد تصبح قريبا عاجزة عن تقديم الجراحة المنقذة للحياة والرعاية الطبية العاجلة للمرضى جرّاء الأزمة المالية.  

تنبع الأزمة من عدم سداد الحكومة مستحقات المستشفيات العامة والخاصة، بما فيها المستحقات المتوجبة على "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي" والصناديق الصحية العسكرية. يعرقل هذا قدرة المستشفيات على دفع أجور عامليها وشراء اللوازم الطبية. كما تسبب النقص في الدولار في تقييد استيراد السلع الحيوية ودَفَع المصارف إلى تقليص خطوط ائتمانها.

قال جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "عدم تسديد الحكومة اللبنانية فواتيرها للمرافق الطبية يهدد صحة السكان بشدة. بينما يساوم السياسيون على تشكيل حكومة جديدة، فإن السلطات غائبة عن الاستجابة للوضع الاقتصادي المزري. مع الوقت، تتضاءل قدرة العديد من الأطباء والمستشفيات على علاج المرضى".

قال نقيب المستشفيات الخاصة سليمان هارون لـ هيومن رايتس ووتش إن وزارة المالية لم تدفع منذ عام 2011 مستحقات تُقدّر بـ 1.3 مليار دولار. يقوّض هذا قدرة المستشفيات على شراء الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ودفع رواتب موظفيها. أضاف أن الوزارة دفعت معظم المستحقات المتوجبة عليها حتى 2017، وفقط نصف مستحقات 2018، ولا شيء من مستحقات 2019.

تشكّل المستشفيات الخاصة 82% من القطاع الصحي في لبنان. لم تدفع الحكومة المستحقات المتوجبة عليها للمستشفيات الحكومية أيضا. قال مسؤولون في "مستشفى رفيق الحريري الجامعي" في بيروت و"مستشفى الهرمل الحكومي" في البقاع لـ هيومن رايتس ووتش إن الحكومة لم تدفع لهم أي مبالغ في 2019.

ذكر الموردون الطبيون الذين يستوردون المعدات الطبية للمستشفيات العامة والخاصة إنهم باتوا غير قادرين على استيراد المعدات الطبية منذ سبتمبر/أيلول نتيجة النقص في الدولار وغياب تشريعات حكومية تحول دون وضع المصارف قيود اعتباطية على تحويل الأموال إلى الخارج.

في 16 نوفمبر/تشرين الثاني، نفذت المستشفيات الخاصة "إضرابا تحذيريا" غير مسبوق لدق ناقوس الخطر حول النقص الذي تواجهه، وحثت المسؤولين الحكوميين على دفع المستحقات المتأخرة. قالت نقيبة الممرضات والممرضين ميرنا ضومط لـ هيومن رايتس ووتش إن الممرضات والممرضين يهددون بإضراب مفتوح إذا استمر تأخر المستشفيات الخاصة والعامة في دفع رواتبهم، أو إذا خُفضت الرواتب إلى النصف، وهو ما حذّرت مستشفيات عدة من أنها ستفعله. قالت هيومن رايتس ووتش إن على وزارة المالية صرف مستحقات المستشفيات بسرعة.  

أفاد مستوردو الإمدادات الطبية عن مواجهتهم صعوبات في استيراد المعدات الطبية جرّاء النقص في الدولار، والذي قالوا إنه بدأ في يوليو/تموز ثم تفاقم في نوفمبر/تشرين الثاني، فضلا عن انخفاض قيمة العملة اللبنانية بشكل غير رسمي الذي نتج عنه.  

قالت الناطقة باسم مستوردي الأجهزة الطبية سلمى عاصي لـ هيومن رايتس ووتش: "إذا لم تُحل [الأزمة]، سيدخل الناس إلى المستشفيات وسيموتون داخلها".

في 26 نوفمبر/تشرين الثاني، حذّر وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال جميل جبق من أن استمرار النقص الكبير في الإمدادات والمعدات سيخلق وضعا خطيرا جدا. قال هارون لـ هيومن رايتس ووتش إن نقص المعدات الطبية "يسبب الكثير من المشاكل في العمليات الجراحية. إذا لم يكن لدينا راسّور (دعّامة) القلب الذي نحتاج إليه، سنضطر إلى استخدام راسّور بحجم مختلف، وهذا سيسبب مضاعفات جراحية".

في 26 نوفمبر/تشرين الثاني، أصدر "مصرف لبنان"، وهو المصرف المركزي، قرارا يضمن استيراد الموردين لـ50% من احتياجاتهم الطبية بالسعر الرسمي، و50% المتبقية بسعر السوق. أشارت عاصي إلى أن الضمان لم يُدرج المعدات الجديدة أو حتى قطع الغيار: "أتفهم استثناء المعدات الجديدة. فلن يبدأ أحد استثمارا جديدا. لكن ماذا عن قطع الغيار؟ إذا كان لديّ جهاز تنفس اصطناعي أو جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، وتعطل شيء ما فيه، ماذا يمكن للمستشفى أن تفعله؟" أضافت أن المستوردين الطبيين رفضوا الاقتراح بالكامل.

قال مستوردو الإمدادات الطبية إنهم حتى لو كانوا يملكون الـ50% المتبقية في حساباتهم المصرفية، سترفض المصارف السماح لهم بتحويل الدولار الموجود فيها إلى الشركات المصنعة في الخارج.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للحكومة بذل كل جهد ممكن لتوظيف مواردها المتاحة للوفاء بالتزاماتها بالحد الأدنى بموجب القانون الدولي، ووقف تدهور قدرة الشعب اللبناني على الوصول إلى الخدمات الصحية المناسبة.  

ينبغي لمصرف لبنان إصدار شروط واضحة وشفافة بشأن عمليات السحب النقدي وتحويل الأموال لحماية المودعين، وضمان أن المصارف تطبقها بإنصاف. ينبغي أن يضع مصرف لبنان أيضا شروطا واضحة ومتّسقة للشركات، وخاصة مستوردي السلع الحيوية، لضمان قدرتها على مواصلة عملياتها.

ينبغي لرئيس الوزراء القادم إنشاء لجنة تتألف من أصحاب المصلحة المعنيين، تشمل ممثلين من مصرف لبنان، ووزارة المالية، ووزارة الصحة، والمستشفيات الخاصة والعامة، ومستوردي الأدوية والمعدات الطبية لوضع سياسات مالية مسؤولة لمواجهة التحديات التي تفرضها الأزمة الاقتصادية فيما يتعلق بالوصول إلى الرعاية الطبية والأدوية والمعدات الطبية.

قال ستورك: "ينبغي للسلطات اللبنانية ضمان حماية الحق في الصحة والحصول على الأدوية، والمستلزمات الجراحية، والرعاية الطبية. قد يموت الناس في المستشفيات إذ لم تضمن الحكومة حصول تلك المستشفيات على الأدوية واللوازم الطبية الضرورية".

النقص في الدولار

لطالما اعتمد الاقتصاد اللبناني على تدفق منتظم للدولار الأمريكي. ربط مصرف لبنان الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي منذ 1997 وفق سعر صرف رسمي هو 1507.5 ليرة لبنانية للدولار الواحد. على مدى السنوات العشر الماضية، انخفضت كمية الدولار المتداول على مدار العقد الماضي مع تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض التحويلات المالية القادمة من المهجر. تسبب تناقص الثقة في استقرار الليرة اللبنانية في 2019 والمخاوف بشأن استقرار القطاع المصرفي إلى سحب المودعين الأموال من حسابات الدولار الخاصة بهم، ما فاقم ندرة الدولار وأدى إلى وصول سعر الصرف غير الرسمي للدولار إلى أكثر من 2,200 ليرة لبنانية في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني.

سلمى عاصي، التي تحدثت باسم مستوردي المعدات الطبية، قالت لـ هيومن رايتس ووتش إن لبنان يستورد 100% من الأجهزة الطبية الضرورية. يسدد المستوردون قيمة ما استوردوه بالدولار لكن يتلقون مدفوعاتهم من المستشفيات بالليرة اللبنانية. في يوليو/تموز تقريبا، بحسب عاصي، بات مستوردو الأجهزة الطبية يواجهون مشاكل في تحويل الليرة اللبنانية إلى الدولار في المصارف بسبب النقص في الدولار. لجأ المستوردون إلى تحويل العملة لدى شركات الصيرفة الخاصة بأسعار أعلى من السعر الرسمي ليتكبدوا خسائر فادحة في العملية. كما أنهم غير قادرين على زيادة سعر المستوردات نظرا لتسعيرها بأسعار محددة بالليرة اللبنانية من قبل وزارة الصحة.

أضافت عاصي:

إذا لم تُحَل [الأزمة]، سيدخل الناس إلى المستشفيات وسيموتون داخلها". يحصل من يتلقون غسيل الكلى الآن على دورتي غسيل بدل ثلاث، هل تعرفون ماذا يعني هذا؟ يعني تسمم أجسامهم ببطء. هل تعرفون ماذا يعني نقص أكياس الدم؟ … ماذا سنفعل؟ نضع الدم في زجاجات المياه؟

في 24 نوفمبر/تشرين الثاني، أصدر مستوردو المعدات الطبية بيانا مشتركا يطالبون فيه مصرف لبنان بضمان 85% من الدولار اللازم لهم للاستيراد بسعر الصرف الرسمي. قرر المصرف المركزي في أكتوبر/تشرين الأول فعل ذلك للأدوية، والقمح، والوقود. أفاد المستوردون أن بعض الإمدادات الطبية نفدت من عندهم، مثل براغي العظام، و"راسّورات" القلب، وفلاتر غسيل الكلى، وأكياس الدم، والغازات الطبية، وقطع الغيار. أضافوا أن المخزونات المتبقية ستستنفد في غضون أسابيع.

رغم إصدار المصرف المركزي قرار في 26 نوفمبر/تشرين الأول يضمن إمداد الموردين الطبيين بـ50% من الدولار الذي يحتاجون إليه بالسعر الرسمي، ما يزال المستوردون يواجهون مشاكل فيما يتعلق بالـ50% المتبقية.

في غياب ضوابط رسمية من قبل المصرف المركزي على حركة الأموال، وضعت المصارف سياساتها الخاصة التي تحد من وصول المودعين إلى الأموال الموجودة في حساباتهم بالدولار وتحويل الأموال إلى الخارج، ما فاقم صعوبة استيراد المعدات الطبية والأدوية. أفاد مستوردو اللوازم الطبية في بيان صدر في 3 ديسمبر/كانون الأول أن المصارف ترفض السماح لهم بتحويل الدولار الموجود بالفعل في حساباتهم إلى الشركات المصنعة في الخارج. قال نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة لـ هيومن رايتس ووتش إن بعض المصارف لا تسمح أيضا لمستوردي الأدوية بتحويل الدولار الموجود بالفعل في حساباتهم إلى المنتجين في الخارج.

كما فرضت المصارف اللبنانية قيودا صارمة على خطوط الائتمان، وبات المصدرون الأجانب بدورهم يطلبون سداد كامل المبلغ قبل التسليم لرفض شركات التأمين تغطية الشحنات المتجهة إلى لبنان. قال جبارة إن لبنان يستورد أكثر من 90% من أدويته. أضاف أن مستوردي الأدوية يواجهون أزمة سيولة لأنهم لم يعودوا قادرين على إنشاء خطوط ائتمان لتغطية وارداتهم، والمستشفيات غير قادرة على دفع تكاليف الأدوية مقدما. في 3 ديسمبر كانون/الأول، حذر مستوردو المواد الطبية من أنهم سيتوقفون عن تزويد المستشفيات بالإمدادات الطبية إذا لم تستطع تسديد المستحقات المتوجبة عليها في الوقت المناسب. صرح هارون، نقيب  المستشفيات الخاصة، لوسائل الإعلام المحلية أن المستشفيات الخاصة تعاني للحصول على الأدوية اللازمة لأن مستوردي الأدوية فرضوا شروطا على المستشفيات فيما يتعلق بالدفع.

الالتزامات الدولية

لبنان طرف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، والذي يلزمه باتخاذ خطوات لتحقيق "حق كل فرد في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية". ينبغي للدول الأطراف بموجب العهد ضمان "تهيئة ظروف من شأنها ضمان جميع الخدمات الطبية والعناية الطبية في حالة المرض". يشمل هذا وفقا "للجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، وهي هيئة الخبراء الدولية التي تراقب تنفيذ العهد:

توفير فرص متساوية وفي الوقت المناسب للحصول على الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية والتأهيلية الأساسية والتثقيف الصحي؛ وبرامج الفحص العادية؛ والعلاج المناسب للأمراض السائدة والأمراض والإصابات والإعاقة، ويفضل أن يكون ذلك على مستوى المجتمع؛ وتوفير الأدوية الأساسية؛ والعلاج والصحة العقلية المناسبة.

يشمل الحق في الصحة الوصول إلى "رعاية صحية مناسبة وفي الوقت المناسب" و"يجب أن تكون مرافق الصحة العامة والرعاية الصحية والسلع والخدمات، وكذلك البرامج، متوفرة بشكل كافٍ داخل الدولة الطرف". إن أي دولة "غير راغبة في استخدام الحد الأقصى من مواردها المتاحة لإعمال الحق في الصحة تنتهك التزاماتها" بموجب المادة 12 من العهد.

رغم أن العهد يعترف بالقيود الناجمة عن توافر الموارد وبأن الحق في الصحة يخضع للإعمال التدريجي، فقد رأت اللجنة أنه يفرض أيضا على الدول التزامات ذات أثر مباشر، بما في ذلك الالتزام باتخاذ خطوات نحو الإعمال الكامل الحق في الصحة. ينبغي أن تكون هذه الخطوات مدروسة وملموسة وموجهة نحو الإعمال الكامل للحق. بموجب العهد، يتعين على الدول اعتماد "التدابير التشريعية والإدارية والمتعلقة بالميزانية والقضائية والترويجية وغيرها من التدابير المناسبة للإعمال الكامل للحق في الصحة". وينبغي أن تضمن الدول أيضا ألا يحصل تراجع تجاه ضمان الحق في الصحة – أي عدم قدرة الناس مثلا على الوصول إلى أدوية كانوا قادرين على الوصول لها سابقا.

وعدم اتخاذ الدولة جميع التدابير اللازمة لحماية الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية من انتهاكات الحق في الصحة من جانب أطراف خارجية، أو عدم تنظيم أنشطة الأفراد أو الجماعات أو الشركات لمنعهم من انتهاك الحق في الصحة يشكل بدوره انتهاكا.