الناشط الحقوقي والصحفي البارز حسام بهجت (وسط الصورة)، يغادر قاعة المحكمة في محكمة جنايات القاهرة في 24 مارس/آذار 2016. في الأعوام الماضية تقوم السلطات المصرية بلا هوادة بملاحقة نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني قضائيا بسبب عملهم السلمي. 

 
© 2016 محمد الراعي/ "آيه بي فوتو"

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن البرلمان المصري وافق على قانون جديد للمنظمات غير الحكومية في 14 يوليو/تموز 2019 من شأنه الإبقاء على الكثير من القيود القائمة على عمل تلك المنظمات. يتعيّن على الرئيس عبد الفتاح السيسي ألا يوافق على هذا القانون وأن يُعيده إلى البرلمان لتعديله.

واجهت مصر ضغوطا داخلية وخارجية للرجوع عن قانون 2017 بالغ القسوة الذي هدد بسحق العمل المستقل لمنظمات المجتمع المدني، وكانت به مواد تقضي بحبس العاملين فيها جراء عملهم السلمي. في حين ألغى المشرّعون عقوبات السجن في القانون الجديد؛ إلا أنهم أبقوا على قيود مشددة على عمل المنظمات.

قال مايكل بَيْج، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "القيود في القانون الجديد، مقترنة بسعي الأجهزة الأمنية المصرية الحثيث لقمع المجتمع المدني بلا هوادة، تُظهر نية الحكومة المصرية سحق المنظمات المستقلة. إذا كانت هناك ذرة واحدة من النية الحسنة لتمكين المجتمع المدني من العمل باستقلالية، فعلى الرئيس السيسي إعادة القانون للبرلمان حتى يعالج عيوبه الخطيرة".

وافق البرلمان المصري على القانون الجديد، المعروف بـ "قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي"، بعد جلسة عامة واحدة فقط لمناقشة مواده الـ 107. بعد ذلك أرسل البرلمان القانون إلى "مجلس الدولة"، وهو هيئة قضائية تصدر مراجعات قانونية غير مُلزِمة للتشريعات. أرسل مجلس الدولة مراجعته إلى البرلمان بعد أقل من يوم، ويبدو أن البرلمان أرسل مشروع القانون إلى الرئاسة في 15 يوليو/تموز. أمام الرئيس السيسي 30 يوما للموافقة على القانون أو إعادته للبرلمان، لكن ليس من الواضح دائما – بسبب غياب الشفافية – متى يستلم الرئيس مشروعات القوانين من البرلمان.

يبدو أن الحكومة قد أتمّت عملها على مسودة القانون في مطلع أبريل/نيسان، لكن لم يتم إتاحتها للاطلاع، حتى بعد إرسالها للبرلمان في 26 يونيو/حزيران، قبل أيام من انتهاء دور الانعقاد وبدء الإجازة الفصلية للبرلمان. مدد رئيس مجلس النواب علي عبد العال عمل المجلس عدة مرات، قائلا "عليا ضغط" للانتهاء من القانون. قال إن القانون يجب أن يتم إصداره قبل "الاستعراض الدوري الشامل" المقبل لمصر أمام "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة"، المقرر انعقاده في نوفمبر/تشرين الثاني.

يحظر القانون الجديد مجموعة واسعة من الأنشطة، مثل "إجراء استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها أو إجراء البحوث الميدانية أو عرض نتائجها" دون موافقة حكومية. ينص القانون على ضرورة أن تضمن الحكومة في استطلاعات الرأي والبحوث الميدانية "سلامتها وحيادها". يحظر القانون تماما أنشطة أخرى بموجب مصطلحات فضفاضة الصياغة، مثل الأنشطة "السياسية" أو أي أنشطة من شأنها الإخلال بـ "الأمن القومي".

كذلك يسمح القانون للحكومة بحلّ الجمعيات جراء مجموعة واسعة من "المخالفات" ويفرض غرامات تصل إلى مليون جنيه مصري (60 ألف دولار أمريكي) على المنظمات التي تعمل دون ترخيص أو التي ترسل وتتلقى الأموال دون موافقة الحكومة. يفرض القانون غرامات تصل إلى نصف مليون جنيه (30 ألف دولار أمريكي) على المنظمات التي تنفق تمويلها بأشكال تراها الحكومة "في غير النشاط الذي خصصت من أجله أو بالمخالفة للقوانين واللوائح" أو المنظمات التي ترفض تقديم أي بيانات أو معلومات حول أنشطتها بناء على طلبات الحكومة بذلك.

كما يحظر القانون الجديد التعاون مع منظمات أجنبية أو خبراء أجانب، ويفرض نظاما صارما بالموافقة المسبقة للمنظمات الأجنبية حتى تتمكن من العمل في البلاد، ويسمح للحكومة بمراقبة ورصد الأنشطة اليومية للمنظمات.

في مواجهة انتقادات دولية ومحلية، وعد الرئيس السيسي بمراجعة قانون 2017 السلطوي، أثناء كلمة له في نوفمبر/تشرين الثاني 2018. أقرّ بأن قانون 2017 نابع من "فوبيا" [أمنية].

استمرت حكومة السيسي بلا هوادة في مقاضاة العديد من المنظمات الحقوقية الرائدة والعاملين فيها لنشاطهم السلمي، بموجب عدد من التُهَم، في إجراءات قضائية مطوّلة ضمن "قضية التمويل الأجنبي" سيئة السمعة في 2011، فضلا عن عدة قضايا أخرى. في قضية التمويل الأجنبي، جمّدت الحكومة أصول ما لا يقل عن 7 منظمات و10 مدافعين حقوقيين، كما وضعت 28 شخصا منهم على قوائم حظر السفر، خلال السنوات القليلة الماضية.

اضطرت منظمات كثيرة إلى تقليص أنشطتها أو إغلاق مكاتبها بالكامل نتيجة للحملة الحكومية. كما أغلقت الحكومة أكثر من ألفَيْ منظمة، أغلبها جمعيات خيرية، بموجب قوانين فضفاضة وقمعية.

انتقد عدد من مسؤولي وهيئات الأمم المتحدة مصر بسبب قمعها للمنظمات المستقلة والمدافعين الحقوقيين. قال المفوض السامي السابق لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، زيد رعد الحسين إن مصر تستعين بقوانين مُسيئة لتبرير "الإسكات الممنهج للمجتمع المدني ولإغلاق الفضاء المدني". لم تسمح الحكومة بعد للمقرر الأممي الخاص المعني بحرية التجمع وتكوين الجمعيات بزيارة مصر، رغم تقديمه طلبات في 2011 و2013 و2017 بذلك.

في عهد الرئيس السيسي، قدمت السلطات أيضا قوانين جديدة تحظر العمل المدني والتجمعات العامة، وتعاقب على تلقي التمويل الأجنبي بعقوبات منها السجن المؤبد. ما لم تُلغ الحكومة أو تُعدّل هذه القوانين، سيستمر خضوع نشاط المجموعات المستقلة للعقاب والملاحقة القضائية أمام المحاكم الجنائية.

قال بيج: "بغضّ النظر عن حملات العلاقات العامة المبالغ فيها التي ستطلقها مصر للتغطية على العيوب الخطيرة في هذا القانون الجديد، فالواقع أن أجهزة أمن السيسي تعمل بلا هوادة لملاحقة النشطاء الحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني الشجعان، وكأنهم مجرمين وإرهابيين".

لم يُنشَر القانون الجديد بعد في الجريدة الرسمية المصرية. راجعت هيومن رايتس ووتش ما نشرته الصُحُف المصرية حول مواد القانون في 14 و15 يوليو/تموز، فضلا عن نسخة من مسودة القانون نشرها "المركز الدولي لقوانين المنظمات غير الهادفة للربح". يتيح القانون للمنظمات القائمة سنة واحدة منذ صدور اللوائح التنفيذية للقانون لإعادة التسجيل بموجب القانون الجديد.

القيود على التسجيل

تزعم الحكومة أن القانون يسمح للمنظمات بالتأسيس بمجرد إرسالها إخطارا للسلطات، بدلا من الحصول على تصريح حكومي مسبق. لكن القانون يسمح للحكومة بتجاهل أية إخطارات لا تستوفي "جميع البيانات والمستندات" المطلوبة. كما يسمح للحكومة برفض الإخطار خلال 60 يوما، مع إمكانية الطعن أمام محكمة القضاء الإداري.

يحظر القانون تسجيل أية منظمة تعمل على تقويض مصطلحات فضفاضة ومُبهمة مثل "الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة". لا يعرّف القانون هذه المصطلحات. لطالما استخدمت السلطات المصرية على نطاق واسع مثل هذه المصطلحات لتجريم ومقاضاة الأنشطة التي تندرج ضمن الحقوق التي يكفلها الدستور المصري والقانون الدولي، مثل التظاهر السلمي والعلاقات الجنسية بالتراضي والأنشطة الفنية.

ينص "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" (العهد الدولي) على أنه "لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق [حرية تكوين الجمعيات] غير تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم" (المادة 22.2).

بالتالي، يتعيّن أن تكون القيود على حرية تكوين الجمعيات "ضرورية في مجتمع ديمقراطي". على السلطات أن تشرح لماذا وكيف تعتبر أن أي تدبير تفرضه ضروريا ومتناسبا، أي أن القيود الأشدّ على الإطلاق على حرية تكوين الجمعيات، مثل حل الجمعيات، تحتاج إلى أقوى الأسباب الممكنة. كما أنه لا يمكن لأي قيود أن تقوّض أو تؤدي إلى إنكار جوهر الحقوق المكفولة في العهد الدولي.

كما لا يُسمح في القانون الجديد لكيانات أخرى بالانخراط فيما يعرفه القانون بـ "العمل الأهلي" وهو "كل عمل لا يهدف إلى الربح ويمارس بغرض تنمية المجتمع". هذا يعني أن جميع المنظمات المصرية المسجلة حاليا كمكاتب محاماة أو غير ذلك سيتعين عليها التسجيل بموجب القانون الجديد وإلا تواجه المقاضاة بعد سنة. سيكون للحكومة سلطة إغلاق أي منظمة تعمل دون تصريح وأن تصادر أصولها.

قيود مشددة على التمويل والأنشطة

أسوة بقانون 2017، يحظر القانون الجديد عددا كبيرا من الأنشطة السلمية التي تندرج عادة ضمن أعمال المنظمات غير الحكومية. ممثلا، يحظر القانون على المنظمات عمل أي استطلاعات رأي أو بحوث ميدانية دون موافقة حكومية مسبقة، كما يحظر بشكل مطلق أي نشاط "سياسي"، فضلا عن أي نشاط من شأنه الإخلال بـ "النظام العام أو الآداب العامة أو الوحدة الوطنية أو الأمن القومي".

كما يحظر القانون التعاون مع "جهة أجنبية داخل أو خارج البلاد". ولا يُسمح للمنظمات المصرية بتعيين أو الاستعانة بخدمات أو التعاون مع متطوعين أجانب أو عاملين بمنظمات أجنبية إلا بموافقة وزارية.

سعت السلطات المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى تجريم الاتصالات مع المنظمات الدولية واستدعت للاستجواب ضحايا زُعم أنهم قدموا شهادات عن انتهاكات ضدهم إلى هذه المنظمات.

يفرض القانون غرامات باهظة تتراوح بين 100 ألف ومليون جنيه مصري (6 آلاف إلى 60 ألف دولار أمريكي) جراء مخالفة العديد من مواده، مثل إرسال أو تلقي أموال أو تبرعات دون موافقة حكومية. ينص القانون أيضا على مصادرة جميع الأموال التي يتم تلقيها دون موافقة حكومية. هناك غرامات مماثلة ستُفرَض بسبب إجراء أعمال أهلية دون ترخيص.

يسمح القانون للحكومة – بقيادة الأجهزة الأمنية على الأرجح – بالتفتيش على جميع أعمال المنظمات غير الحكومية لضمان "أن يكون الإنفاق فيما ورد من أجله". سيتمتع الوزير المُختص (عادة وزير التضامن الاجتماعي، لكن يمكن للوائح التنفيذية أن تمنح تلك السلطات لوزراء آخرين أيضا) بسلطة إغلاق المنظمات لمدة عام كامل، التي تجد الحكومة أنها خالفت اللوائح الخاصة بتلقي وإنفاق الأموال أو تنفيذ أنشطة لم تُعلِن عنها عند تسجيلها. مُنِح الوزير المختص سلطة مماثلة في العديد من الحالات الأخرى.

يتعيّن أن تراجع إحدى المحاكم قرار الوزير وتحكم بتأييده أو رفضه، خلال 7 أيام. كما يمكن للوزير أن يطلب من المحكمة المختصة حلّ المنظمات في مثل هذه الحالات ومصادرة أصولها.

سيكون للمحاكم سلطة حلّ المنظمات التي تتلقى أموالا أو تتعاون مع منظمات أجنبية دون تصريح. ستُحَلّ المنظمات إذا لم تقُم بـ "أعمال فعلية أو برامج جدية" لمدة عام. لا يُعرّف القانون ماهية "الأعمال الفعلية" أو "البرامج الجدية".

الرقابة

يسمح القانون للمسؤولين الحكوميين وأجهزة الأمن بالتدخل في الأعمال اليومية للمنظمات. ينص القانون على أن أي موظف في منظمة ما "يمتنع عمدا عن تمكين الجهة الإدارية" من متابعة وفحص أعمال الجمعية يُعاقب بغرامة من 50 ألف إلى 500 ألف جنيه مصري (3 آلاف إلى 30 ألف دولار). ويفرض القانون غرامة باهظة بصورة غير متناسبة أيضا على مخالفات إدارية صغيرة، مثل عدم الإبلاغ بتغيير عنوان المنظمة في غضون 3 أشهر. يواجه مدير الجمعية نفس العقوبات التي يواجهها الموظفون إذا كان "يعلم" بالمخالفات.

ينص القانون على إنشاء "الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي" تحت إشراف الوزارة المختصة، على أن تختص الوحدة بالإشراف والرقابة على أعمال المنظمات غير الحكومية. هذه الوحدة مطلوب منها وضع آلية "للتبادل الفوري للمعلومات مع السلطات المختصة" في حالة "توافر اشتباه أو أسباب معقولة للاشتباه" بارتكاب أنشطة إرهابية.

في السنوات الأخيرة زاد استخدام الحكومة المصرية لتُهَم الإرهاب ضد المعارضين السلميين وصادرت أصول آلاف الأشخاص والمؤسسات التجارية والجمعيات، ووضعتها على قوائم الإرهاب دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة.

المنظمات الأجنبية والدولية

كما يفرض القانون قيودا غاية في التسلط على عمل المنظمات الأجنبية والدولية. إذ يفرض على المنظمات الدولية الحصول على تصريح بالعمل من وزارة الخارجية يكون ساريا لفترة محددة، قبل عمل أي نشاط في مصر. يُكلّف التصريح نحو 50 ألف جنيه مصري (3 آلاف دولار). يجب أن تكون طلبات التصاريح متوافقة مع "أولويات واحتياجات المجتمع المصري وفقا لخطط التنمية". يتعيّن على المنظمات الدولية تقديم أي "تقارير أو بيانات أو معلومات" حول أنشطتها إذا طلبتها "الجهة الإدارية". كما يحظر القانون على المنظمات الدولية تقديم أو تلقي أية تمويلات دون موافقة وزارية.

يُجيز القانون للوزير المختص إلغاء تصريح أية منظمة دولية دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، بذريعة أن المنظمة تُخِلّ بـ "السلامة العامة أو الأمن القومي أو النظام العام" أو جراء مخالفتها لشروط ترخيصها.