أتولى تغطية إسرائيل وفلسطين لصالح "هيومن رايتس ووتش". قبل عام، ألغت الحكومة الإسرائيلية تصريح عملي وأمرتني، أنا المواطن الأمريكي، بمغادرة البلاد في غضون أسبوعين بدعوى ترويجي لمقاطعة إسرائيل. طعنّا في إلغاء التصريح والقانون الذي استند إليه والذي يقضي بمنع دخول مناصري المقاطعة. جمدت محكمة ابتدائية إسرائيلية أمر ترحيلي طوال مدى الإجراءات. 

ملف أعدته وزارة الشؤون الاستراتيجية والدبلوماسية العامة الإسرائيلية بشأن أنشطة عمر شاكر، مدير مكتب هيومن رايتس ووتش في إسرائيل وفلسطين. شكل الملف الأساس الذي بنت الحكومة قرارها في 7 مايو/أيار 2018 لإلغاء تأشيرة عمله.

لكن المحكمة أيدت في الشهر الماضي الترحيل ومنحتني أسبوعين للمغادرة. استأنفنا هذا القرار أمام المحكمة العليا في إسرائيل وننتظر قرارا حول ما إذا كان سيُسمح لي بالبقاء هنا والعمل أثناء النظر في الاستئناف.

يزعم البعض أن مثل هذه الإجراءات ضرورية لحماية إسرائيل من "حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" (حركة المقاطعة). لكن بغض النظر عن موقفكم من الحركة، ينبغي لهذا القرار أن يقلقكم لـ3 أسباب. في الواقع، على داعمي إسرائيل أن يكونوا الأكثر قلقا من محاولة ترحيلي هذه. 

كبداية، لا يتعلق القرار بحركة المقاطعة، بل بإسكات مناصرة الحقوق. ترصد هيومن رايتس ووتش الانتهاكات الحقوقية في حوالي 100 دولة حول العالم، بما فيه جميع بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا تتخذ أي موقف بشأن المقاطعة، باستثناء الدفاع عن حق الناس في المقاطعة كشكل من أشكال التعبير السلمي. قالت الحكومة الإسرائيلية نفسها قبل عام إنه "لم تظهَر أي معلومات" تشير إلى ضلوع هيومن رايتس ووتش، أو أنا بصفتي ممثلها، في الترويج لمقاطعة إسرائيل.

ما قمنا به هو دعوة الشركات إلى التوقف عن دعم الانتهاكات الحقوقية، عبر الالتزام بمسؤولياتها بموجب "مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال وحقوق الإنسان". قادتنا سنوات من البحث إلى تحديد أن ممارسة الأعمال التجارية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي تعتبر غير قانونية بموجب "القانون الإنساني الدولي"، تعني دون استثناء التواطؤ في انتهاك الحقوق. تنشط هذه الشركات على أراضٍ صودرت بصورة غير قانونية من الفلسطينيين، وتتلقى تصاريح وبنية تحتية وموارد يُحرم منها الفلسطينيون المحليون بشكل منهجي، وتدفع الضرائب وتقدم الخدمات التي تدعم المستوطنات.

صحيح أن بعض هذه الشركات توظف عمالا فلسطينيين، لكن ليس لذلك أثر يذكر على معالجة الضرر الاقتصادي الهائل الذي تسببه السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالمستوطنات للاقتصاد الفلسطيني، مما يجبر الفلسطينيين في الواقع على العمل في شركات تُسهم في ارتكاب انتهاكات ضدهم. كما تعمل هذه الشركات في ظل نظام قانوني ثنائي الطبقات، يخضع فيه الفلسطينيون للقانون العسكري الإسرائيلي بالإضافة إلى القانون المعمول به قبل بدء الاحتلال في يونيو/حزيران 1967، في حين يستفيد الإسرائيليون العاملون فيها من الحماية الكبيرة التي يوفّرها القانون المدني الإسرائيلي.

مطالبة الشركات بالتوقف عن الانخراط في أنشطة تنتهك الحقوق في الأراضي المحتلة لا تعتبر دعوة للمستهلك إلى المقاطعة، ولا مقاطعة لإسرائيل نفسها. لكن وجدت المحكمة أن هذا الشكل الأساسي للمناصرة الحقوقية "يشكل بوضوح أنشطة تشجّع المقاطعة". إذا أيدت المحكمة العليا هذا القرار، سيعني هذا أن دعوة الشركات لتجنب الأعمال التجارية في المستوطنات قد تمنعكم من دخول إسرائيل والضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل.

من شأن هكذا قرار تأكيد تأييد المحكمة لحملة حكومة نتنياهو ضد النشطاء الحقوقيين والمناصرين. منعت إسرائيل دخول مناصرين حقوقيين آخرين، وصعّبت على جماعات المناصرة الإسرائيلية العمل ووسمتهم بالخونة، ومنعت نشطاء حقوقيين فلسطينيين من السفر واعتقلتهم

يجب أن يشعر أي شخص استثمر في التزام إسرائيل بالقيم الديمقراطية بالخوف من محاولات تكميم حرية التعبير والنقد هذه. 

غالبا ما يُتهم من يكرسون حياتهم للدفاع عن حقوق الفلسطينيين بأنهم يركزون بشكل غير عادل على إسرائيل. لكن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة في حالتي. عمل هيومن رايتس ووتش، وعملي في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ليس متأصلا فحسب في الالتزام الشامل بحقوق الإنسان - بما في ذلك حقوق الإسرائيليين – بل يشمل أيضا الانتهاكات التي يرتكبها فلسطينيون ضد فلسطينيين آخرين.

لا تعتبر تغطية هيومن رايتس ووتش للمستوطنات المرة الأولى ولا الوحيدة التي ندعو فيها الشركات إلى التوقف عن المساهمة في الانتهاكات الحقوقية. في الواقع، لدينا قسم كامل مخصص للبحث والمناصرة في مجال الأعمال وحقوق الإنسان. وبينما كان وضعي قيد التدقيق في إسرائيل، دعت هيومن رايتس ووتش شركات التكنولوجيا إلى تجنب التواطؤ في رقابة الحكومة الصينية، وشركات الغزل والنسيج في أوزبكستان إلى التأكد من عدم إسهامها في العمل القسري وعمالة الأطفال، وموضوعات عديدة أخرى. 

وبخلاف الأعمال، تعد هيومن رايتس ووتش تقارير عن الانتهاكات الحقوقية وانتهاكات القانون الإنساني الدولي على يد جميع الجهات الفاعلة في المنطقة، بما فيها السلطات الفلسطينية. من أهم الأبحاث التي أجريتها خلال فترة عملي كمدير لإسرائيل وفلسطين، تقرير من 149 صفحة حول الاعتقالات التعسفية المنهجية والتعذيب على يد "السلطة الفلسطينية" و "حماس"، بعنوان "سلطتان، طريقة واحدة، المعارضة ممنوعة".

قمت، قبل عملي في إسرائيل وفلسطين، بتغطية مصر لصالح هيومن رايتس ووتش. كما هو الحال مع إسرائيل/فلسطين، يعود شغفي بحقوق الإنسان في مصر إلى حين كنت طالبا في جامعة ستانفورد عندما كتبت أطروحة عن حركة المعارضة المصرية. أمضيت معظم سنتي في القاهرة أوثّق لـ هيومن رايتس ووتش "مجزرة رابعة"، إحدى أكبر عمليات القتل للمتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث مع مقتل حوالي 817 شخصا خلال 12 ساعة. كانت تلك أسوأ أيامي كناشط حقوقي. فحصت جثث المتظاهرين القتلى في المشارح وشاهدت عمليات القبض على أصدقاء وزملاء مصريين من حولي، كما وتهليل مصريين كُثر للقمع، وإنكارهم إنسانية الضحايا. عشية صدور تقريرنا عن عمليات القتل، أرغمتني المخاوف على سلامتي الشخصية على مغادرة مصر بعد منع زملائي الذين أتوا من أجل المؤتمر الصحفي من دخول البلاد.

مثلت، في وظيفة سابقة، رجلين محتجزين في خليج غوانتانامو. وحتى اليوم، عندما أفكر في الظلم، أتذكر المرة الأولى التي زرت فيها موكليّ المحتجزين منذ أكثر من عقد بلا تهمة في غوانتانامو. أفكر خصوصا بلحظة  كتبت عنها عندما لاح طيف أمل على وجه أحد موكليّ لأجد نفسي أنظر بلا وعي إلى ما تحت الطاولة نحو الأغلال حول قدميه.

علاوة على ذلك، تشكل القضية المرفوعة ضدي سابقة خطيرة تهدد كل من ينتقد السياسات الإسرائيلية. قررت الحكومة الإسرائيلية، بعد سماحها لي بالدخول، أنها غير معجبة بما قلته، فجمعَت ملفا استخباريا يضم التغريدات والعرائض التي وقعت عليها، ولقطات شاشة من مواقع إلكترونية لمجموعات طلابية التي تعود إلى الفترة التي كنت فيها طالبا قبل أكثر من عقد لتأمرني بمغادرة البلاد في غضون أسبوعين. ما الذي يمنع عدم حدوث ذلك أجانب آخرين في إسرائيل، ومنهم أزواج مواطنين إسرائيليين، أو طلاب يدرسون في الجامعات الإسرائيلية، أو أشخاص موجودين هنا للسياحة؟

يجعل القرار فعليا شكلا معينا من أشكال مناصرة حقوق الفلسطينيين غير شرعي. فكروا في الأمر: إذا كنتم ستقاطعون شركة لأنها تسيء معاملة العمال أو تميّز ضدهم، كما فعل آلاف الإسرائيليين مع مصنع "باركان" للنبيذ في العام الماضي بسبب تمييزه المزعوم ضد العمال الإثيوبيين، فهذا أمر مشروع. لكن إذا أطلقتم دعوة مقاطعة مماثلة ضد شركة ما بسبب انتهاكات حقوق الفلسطينيين، فإنكم تخاطرون بأن ترفض إسرائيل دخولكم أو ترحّلكم. ا الاختبار السياسي الحاسم لرفض دخول إسرائيل اليوم هو دعم دعوات المقاطعة. ولكن ألا يُحتمل أن يكون الاختبار غدا الدعوة إلى الانسحاب من المستوطنات أو حل الدولتين كبديل للقمع الدائم للفلسطينيين؟

أشارت المحكمة، في معرض تبرير قرارها بدعم إلغاء الحكومة لتأشيرة عملي، إلى رفضي التعهد علنا أمام المحكمة بعدم دعم "المقاطعة". (رفضت نظرا لأن القانون الإسرائيلي يحدد المصطلح ليشمل دعوة الشركات إلى التوقف عن القيام بأعمال تجارية في المستوطنات). هل سيتعين غدا على من يأملون في دخول إسرائيل التعهد، مثلا، بعدم الإشارة إلى الضفة الغربية على أنها "محتلة"؟ تمنع السلطات الإسرائيلية اليوم دخول الرعايا الأجانب وترحلهم بسبب مناصرتهم. هل يمكن استخدام نفس المنطق غدا لتقييد أو إيقاف النشطاء الحقوقيين الإسرائيليين والفلسطينيين على نفس الأساس؟

يفهم من يتابعون عن كثب الوضع هنا المخاطر. لقد انتقد طلب ترحيلي 27 دولة أوروبية (جميع دول الاتحاد الأوروبي باستثناء فيكتور أوربان من المجر)، و17 عضو  في الكونغرس الأمريكي، والأمين العام للأمم المتحدة، و3 مقررين خاصين للأمم المتحدة، وجماعات حقوق الإنسان الإسرائيلية جمعية حقوق المواطن في إسرائيل  و"بتسيلم"، ومنظمتي "مؤسسة الحق" و "مركز الميزان لحقوق الإنسان" الفلسطينيتين، و"المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان"، و"لجنة أمريكا لخدمات الأصدقاء"، و"منظمة العفو الدولية"ّ، و "مركز الحقوق الدستورية"، و "جمعية دراسات الشرق الأوسط"، و"الصندوق الجديد لإسرائيل "، ومجموعة  "رودس سكولارز"، و19 أستاذا من كلية الحقوق في جامعة ستانفورد حيث تابعت دراستي و جماعة "ترواه" الحاخامية.

أصبحت قضيتي مقياسا لانفتاح البلاد على من يتحدون سياساتها تجاه الفلسطينيين. يعتمد كل شيء على كيف ستحكم المحكمة العليا في استئنافنا، وإذا تم تأييد الترحيل، سيكون القرار الذي ستواجهه الحكومة بعد ذلك هو ما إذا كانت ستنفذ أمر الترحيل. إذا كنتم تهتمون بالتزام إسرائيل بالشفافية وحقوق الإنسان، فقد حان الوقت لرفع الصوت.