تونس: اعتقالات بتهمة "اللواط" تهدد الخصوصية

السلطات التونسية تصادر وتفحص الهواتف الخاصة بالرجال الذين تشتبه في كونهم مثليين، وتضغط عليهم لإجراء فحوص شرجية والاعتراف بالقيام بممارسات مثلية. 

(تونس) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن السلطات التونسية تصادر وتفحص الهواتف الخاصة بالرجال الذين تشتبه في كونهم مثليين، وتضغط عليهم لإجراء فحوص شرجية والاعتراف بالقيام بممارسات مثلية. ثم تستخدم النيابة العامة المعلومات التي يتم جمعها بهذه الطريقة لمقاضاتهم بتهمة "اللواط" بين أشخاص متراضين، بموجب القوانين التونسية القاسية التي تجرم المثلية.   

قالت آمنة القلالي، مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس: "لا دخل للسلطات التونسية في الممارسات الجنسية الخاصة للناس، وليس لها أن تعاملهم بوحشية وتهينهم تحت غطاء إنفاذ قوانين تمييزية. ينبغي لتونس إلغاء قوانين اللواط البالية واحترام حق كل شخص في الخصوصية".

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى 6 رجال حوكموا في عامي 2017 و2018 بموجب الفصل 230 من المجلة الجزائية (قانون العقوبات)، الذي يعاقب على السلوك المثلي بالتراضي بالسجن حتى 3 سنوات. أحد الذين تمت مقابلتهم كان في سن 17 فقط عندما اعتُقل أول مرة. اطلعت هيومن رايتس ووتش على الملفات القضائية لهذه القضايا و5 أخرى أسفرت عن محاكمات بموجب الفصل 230 أو الفصل 226، الذي يجرم "الاعتداء على الأخلاق الحميدة". وبالإضافة إلى انتهاك حقوق الخصوصية، شملت هذه الحالات شكاوى من سوء المعاملة في الحجز لدى الشرطة، والاعترافات المنتزعة قسرا والحرمان من التواصل مع محام.

اعتقلت الشرطة بعض هؤلاء الرجال بعد نشوب خلافات بينهم أو بعد أن أبلغ الجيران عنهم. وذهب اثنان منهم إلى الشرطة للإبلاغ عن تعرضهما للاغتصاب.

قضى بعض الرجال شهورا في السجن. غادر 3 منهم على الأقل تونس وتقدموا بطلبات لجوء في دول أوروبية.

دخل ك. س.، وهو مهندس عمره 32 عاما، مركزا للشرطة في المنستير في يونيو/حزيران 2018 لتقديم شكوى من تعرضه لاغتصاب جماعي، والحصول على أمر بإجراء فحص طبي لإصاباته. وبدلا من معاملته كضحية، قال إن الشرطة أمرت بإجراء فحص شرجي لتحديد ما إذا كان "معتادا على ممارسة اللواط". قال ك.س. لـ هيومن رايتس ووتش: " كانوا يعاملونني بشكل جنوني. ما دخلهم في ممارساتي الجنسية حتى يحققوا فيما كنت معتادا على اللواط؟"

وفي حالة أخرى، اعتقل شاب عمره 17 عاما 3 مرات بتهمة اللواط وأجبر على الخضوع لفحص شرجي، فضلا عن شهور من العلاج التحويلي في مركز احتجاز الأحداث. كلتا الممارستين المؤذيتين فقدتا مصداقيتهما.

اعتمد وكلاء الجمهورية التونسيون على نطاق واسع في السنوات الأخيرة على فحوصات الشرج القسرية بحثا عن "دليل" على ممارسة "اللواط"، على الرغم من أن الفحوص غير موثوقة بالمرة، وتشكل معاملة قاسية ومهينة ولا إنسانية يمكن أن ترقى إلى مستوى التعذيب.

في 21 سبتمبر/أيلول 2017، خلال المراجعة الدورية الشاملة في "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة"، وافقت تونس رسميا على توصية بإنهاء فحوصات الشرج القسرية. ومع ذلك، ذكر وفد تونس أن الفحوص الطبية ستجرى بناء على موافقة الشخص وبحضور خبير طبي. قالت هيومن رايتس ووتش إن هذا الموقف غير موثوق لأن المحاكم يمكن أن تفترض أن رفض الخضوع للفحص يؤكد التهمة. ينبغي لتونس التخلي عن الفحوص الشرجية بشكل نهائي.

الملاحقات القضائية المتعلقة بالجنس بالتراضي بين البالغين تنتهك الحق في الخصوصية وعدم التمييز الذي يضمنه "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، وتونس طرف فيه. وقد ذكرت "لجنة حقوق الإنسان" التابعة للأمم المتحدة، التي ترصد الامتثال للعهد، أن التوجه الجنسي هو وضع محمي من التمييز. وقد وجد "الفريق العامل المعنى بمسألة الاعتقال التعسفي" التابع للأمم المتحدة أن الاعتقالات المتعلقة بالسلوك المثلي بين البالغين المتراضين تعسفية بطبيعتها.

يُلزم الفصل 24 من دستور تونس لعام 2014 الحكومة بحماية حقوق الخصوصية وحرمة المسكن. ينص الفصل 21 على أن "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز". ويمنع الفصل 23 "التعذيب المعنوي والمادي".

تحظر "مجلة الإجراءات الجزائية" تفتيش المنازل ومصادرة الأغراض التي يمكن أن تخدم تحقيقا جنائيا بدون أمر قضائي، إلا في حالة القبض على الشخص متلبسا.

ينص الفصل 1 من "القانون عدد 63 بشأن حماية المعطيات الشخصية" على أنه "لكل شخص الحق في حماية المعطيات الشخصية المتعلقة بحياته الخاصة باعتبارها من الحقوق الأساسية المضمونة بالدستور. ولا يمكن أن تقع معالجتها إلا في إطارالشفافية والأمانة واحترام كرامة الإنسان". ومع ذلك، لا ينظم القانون 63 أو أي قانون محلي آخر شروط حجز البيانات الخاصة أثناء تحقيق الشرطة أو استخدامها.

في 12 يونيو/حزيران، اقترحت "لجنة الحريات الفردية والمساواة" التي شكلها الرئيس الباجي قائد السبسي، في جملة إجراءات أخرى، إلغاء تجريم المثلية الجنسية وإنهاء الفحوص الشرجية في التحقيقات الجنائية في المثلية الجنسية. واقترحت أيضا تجريم "اعتراض البريد الإلكتروني"، "اعتراض رسالة إلكترونية أو فتحها أو تسجيلها أو نشرها أو حفظها أو حذفها".

في 11 أكتوبر/تشرين الأول، قدم 13 عضوا في البرلمان التونسي مقترح مشروع قانون أساسي متعلق بالحقوق والحريات الفردية، تضمّن عدة مقترحات من اللجنة الرئاسية بما في ذلك إلغاء الفصل 230.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للبرلمان التسريع بمشروع القانون هذا وإلغاء الفصل 230. ينبغي أن يُسن قانون يحمي خصوصية الأشخاص فعليا، من خلال تنظيم وضع اليد على البيانات الخاصة واستخدامها أثناء التحقيقات الجنائية، مع ما يترتب على ذلك من انتهاك هذا القانون.

في هذه الأثناء، ينبغي لوزارة العدل أن توجه وكلاء الجمهورية نحو التخلي عن الملاحقات القضائية بموجب الفصل رقم 230. وينبغي لوزارة الداخلية التحقيق في تقارير إساءة معاملة الأشخاص الذين تم القبض عليهم بناء على هويتهم الجندرية أو توجههم الجنسي.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات وجها لوجه مع رجال في تونس ومقابلات هاتفية مع آخرين فروا إلى بلدان أوروبية. استُخدمت أسماء مستعارة لحماية خصوصيتهم.

تتوجه هيومن رايتس وواتش بالشكر الى كل من "شمس" و"دمج"، وهما منظمتان للدفاع عن حقوق المثليين/ات، ومزدوجي/ات التوجه الجنسي، ومتحولي/متحولات النوع الاجتماعي (مجتمع الميم).

روايات رجال توبعوا قضائيا

ك. س. (32 عاما)، مهندس

كان ك. س. يعمل في شركة دولية في تونس العاصمة. قال إنه في 8 يونيو/حزيران، ذهب لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في منزل أحد الأصدقاء في المنستير الساحلية. كان قد تحدث مع رجل من المنستير على "غرايندر"، وهو تطبيق مواعدة للمثليين. اتفقا على موعد والتقيا في مقهى في نفس اليوم. دعا الرجل ك. س. إلى منزله، لكن عند وصولهما، أصبح الرجل عدوانيا وشهر أمام ك. س. شارة الشرطة. وصل رجلان آخران، وبدؤوا في إهانته، واصفين إياه بـ"المريض". قال أحدهم: "أنتم قوم لوط تستحقون القتل، أنتم مثل الميكروبات".

لكموه وصفعوه على وجهه، على حد قوله. ثم قال الرجل الذي دعاه: "سنريكم اللواط". ثم أجبره الرجال على خلع ثيابه والانحناء. قبض اثنان منهم علي ك.س. بإحكام، بينما أدخل الثالث عصا في شرجه. قال ك. س.: "كان ذلك لا يطاق، شعرت أنه سيغمى علي". وفي النهاية تركوه يغادر.

كنت أرتعش وأنزف [عندما وصلت إلى منزل صديقي]. في اليوم التالي، ذهبت إلى مستشفى فطومة بورقيبة في المنستير. أردت فقط الحصول على علاج طبي والتحقق من عدم وجود نزيف داخلي.

لكن، كما قال، رفض الطبيب فحصه بدون أمر من الشرطة:

ذهبتُ إلى مركز الشرطة في حي سقانص في المنستير، لمحاولة الحصول على أمر الفحص. لم أكن أريد إخبار الشرطة بالقصة كاملة، لذلك قلت إن 3 رجال اغتصبوني. غادر الشرطي الذي كان يطبع بياني الغرفة. عندها، رأيت على الشاشة أنه كان يوجه تعليمات إلى الطبيب في مستشفى فطومة بورقيبة للتحقق مما إذا كنت ´معتادا على ممارسة اللواط´. أحسست بالدم يتجمد في عروقي من شدة الصدمة.

راجعت هيومن رايتس ووتش أمر الفحص الصادر عن الشرطة في 9 يونيو/حزيران، حيث أمر قائد الشرطة الطبيب بالتحقق مما إذا كان "اعتاد على ممارسة اللواط" وما إذا كان ضحية اغتصاب.

قال ك. س. إنه عندما عاد الشرطي إلى المكتب، سأله إن كان يمكنه أن يغادر. أجاب الشرطي: "تغادر إلى أين؟ لا يمكنك المغادرة قبل أن نتحقق من الأشياء التي تقوم بها". استدعى الشرطي سيارة دورية لنقل ك. س. إلى المستشفى.

أخبرني الطبيب أن لديه أمرا بإجراء فحص شرجي. قال: "نريد أن نتحقق مما إذا كانت هذه عادة". أصابني الرعب. أخبرته أنني لا أريد إجراء الفحص. لكنه أصر على أنه مضطر للقيام به. أمرني بنزع سروالي والانحناء في وضع الصلاة [على اليدين والركبتين] فوق السرير الطبي. وضع قفازين وبدأ يفحصني بأصابعه. شعرت بالغثيان عندها، وأخبرته أنني أريد الذهاب إلى المرحاض. كنت أرغب في إيقاف هذا الإذلال. سمح لي بالذهاب. تمكنت من تجنب رجال الشرطة الذين كانوا ينتظرونني في الممر وغادرت المستشفى. عندما وصلت إلى موقف السيارات، بدأت بالركض حتى شعرت بالأمان، ثم ذهبت إلى منزل صديقي.

قال ك. س. إنه استقل طائرة في 13 يونيو/حزيران إلى بلجيكا، حيث تقدم بطلب للجوء.

ك. ب. (41 عاما) مخرج أفلام وثائقية

أمضى ك. ب. 13 شهرا في الحبس الاحتياطي بتهمة اللواط والاحتجاز غير القانوني، وهو متزوج وأب لطفلة عمرها 8 سنوات. قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه في 3 مارس/آذار 2017، في حوالي الساعة 9 مساء، ذهب إلى وسط العاصمة لتناول بعض المشروبات. وبينما كان يجلس في حانة، اقترب منه الشاب س. ز. وتجاذبا أطراف الحديث لبعض الوقت، ثم دعاه ك. ب. إلى منزله. قال إنه بعد ممارسة الجنس، ذهب إلى المطبخ لإعداد بعض الطعام. وعندما عاد إلى غرفة الجلوس، وجد الشاب يسرق مالا من محفظته. حاول ك. ب. إجباره على الخروج من شقته، لكن الرجل أغلق الباب على نفسه في غرفة النوم، وذهب إلى الشرفة حيث أخذ يصرخ طلبا للنجدة. وصل رجال الشرطة واعتقلوهما واقتادوهما إلى مركز شرطة حي العوينة.

عاملتني الشرطة بازدراء. كان أول سؤال طرحه المحقق هو ما إذا كنت قد مارست الجنس مع س. ز. نفيت بشكل قاطع وأخبرته بأننا تناولنا مشروبات مع بعضنا فقط. لكنه قال إن س. ز. اعترف. سألني المحقق: "ألا تخجل من نفسك؟"

قال ك. ب. إنه أعيد إلى الاحتجاز، وبعد بضعة أسابيع قرر الخضوع للفحوص على أمل أن تثبت النتائج السلبية براءته. قال إنه أبلغ قاضي التحقيق خلال جلسة استماع وأصدر القاضي أمرا بالفحص. أخذه رجال الشرطة مرة أخرى إلى "مستشفى شارل نيكول".

كان أسوأ شيء حدث لي على الإطلاق. طلب مني الطبيب التجرد من ملابسي والخضوع للفحص. طلب مني الانحناء. كان في الغرفة شرطي ومساعد طبي يشاهدان. وضع الطبيب إصبعا واحدا في فتحة الشرج وقام بتحريكه. شعرت بالخجل. شرعت أنني أُجرد من إنسانيتي.

قال ك. ب. إنه رغم نتيجة الفحص السلبية، إلا أن قاضي التحقيق أدانه بتهمة "اللواط". وجاء في القرار الذي يحيل الملف إلى المحكمة أن المدة بين الفعل المزعوم والفحص منع المحكمة من استبعاد أن ك. ب. "اعتاد على ممارسة اللواط".

في مايو/أيار 2018، وبعد 13 شهرا من وضع المحكمة ك. ب. في الحبس الاحتياطي، برّأته وأخلت سبيله.

كتب قاضي التحقيق في قرار الاتهام أن س. ز. اعترف للشرطة بـ"ارتكاب جريمة اللواط مقابل المال" وأنه اعترف بأنه "استهدف الرجال الذين التقى بهم عبر الفيسبوك وقابلهم". يقتبس القاضي من محضر الشرطة الذي يصف بشكل فج العلاقة الجنسية بين ك. ب. وس. ز.. يذكر القاضي أيضا أن ك. ب. نفى تهمة اللواط، وذكر بدل ذلك أنه وس. ز. كانا فقط يتناولان مشروبات في منزله ولم يمارسا الجنس.

يلاحظ قاضي التحقيق أن س. ز. تراجع عن اعترافه في وقت لاحق وقال إنه أعطى تعليمات للطبيب الشرعي في مستشفى شارل نيكول بالقيام بفحص شرجي لتحديد ما إذا كان ك. ب. "يحمل علامات ممارسة نشاط مثلي" مؤخرا أو ما إذا كان "يمارس اللواط بطريقة معتادة".

استندت إدانة القاضي لـ ك. ب. على اعتراف س. ز. للشرطة، الذي تم استبعاده فيما بعد من ملابسات القضية، مما "يبين أن الرجلين ليس لديهما سبب آخر للذهاب إلى منزل ك. ب."، وإلى رفض ك. ب. الخضوع للفحص الشرجي. كتب القاضي انه بالنظر إلى أن الفحص أُجري بعد 20 يوما من الحادث الذي تم الإبلاغ عنه، "تعذر على القائم بالاختبار الوقوف على آثار ممارسة اللواط التي تنمحي بعد مرور خمسة ايام من حصول الواقعة".

"حر" (إسم مستعار) (32 عاما)، حلاق

قال حر إنه في ليلة 5 أبريل/نيسان 2018، ذهب مع صديقة من سوسة إلى المنستير لتناول مشروبات ولقاء شريكه. وعندما وصلا حوالي الساعة 9 مساء، قال إن رجال الشرطة أوقفوهما وطلبوا وثائقهما، ثم أمروهما بمرافقتهم إلى المركز للتحقق من هويتما أكثر. كان حر ينتظر خارج مركز الشرطة.

أثناء الانتظار، تلقى حر رسالة غاضبة من صديقه يسأله عن سبب تأخره. وأوضح حر مكان وجوده والتقط صورة للمركز كدليل. ورآه رجل شرطة فصادر هاتفه، قائلا إنه عرّض أمن الدولة للخطر. أخذه إلى غرفة استجواب، حيث قيّده شرطي آخر إلى كرسي. فتّش الهاتف فعثر على صور عارية لحر، ثم راجع نشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي وقرأ المحادثات التي أجراها مع رجال حول تطبيقات مواعدة للمثليين ودردشاته مع صديقه على تطبيق "فيسبوك ميسنجر"، كان بعضها ذا طابع جنسي.

قال حر إن رجل الشرطة التفت إليه قائلا: "أنا أكرهكم أيها اللواطيون. ستدفع ثمن شذوذك". وقال إن رجال شرطة آخرين في الغرفة أهانوه. استجوبه الشرطي بشأن نشاطه الجنسي، وكتب تقريرا، وطلب منه التوقيع عليه. عندما رفض حر، صفعه شرطي قائلا: "آه، الآن تحاول أن تكون رجلا. فقط وقع هنا أيها الحثالة". وقع حر على التقرير دون قراءته.

لم تذكر الشرطة في أي مرحلة من مراحل التحقيق أن له الحق في التحدث إلى محام. في حوالي منتصف الليل، نُقل إلى زنزانة حيث قضى الليلة. وفي اليوم التالي، أُخذ إلى وكيل الجمهورية، الذي اتهمه باللواط ولكنه قرر الإفراج عنه مؤقتا في انتظار المحاكمة. في 6 يونيو/حزيران، مثل أمام المحكمة الابتدائية في المنستير. أغلق القاضي الرئيس قاعة المحكمة أمام الجمهور.

كان أول سؤال وجهه إليّ هو ما إذا كنت معتادا على ممارسة اللواط. قلت له أنني لست كذلك. سأل السؤال مرة أخرى، ثم سأل: "لماذا اعترفت؟" أجبت، "لأن الشرطة أجبرتني على ذلك". سأل القاضي، "ولكن إذا لم تكن لواطيا، لماذا تلبس مثل هذا اللباس، لماذا تبدو مثل واحد منهم؟"

قال إن القاضي أجّل المحاكمة إلى 14 يونيو/حزيران، حيث أدان حر وحكم عليه بالسجن 4 أشهر، استنادا إلى محادثاته الهاتفية واعترافه القسري. استأنف حر الحكم.

م. ر. (26 عاما)، مسعف

كان م. ر. يعمل في مستشفى في تبوربه، وهي مدينة على بعد 40 كيلومتر إلى الغرب من تونس. فر إلى فرنسا وتقدم بطلب لجوء بعد اتهامه بموجب الفصل 230 ومُنح حق الإفراج قبل المحاكمة.

قال م. ر. إنه كان دائما يخفي توجهه الجنسي بسبب الوصم الاجتماعي الشديد. في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، تحدث مع رجل على فيسبوك. أرسل له الرجل، المسمى أ. ف.، صورا له، وقررا اللقاء ببعضهما. وعندما فعلا، أدرك م. ر. أن الصور زائفة فقال له أنه لن يمارس الجنس معه. بعد بضعة أيام، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني،، جاء أ.ف. يقرع باب منزله في حوالي الساعة 4 صباحا. فتح م. ر. الباب خوفا من فضيحة، ليجد أ. ف. في حالة سكر ويشهر سكينا. صفعه أ. ف. وأمره بنزع ملابسه، واغتصبه، مهددا بذبحه. بعد بضع ساعات، أمره أ. ف. بشراء سجائر له، فذهب إلى مركز شرطة تبوربه وقدم شكوى بتعرضه للاغتصاب.

عندما أخبرت رجال الشرطة عن الاغتصاب، سألوني كيف عرفت الرجل وكيف التقينا. تهربت من الأسئلة، لكنهم أصروا. أخبرتهم أنني مثلي، فتغير سلوكهم على الفور. قال رئيس دائرة الشرطة: "إذن أنت من بدأ كل هذا، أنت شريك في الجريمة، ليس هناك اغتصاب - أنت تستحق ما حدث لك". ثم ناولني أمرا بإجراء فحص شرجي في اليوم التالي في مستشفى شارل نيكول.

استجوبت الشرطة م. ر.، ثم رافقته إلى شقته، حيث اعتقلت أ. ف. أمرت الشرطة م. ر. بالخضوع للفحص الشرجي، ثم رفعت تقريرا إلى محكمة الدرجة الأولى في منوبة. استشار م. ر. منظمة "شمس" غير الحكومية التي تدافع عن الأقليات الجنسية، وقرر عدم الخضوع للفحص الشرجي. وعندما مثل أمام المحكمة، عامله القاضي كمجرم، وليس كضحية. قال م. ر.:

سأل أسئلة عن حياتي الجنسية ومتى بدأت ممارسة اللواط مع رجال آخرين. قال إنني أستحق كل ما حدث لي وإن عليّ أن أخجل من نفسي.

قال م. ر. إن القاضي اتهمه باللواط ومنحه السراح المؤقت قبل المحاكمة، واحتُجز أ. ف. في السجن واتُهم باللواط والاغتصاب.

تقدم لائحة الاتهام التي أصدرها قاضي التحقيق، والمؤرخة في 13 ديسمبر/كانون الأول 2017، تفاصيل مفترضة عن الحياة الحميمة لـ م. ر. بما فيها اعترافات بأنه مثلي. وتستند لائحة الاتهام أيضا على اعتراف أ.ف.، وتستشهد بالواقي الذكري المضبوط في منزل م. ر. كدليل.

قال م. ر. إنه بعد 3 أيام من اللقاء مع أ. ف.، ذهب للعمل في المستشفى. لكن المدير سلمه إخطارا بفصله على أساس أنه مقبل على المحاكمة.

كنت مضطرا للعودة إلى منزل أسرتي، وأصحبت بلا مرتب. كان الأمر أشبه بالعيش في سجن. ضربني والدي وإخوتي الكبار عدة مرات، حتى أن والدي حرقني بعقب سيجارة. لم يسمحولي بالخروج، وقالوا إنهم يخجلون بي

بعدما خسر كل شيء، هجر تونس إلى فرنسا.

          لم يكن أمامي اختيار آخر، شعرت بأن الجميع رفضني – أسرتي، المجتمع، زملائي. وكنت خائفا من دخول السجن.

قال منير بعتور، محامي م. ر.، لـ هيومن رايتس ووتش إن القضية متوقفة في المحكمة الابتدائية في منوبة، ولم تقدم للمحاكمة بعد. في 15 مايو/أيار 2018، أرسلت غرفة الاتهام لائحة الاتهام إلى محكمة التعقيب (أي  النقض) لتراجعها قانونيا، وهو ما لم يتم بعد.

ر. ف. ) 42 عاما)، عامل يومي، وم. ج. (22 عاما)، عاطل عن العمل

في 12 يونيو/حزيران 2018، أوقفت الشرطة في سيدي بوزيان ر.ف. وم. ج. بعدما ذهب ر. ف. إلى الشرطة ليخبرها أن م. ج. رفض مغادرة منزله.

قال م. ج. إن الشرطة حضرت إلى منزله وأخذت الرجلين إلى مركز الشرطة عند منتصف الليل تقريبا. استجوبهما العناصر في نفس الغرفة، وسألوهما كيف تعارفا. أخذ شرطي هاتف ر.ف. وشاهد مقاطع الفيديو المخزنة عليه، ثم قال لـ ر. ف.: "إذن أنت ميبون [مصطلح مهين للإشارة إلى المثليين]. قال م. ج.:

صفع أحد رجال الشرطة الأربعة الذين كانوا حاضرين أثناء الاستجواب ر. ف.، ثم التفت إلي وسألني: "ماذا كنتما تفعلان في البيت؟ أنا متأكد أنكما كنتما تمارسان الجنس، لذا لا بد من أنك أنت أيضا ميبون. أنتما تشوهان صورة البلد".

قال م. ج. إن رجال الشرطة ضربوه على وجهه ورأسه وظهره. عندما أنهت الشرطة الاستجواب في الساعة 3 صباحا، قدم له العناصر محضرا مكتوبا وأمروه بالتوقيع عليه. قال إنه طلب الاستعانة بمحام أولا، لكنهم رفضوا السماح له بالاتصال بمحام وشتموه. فوقع على المحضر.

جاء في محضر الشرطة، الذي راجعته هيومن رايتس ووتش، أنهما لم يطلبا محاميا. وتصف أقوال ر. ف. المزعومة، كما سجلتها الشرطة، بعبارات مفصلة كيف يمارس اللواط ويمارس الجنس مع الرجال. يذكر المحضر أن رجال الشرطة فتشوا هاتف ر. ف. الذكي وعثروا على مقاطع فيديو له يمارس فيها الجنس مع الرجال. صادرت الشرطة هاتفه، كما يقول المحضر، "كدليل على ارتكاب الجريمة".

بعد يومين من الاعتقال، قال م. ج. إنه ور. ف. مثلا أمام المدعي العام الذي سألهما: "ألا تخافا من العقاب الإلهي؟" وأمر بإيداعهما الحجز السابق للمحاكمة، حيث أودعا في سجن سيدي بوزيد. قال م. ج. إن أحد حراس السجن قام بمضايقته وسأله أسئلة فجة من قبيل: "كيف تفعل؟ هل تضاجع مقابل المال؟ لمَ تضاجع الرجال؟ أليس هناك ما يكفي من النساء في هذا البلد لتضاجعهن؟"

قال إنه أودع زنزانة مع مئة رجل آخرين، يبدو أنهم أُبلغوا "بجريمته". وعلى مدار الأيام التالية، قام النزلاء في الزنزانة بإهانته وضربه ومضايقته جنسيا. قال إنه في إحدى الليالي، رفض ممارسة الجنس مع "الكبران" وهو الرجل القوي في الزنزانة، فقام واثنان آخران بضربه. قال إنهما أمسكا ذراعيه، بينما صفعه الرجل القوي ولكمه على ذقنه.

بعد أسبوع من الاحتجاز، مثل أمام قاضي التحقيق الذي سأله عن سلوكه الجنسي. قال م. ج. إنه اعترف بأنه مثلي الجنس. وقال إنه لم يرتكب أي خطأ، لكن القاضي أجاب: "أنت تضر بالمجتمع".

حكمت المحكمة الابتدائية في سيدي بوزيد على الرجلين في 12 يونيو/حزيران بثلاثة أشهر سجنا بتهمة "اللواط". أيدت محكمة الاستئناف الحكم.

س. ش. (24 عاما)، وأ. ب. (22 عاما)

أوقفت الشرطة س. ش. وأ. ب. في سوسة في 8 ديسمبر/كانون الأول 2016، وقالت إنها وجدتهما يمارسان اللواط في مكان عام. حكم عليهما في 10 مارس/آذار 2017، بالسجن 8 أشهر بموجب الفصل 230 من المجلة الجزائية، وليس لاتهامات تتعلق بالفحش العلني. يصف محضر الشرطة اتصالهما الجنسي بالتفصيل ويخلص إلى أن س. ش. "ارتكب اللواط النشط"، في حين أ. ب. كان "اللواطي السلبي".

جاء في نص الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية في سوسة، والذي اطلعت عليه هيومن رايتس ووتش، أن كليهما نفى ارتكاب اللواط أو كونه مثليا. ويشير إلى أنهما خضعا للفحوص الشرجية في 9 ديسمبر/كانون الأول 2016، واتضح أنها "سلبية". وخلص القاضي إلى أن: "نتائج الفحوص الشرجية لا يمكن أن تبرئ المتهم من الجريمة، خاصة بالنظر إلى أن [الفحوص] أُنجزت بعد الوقائع بفترة". واستندت المحكمة في حكم الإدانة إلى تصريحات رجال الشرطة فقط فقالت:"من المناسب الحكم عليهما بالسجن ثمانية أشهر كحكم مناسب ورادع يتناسب مع الجريمة التي ارتكباها".

أ. ش. (18 عاما)، طالب

أُلقي القبض على أ. ش. 3 مرات لممارسة اللواط. كانت المرة الأولى في أغسطس/آب 2017، عندما كان عمره 17 عاما. اعتقلته الشرطة في منزله بعدما اشتكته شقيقتاه لكونها مثليا، واقتادته إلى مركز شرطة القصبة في تونس العاصمة. قال إنهم استجوبوه باستفاضة بشأن توجهه الجنسي وأخذوا هاتفه الذكي وبحثوا في بياناته الشخصية. في اليوم التالي، أخذوه إلى طبيب شرعي في مستشفى شارل نيكول لإجراء فحص شرجي. قال إنه لم يكن لديه محام وإن الشرطة لم تبلغه بحقه في الحصول على محام.

لم أفهم ما الذي كان يجري. أخبرتني الشرطة بأن الفحص إلزامي. قال لي الطبيب أن أنحني على سرير الفحص، ثم أدخل أصابعه في دواخلي. لم يشرح الطبيب بمَ يتعلق الفحص.

قال أ. ش. إنه أُفرج عنه دون تهمة بعد أن أمضى يومين في مركز شرطة القصبة.

في 15 مايو/أيار 2018، ذهب إلى مركز الشرطة في السيجومي في تونس العاصمة استجابة لاستدعاء. أخبره رجال الشرطة بأن أسرته تقدمت بشكوى ضده، واستجوبوه لمدة 4 ساعات تقريبا. اعترف أ. ش. بكونه مثلي الجنس. نقلته الشرطة إلى مركز الاحتجاز في بوشوشة في تونس العاصمة حيث قضى الليلة. وفي اليوم التالي، 16 مايو/أيار، مثل أمام المحكمة الابتدائية في سيدي حسين بالعاصمة، حيث استجوبه قاضي التحقيق. سأله: "لماذا أنت هكذا؟ ألا تعرف أن ما تفعله حرام؟"

أخبرت القاضي أنني لم أخالف أي قوانين، وأن ما أقوم به يخصني وحدي. أنا لم أمس أحدا بأذى. هذه حياتي الخاصة ولا ينبغي أن تكون محط اهتمام أي شخص آخر.

قال إن القاضي أمر باحتجازه شهرين في مركز لإعادة تأهيل الأحداث، حيث كان لا يزال طفلا، وأجبره على الخضوع "لعلاج تحويلي"، وهي طريقة أظهر بشكل مستفيض أنها غير موثوقة في تغيير التوجه الجنسي أو الهوية الجندرية للشخص. زاره طبيب نفسي في المركز مرتين، وقال له إنه "يجب أن يعمل على تغيير نفسه وعقله". ثم مثل أمام قاضي تحقيق آخر في 25 يونيو/حزيران أطلق سراحه.

قال أ. ش. إنه في 2 سبتمبر/أيلول، كان يقضي بعد الأغراض مع صديقه عندما أوقفتهما الشرطة وطلبت بطاقات هويتهما. قالت الشرطة لـ أ.ش. إن عائلته تقدمت بشكوى ضده. أخذوه إلى قسم شرطة حي هلال في العاصمة، حيث استجوبوه حول حياته الجنسية، وصادروا هاتفه، واطلعوا على صوره ومحادثاته الشخصية. أصدر وكيل الجمهورية أمرا بالقبض عليه، وأمضى 8 أيام في مركز اعتقال بوشوشة. وفي 20 سبتمبر/أيلول، مثل أمام قاض أفرج عنه دون تهم.

ف. ب. (28 عاما)، ن. أ. (21 عاما)، و ب. ك.، (27 عاما)، عمال يوميون

أوقفت الشرطة في مدينة سوسة الساحلية 3 رجال في يناير/كانون الثاني 2017، بعدما قال جيران إنهم يشتبهون في أنهم مثليون. قال قاضي التحقيق في لائحة الاتهام التي راجعتها هيومن رايتس ووتش إن الشرطة ذهبت إلى المنزل الذي كان يقيم فيه الرجال، واستولت على هواتفهم، حيث وجدت عليها "أدلة على أنهم لواطيون"، وكذلك "ملابس نسائية"، وأخذت الرجال إلى مركز الشرطة.

قضت قاضية التحقيق إن الرجال أساؤوا إلى الأخلاق الحميدة بناء على محتوى الهواتف المضبوطة و"لأنهم كانوا يرتدون ملابس نسائية، ويضعون أحمر الشفاه، ويتحدثون بطريقة مرتخية". لا يشير محضر الشرطة ولا قرار الاتهام، اللذان يتضمنان عادة معلومات حول الأمر القضائي إذا وُجد، إلى أن الشرطة كانت تتوفر عليه. حُكم على الرجال الثلاثة بالسجن شهرين بتهمة الاعتداء على الأخلاق الحميدة وقضوا عقوباتهم بالفعل.