يتكرر المشهد مع إعلان السعودية إنشاء آليات رسمية لتقصي وفيات المدنيين على أيدي ضباطها، لكن من دون إجراء أي تحقيقات موثوقة في تلك الوفيات. يمكن لمراقبي التحقيق في قضية جمال خاشقجي استخلاص دروس مهمة من سجل السعودية المريع في هذا المجال، في حين يمكن للمهتمين بجرائم الحرب في اليمن استخدام قضية خاشقجي لاستخلاص العِبَر.

تستحق كل ضحية لغارات التحالف السعودي غير القانوني في اليمن الاهتمام نفسه ككاتب في صحيفة "واشنطن بوست". تكثر أعداد الضحايا، ممن قُتلوا أو جُرحوا في تفجيرات التحالف بقيادة السعودية: عريس وحفل زفافه، وطفل مسجون، وقرويون يحفرون بئرا، وحشود تتبضّع في السوق.

لم تثر أي من جرائم الحرب الظاهرية في اليمن الغضب الدولي نفسه الذي تسبب به مقتل خاشقجي في الأسابيع القليلة الماضية. اعترف المسؤولون السعوديون أخيرا، في 20 أكتوبر/تشرين الأول، تحت ضغوط خارجية شديدة، بوفاة خاشقجي في قنصليتهم في إسطنبول، بعد أسابيع من الكذب والتشويش المتكرر تجاه مصيره.

بسبب الرد المذهل على مقتله، قد يُخيّل للمرء بأن المسؤولين السعوديين المتورطين في انتهاكات حقوق فاضحة سيدفعون أخيرا ثمن الجرائم التي ارتكبوها داخليا وخارجيا، وأن الغضب نتيجة قضية خاشقجي سيحفز حلفاء المملكة الغربيين على المطالبة بالمساءلة بطريقة لم تكُن كفيلة 4 سنوات من الفظائع في اليمن أن تضمنها.

لكن قال الرئيس دونالد ترامب، المشيد بحكام مستبدين كثيرين حول العالم، بعد أيام من دعوته السعودية للتحقيق، إنه وجد تفسيرها لوفاة خاشقجي مقنعا. أضاف أمام صحفيين: "أعتقد أننا نقترب من حل مشكلة كبيرة".

لا يتبع السعوديون وحدهم قواعد اللعبة هذه، بل الأمريكيون أيضا.

سلّح التحالف بقيادة السعودية (المسلّح والمدعوم من الولايات المتحدة)  لسنوات عديدة آلاف المدنيين في اليمن، مخلفا وراءه الدمار والموت والخراب. لدى سؤال الأمريكيين عن انتهاكات قوات التحالف المزعومة لقوانين الحرب، من قصف لقاعة جنازة مزدحمة إلى تدمير حافلة ومقتل 26 شخصا، يميل المسؤولون هناك لاتباع خطة مماثلة: الإعراب عن القلق، ودعوة التحالف للتحقيق، والإشادة بالتحالف عندما يقوم بالتحقيق مهما كان ضعف النتائج، والتنويه بأي وعد بتحقيقات إضافية أو دفع تعويضات، والسماح بأن تختفي هذه الوعود بهدوء بمجرد أن يتراجع الضغط الدولي وأي ضغط سياسي محلي.

بدأ التحالف بقيادة السعودية عملياته العسكرية ضد الحوثيين، جماعة مسلحة من شمال اليمن، في مارس/آذار 2015، بعد أن استولت على جزء كبير من البلاد. دمرت الغارات الجوية للتحالف البنية التحتية المدنية الحيوية في بلد فقير بالأساس. أصابت المستشفيات والأسواق والمصانع في بلد تداعى فيه النظام الصحي والاقتصادي وغدا السكان على حافة المجاعة. تسببت الهجمات بمقتل مدنيين يحاولون البقاء أحياء مع ارتفاع أسعار الوقود، والنقص الحاد في الغذاء، وانتشار الكوليرا والأمراض الفتاكة الأخرى.

خلال ذلك، عملت الولايات المتحدة على إعادة تزويد طائرات التحالف بالوقود لمتابعة قصفها، وقدمت معلومات استخباراتية تكتيكية، وباعت أسلحة بمليارات الدولارات للسعودية، مخاطِرة بالتواطؤ في جرائم حرب التحالف.

في مواجهة تصاعد الضغوط العالمية على السعودية فيما يتعلق بطريقة شنها للحرب على اليمن، أنشأ التحالف هيئة تحقيق دُعيت "فريق تقييم الحوادث المشترك". من وقتها، أشار حلفاء التحالف مرارا، بما في ذلك الولايات المتحدة، إلى وجود الفريق كدليل على جدية التحالف في التقليل من الضرر اللاحق بالمدنيين.

اختبرت "هيومن رايتس ووتش" هذه الادعاءات بشكل شامل، حيث  حلّلت عمل الفريق الذي كُلّف بتقييم "المطالبات والحوادث" خلال العامين الماضيين. وجدنا أنه لم يقدم أي إنجاز خلال عام 2018 كما كان الحال عام 2016. أعفت غالبية تقارير الحوادث التحالف من الخطأ القانوني، ولم تُشِر صراحة إلى مسؤولية أي دولة، ورفضت تقديم حتى تقديرات تقريبية للأضرار المدنية، ولم تقدّم تحليلا شاملا لقوانين الحرب، مما جعل استنتاجاتها مشكوكا بها للغاية.

أوصى الفريق بأن يدفع التحالف نوعا من المساعدة لضحايا أكثر من 12 اعتداء، حدث بعضها قبل سنوات. حتى في تلك الحالات، غالبا ما وضع الفريق اللوم على أخطاء فنية أو غير مقصودة (وفي مرة، على الطقس)، بدل العثور على أي خطأ حقيقي. أخبرنا رجل قُتل أقاربه وأُصيب ابنه (15 عاما) في إحدى الهجمات: "بعت كل شيء لرعاية جرحى عائلتي ... أنفقت جميع الأموال على المستشفيات"، مضيفا أنه لم يتلقَّ شيئا. تذمّر آخر: "قال التحالف (سندفع)، لكن من تلقى تعويضات؟ لا أعرف أي شخص دُفع له".

لا يزال من غير الواضح إن كان للفريق سلطة إجبار أعضاء التحالف على اتخاذ توصياته لتقديم المساءلة أو ضمانها.

أشاد وزير الخارجية مايك بومبيو، خلال شهادته للكونغرس التي سمحت باستمرار إعادة تزويد الولايات المتحدة بالوقود لطائرات التحالف، بإعلان التحالف نيته محاسبة المسؤولين عن الهجوم الأخير على الحافلة. لكن، لا شيء يؤكّد أنّ ذلك سيحصل. عندما قصفت قوات التحالف مراسم عزاء في صنعاء أواخر عام 2016، متسببةً بمقتل وجرح المئات، دفعت الضغوط العالمية التحالف إلى الاعتراف بالمسؤولية والاعتذار والوعد باتخاذ إجراءات إضافية. بعد عامين، ها هو التحالف يتّهم الضباط اليمنيين، من دون اتخاذ أي إجراء واضح ضد قواته المتورطة. لا يوجد أي دليل أنّ أي عضو في التحالف، بما في ذلك السعودية، يحقّق في دور قواته في جرائم حرب محتملة، ناهيك عن محاولة ملاحقة المسؤولين عن ذلك بموجب قوانين الحرب.

بدل أن يعمل الفريق كهيئة تحقيق حقيقية، كان مجرد أداة تشويش، إذ استخدمت الولايات المتحدة تحقيقاته كذريعة لمواصلة بيع الأسلحة في خضم جرائم حرب كثيرة. وجدت وكالة الأنباء السعودية الرسمية حتى أن نتائج الهيئة تدور حول الدفاع عن التحالف ودحض تقارير حقوقية أكثر من كونها تجري تحقيقات موثوقة.

شملت عناوين الأخبار الأخيرة التالي: "المتحدث باسم فريق تقييم الحوادث في اليمن يفند الادعاءات ..."، "يؤكد فريق تقييم الحوادث المشترك سلامة الإجراءات التي تتبعها قوات التحالف ... "، "يؤكد المتحدث باسم فريق التقييم تنفيذ إجراءات عمليات قوات التحالف العسكرية في اليمن وفقا لـ (القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية)"، و"فريق التقييم مستقل"...

لم تفلح السعودية لسنوات بإجراء تحقيقات موثوقة في أخطائها المزعومة في اليمن، ويبدو أنها أقامت تحقيقات مزيفة لتغطية آثارها، ولدى المسؤولين الأمريكيين كل الأسباب لمعرفة ذلك. يبدو الاعتماد على السعودية للتحقيق في وفاة جمال خاشقجي أو باقي الفظائع المتعددة في اليمن محاولة لتجاهل الأعمال الرهيبة بدل محاولة معرفة ما حدث.

في الوقت الذي أوضح فيه الرئيس دونالد ترامب نيته المساعدة في حماية السعودية من المساءلة قدر استطاعته، على الكونغرس زيادة الضغط ودفع الرياض بشكل عاجل إلى اتخاذ خطوات حقيقية وملموسة: مثل التعاون مع النداءات المتكررة بإجراء تحقيق للأمم المتحدة في وفاة خاشقجي؛ والإفراج عن الناشطات الحقوقيات المحتجزات؛ ووضع نظام تعويض فوري وفعال للمدنيين اليمنيين؛ والبدء بمحاكمة المتورطين في جرائم الحرب.

على الكونغرس المطالبة بالشفافية بشأن هذه الخطوات حتى يتمكن من رصدها، وعليه تعليق مبيعات الأسلحة والدعم اللوجستي والصيانة لأنظمة الأسلحة إلى أن يحدث تقدم حقيقي. سيُعتبر أي إجراء آخر إستراتيجية لتشتيت الانتباه حتى تُستكمل الأعمال - والاعتداءات - كالمعتاد.