زياد عيتاني 

© خاص

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الممثل زياد عيتاني، الذي تمت تبرئته من تهمة التجسس لمصلحة إسرائيل، روى تفاصيل اختفائه القسري وتعذيبه خلال اعتقاله في لبنان. في 29 مايو/أيار 2018، أقفل القاضي رياض أبو غيدا القضية ضد عيتاني واتهم شخصين بتلفيق التهمة له. كان قد أُطلق سراح عيتاني بدون كفالة في 13 مارس/آذار. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات اللبنانية إجراء تحقيق شامل ومحايد في مزاعم عيتاني حول تعرضه للإخفاء القسري والتعذيب على يد جهاز "أمن الدولة".

قال عيتاني لـ هيومن رايتس ووتش في مارس/آذار، إنه بعد توقيفه في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، احتُجز في ما يبدو أنه مركز احتجاز غير رسمي، حيث ضربه رجال بلباس مدني وقيدوه في وضعيات مؤلمة وعلقوه من معصميه وركلوه على وجهه وهددوا باغتصابه، كما هددوا بإيذاء أسرته جسديا وتوجيه التهم إليهم. سُرّبت تفاصيل التحقيق إلى الإعلام بعد أيام من توقيفه، وقال عيتاني إن محققين من أمن الدولة استفادوا من تضرر سمعته للضغط عليه لانتزاع اعترافات منه. قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطالت اللبنانية التحقيق في تسريب تفاصيل الاستجواب إلى وسائل الإعلام.

قالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "مزاعم عيتاني بالتعرض للتعذيب والإخفاء القسري تستدعي تحقيقا شاملا في معاملته خلال الاحتجاز وسبب توقيفه. إذا كانت تهمة عيتاني ملفقة فعلا، فهذا انتهاك كبير للعدالة، وعلى السلطات ضمان عدم تكرار ذلك".

قال عيتاني إنه احتُجز 6 أيام في ما يبدو أنه مركز غير رسمي، حيث عذبه رجال بلباس مدني حتى وقّع اعترافا قبل أن يحيلوه إلى المحكمة العسكرية.

نقلت وسائل إعلام محلية أن رئيسة "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية" السابقة المقدم سوزان الحاج، و"قرصان المعلوماتية" إيلي غبش، اتُّهما بموجب المادة 403 من قانون العقوبات بتلفيق التهمة لعيتاني، ويواجهان السجن حتى 10 سنوات. واتُّهم غبش أيضا بتزوير الأدلة ضد ضابط في الجيش في قضية أخرى. تكلمت هيومن رايتس ووتش مع عيتاني في مارس/آذار بعد إخلاء سبيله، لكنها لم تنشر شهادته حتى الآن بناء على طلبه. كما وجهت هيومن رايتس ووتش رسالة إلى أمن الدولة ومدعي عام التمييز، لكنها لم تتلقَّ أي رد ذي مغزى. 

قال عيتاني إنه، في أول فرصة سنحت له، أخبر قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا أنه تعرض للتعذيب، وأظهر له آثاره ومنها العلامات على معصميه بسبب التعليق. وقال إن القاضي سجّل الادعاءات وطلب فحصا طبيا يقوم به طبيب عسكري، لكن الطبيب لم يحقق في ادعاء التعذيب. راجعت هيومن رايتس ووتش تقرير قاضي التحقيق، ولم تجد أي ذكر للتعذيب مؤشر على أن القاضي قد أمر بالتحقيق في هذا الادعاء. 

في نوفمبر/تشرين الثاني، أقر لبنان قانونا جديدا يجرّم التعذيب ويوفر إجراءات خاصة للتحقيق في ادعاءات التعذيب وحماية الشهود. كما يؤمن إعادة تأهيل الضحايا والتعويض عليهم. قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات اللبنانية التحقيق في ادعاءات عيتاني بموجب هذا القانون. وكان لبنان قد أقر في أكتوبر/تشرين الأول 2016 قانونا لإنشاء "الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان"، التي تملك آلية وقائية وطنية ضد التعذيب. أعلن مجلس الوزراء أعضاء الهيئة في 21 مايو/أيار، ولكنه لم ينشئ أيا من المؤسستين بعد.

وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات لبنانية طوال سنين ادعاءات ذات مصداقية بالتعرض للتعذيب في لبنان. لم تحقق السلطات اللبنانية كما يجب في ادعاءات التعرض للتعذيب وسوء المعاملة على يد قوى الأمن، ولا تزال محاسبة التعذيب خلال الاحتجاز غائبة.

يحاكم لبنان بشكل اعتيادي المدنيين، ومنهم الأطفال، في محاكم عسكرية، منتهكا بذلك حقهم في المحاكمة العادلة والقانون الدولي. وثقت هيومن رايتس ووتش حالات عديدة قال فيها مدنيون يحاكَمون عسكريا بتهم متعلقة بالإرهاب والأمن إنهم تعرضوا للتعذيب لكي يعترفوا، وإن الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب استُخدمت كأدلة ضدهم في المحكمة.

قابلت هيومن رايتس ووتش رنا عيتاني، شقيقة زياد، في فبراير/شباط. قالت إن أسرتها لم تكن تعرف مكانه أو الجهة التي تحتجزه. كما قالت إن شقيقها أخبرهم باختصار ما حصل معه، وتتفق روايتها مع ما قاله زياد لـ هيومن رايتس ووتش لاحقا.

قال عيتاني إنه لم يتمكن من مقابلة محام أو أفراد أسرته قبل جلسة المحكمة الأولى، وبعدها تم ذلك فقط عبر فتحة في الباب وبحضور عسكريين. قال إنه لم يتمكن ولا مرة من مقابلة محاميه أو أسرته على انفراد، كما لم يُسمح له بمقابلة أسرته قبل 25 ديسمبر/كانون الأول، أي بعد أكثر من شهر من توقيفه. قالت هيومن رايتس ووتش إن الإجراءات الواجبة لحماية حقوق المحتجزين لم تُحترَم في قضية عيتاني.

بموجب القانون اللبناني، لا يحق للشرطة احتجاز المشتبه فيه بدون موافقة المدعي العام إلا إذا قُبض عليه بالجرم المشهود. يجب ألا تتعدى مدة الحبس الاحتياطي 48 ساعة، يمكن تمديدها 48 ساعة أخرى بموافقة المدعي العام. تضمن المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حق المشتبه فيهم المحتجزين بالاتصال بشخص يختارونه، مثل أحد أفراد الأسرة أو صاحب العمل، ومقابلة محام. على العناصر الذين يقومون بالتوقيف إبلاغ الموقوفين بهذه الحقوق مباشرة عند التوقيف.

توقيف السلطات شخصا ما ورفض الاعتراف بتوقيفه وإخفاء مصيره أو مكانه يعتبر بموجب القانون الدولي إخفاء قسريا. يواجه "المخفيون" خطر التعرض للتعذيب وسوء المعاملة، خاصة إذا كانوا محتجزين في مراكز غير رسمية. قالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب مثول المحتجزين أمام قاض في غضون 48 ساعة بعد التوقيف كحد أقصى.

بما أن لبنان طرف في "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، عليه اتخاذ إجراءات فعالة لمنع التعذيب والتحقيق بالادعاءات ذات المصداقية بالتعرض للتعذيب، ومحاسبة كل من يثبت ارتكابه التعذيب بالعقوبات المناسبة التي تأخذ بعين الاعتبار خطورة هذه الجريمة. قالت هيومن رايتس ووتش إن على البرلمان أن يعدّل المادة 49 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لضمان حق المشتبه فيهم بمحام منذ بداية فترة الاحتجاز أيا كان شكله.

قالت فقيه: "التعذيب ليس غير قانوني فحسب، إنما غير فعال أيضا، إذ قد يؤدي إلى اعترافات كاذبة. هذه القضية اختبار واضح لما إذا كان القانون اللبناني الجديد لمنع التعذيب سيساعد في إنهاء الإفلات من العقاب على هذه الجريمة، أو سيبقى حبرا على ورق".

شهادة عيتاني حول التعذيب

قال عيتاني لـ هيومن رايتس ووتش إنه في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، نحو الساعة 12:30 ظهرا، أجبر رجل بلباس مدني، قدّم نفسه فقط على أنه "الدولة"، على ركوب سيارة رباعية الدفع بعد انتهائه من تمرين مسرحي في عين الرمانة، إحدى ضواحي بيروت. قال عيتاني إن الرجل ضربه على وجهه وصدره وعصب عينيه. اقتيد إلى ما وصفه بـ"غرفة مجهزة للتعذيب"، مدهونة بكاملها بالأسود وتتدلى من جدرانها خطّافات معدنية. قال إن 6 رجال بملابس مدنية كانوا موجودين، اتهمه أحدهم "بالتخابر مع إسرائيل" ولكمه على وجهه. قال عيتاني إن الرجل هدد بأذية ابنته جسديا وإضافة زوجته وشقيقته إلى ملف التحقيق، وقال: "عليك أن تتكلم لأنه يجب أن تفهم أن التعذيب موجود في جميع البلدان".

قال عيتاني إن الرجال، الذين كان معهم ملف مكتوب عليه "أمن الدولة"، حققوا معه نحو ساعتين أو ثلاث حول علاقاته مع إسرائيل. ثم قال له أحدهم أن يتصل بزوجته ليخبرها بأنه سيغيب لمدة 10 أيام. قال عيتاني إنه لم يجد أي دلالة على أن المكان هو مركز احتجاز رسمي، حيث لم يرَ أي شخص يرتدي زيا رسميا أو محتجزين آخرين ولم يكن هناك أعلام أو شعارات رسمية، وإنه كان محتجزا في زنزانة داخل غرفة. أمن الدولة هو جهاز أمني لبناني يتبع لرئيس الوزراء، ويقع تحت صلاحية "المجلس الأعلى للدفاع".

سُرِّبت تفاصيل التحقيق مع عيتاني والتهم الموجهة إليه في وسائل الإعلام في غضون يوم من توقيفه، ووصف عيتاني هذا التسريب بـ"أكبر أشكال التعذيب التي رأيتها في حياتي. أخذوا هاتفي بينما كنت قابعا في زنزانتي وقرأوا الأخبار ومنشورات أصدقائي على "فيسبوك". فقدت الأمل... التعذيب النفسي والكلمات التي استخدموها كانت أفظع من التعذيب الجسدي". قال عيتاني إن المحققين أخبروه بأنهم يمنعون الناس من إحراق بيت والديه، وأن عليه التعاون.

قال عيتاني إن التعذيب الجسدي بدأ بعد رفضه توقيع الاعتراف نحو الساعة 6 مساء في 26 نوفمبر/تشرين الثاني. وقال إن 4 رجال قيدوه في وضعية مؤلمة على الأرض وضربه أحدهم بسلك بينما كان يصرخ. وقال إنهم لكموه على وجهه وصدره وبين رجليه، وركلوه، وإن أحد الرجال نزع عنه بنطاله وضربه على أعضائه التناسلية. ثم علق الرجال معصميه على قضيب بين جانبي الباب بحيث بالكاد تلمس قدماه الأرض، وتركوه هكذا لساعات.

قال عيتاني إن الرجال أنزلوه لاحقا وقيدوه بالأغلال فوقع على الأرض. ثم لكموه وركلوه على وجهه وداسوا عليه، ما سبب نزيفا في فمه وخسارته إحدى أسنانه. أرسل عيتاني لـ هيومن رايتس ووتش تقريرا طبيا فيه توثيق لإصابات في الفم في 7 أسنان. تذكر عيتاني أن أحد الرجال قال: "لا يهمني، سيفرح بنا الناس لاحقا لأنك خائن". ثم قيدوا معصميه مجددا إلى القضيب. ويتذكر أيضا أنه سمع أحدهم يتكلم على الهاتف، قائلا: "لا يمكننا تسليمه الآن فالآثار لا تزال على جسده".

قال عيتاني إن أحد الرجال، الذي يبدو أنه المسؤول، قال له إنهم سيدخلون قضيبا في مؤخرته إن لم يوقّع، وأشار إلى رجل آخر وهو يقول: "هذا سيركبك، ولا يهمنا لأنك خائن". فوافق عيتاني على التوقيع.

قال إن الرجال أخذوه في 28 نوفمبر/تشرين الثاني إلى المحكمة العسكرية في بيروت وسلموه إلى الشرطة العسكرية، حيث أمضى 54 يوما في الحجز الانفرادي. وقال: "لم يكشف عليّ أي طبيب، كان جسدي أزرق وكنت أبصق دما. لم أكن أستطيع التكلم بوضوح".