فتاة مهاجرة أفريقية تنظر حولها بينما تقف على جسر شُيِّد تحته مخيم مستحدث على الطريق السريع في ضواحي الجزائر العاصمة، الجزائر، 28 يونيو/حزيران 2017. 

© 2017 رويترز/زهرة بن سمرا

(بيروت) قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الجزائر رحّلت آلاف الرجال والنساء والأطفال منذ يناير/كانون الثاني 2018 إلى النيجر ومالي في ظروف لا إنسانية،  وفي حالات عدة، دون النظر إلى وضعهم القانوني في الجزائر أو وضعياتهم الهشة.

أجرت هيومن رايتس ووتش في أبريل/نيسان ومايو/أيار مقابلات مع 30 مهاجرا من جنوب الصحراء من جنسيات مختلفة، قالوا إن السلطات الجزائرية داهمت مناطق يُعرف أن المهاجرين يعيشون فيها، أو اعتقلتهم في الشوارع أو في مواقع البناء، وطردتهم جماعيا عبر الحدود مع النيجر أو مالي، في معظم الحالات بدون طعام ومع قليل من الماء. قالوا إنهم أجبِروا على السير عشرات الكيلومترات في الصحراء، في درجات حرارة عالية، قبل الوصول إلى البلدات التي وجدوا فيها مساعدة أو وسائل نقل خاصة.

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "للجزائر الحق في السيطرة على حدودها، لكن هذا لا يعني أنه يمكنها إيقاف الناس على أساس لون بشرتهم ورميهم في الصحراء، دون مراعاة وضعهم القانوني وبدون أي إجراءات قانونية".

قال جميع المهاجرين الذين قُوبلوا إنه أُلقي القبض عليهم مع العشرات وأحيانا المئات من المهاجرين الآخرين من الصحراء الجنوبية، في الشوارع وخلال المداهمات الليلية في الأحياء التي يتركز فيها المهاجرون أو في أماكن عملهم. قالوا إنه في معظم الحالات، لم يطلب رجال الشرطة أو رجال الدرك التحقق من وثائقهم.

بعض الذين لديهم تأشيرة صالحة أو شهادة من "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" (مفوضية اللاجئين) مفادها أن الأخيرة تراجع طلباتهم للحصول على وضع اللاجئ، حاولوا بلا جدوى إقناع قوات الأمن أنهم كانوا في الجزائر بشكل قانوني. قال أحد المهاجرين: "قالوا لنا: أنتم جميعا غير شرعيين هنا، لا يحق لكم أن تكونوا في الجزائر".

قال بعضهم إن الشرطة الجزائرية ضربت المهاجرين، ورفضت طلباتهم بأخذ أموالهم وممتلكاتهم معهم، وفي مناسبات عدة سرقت هواتفهم وممتلكاتهم الأخرى. كما أدت عمليات الطرد إلى فصل العائلات.

للجزائر الحق في السيطرة على حدودها، لكن هذا لا يعني أنه يمكنها إيقاف الناس على أساس لون بشرتهم ورميهم في الصحراء، دون مراعاة وضعهم القانوني وبدون أي إجراءات قانونية.

سارة ليا ويتسن

مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش

قالت إيمانويل )30 عاما( من ساحل العاج لـ هيومن رايتس ووتش إنها كانت حاملا في شهرها الثامن وتعيش مع طفلها ذي العامين في وهران، حيث تعمل في تنظيف المنازل. في 24 أبريل/نيسان، وصلت الشرطة إلى حيّها، المسمى "كوكا" في وهران، الساعة 4 صباحا، واعتقلت جميع أصحاب البشرة الداكنة دون السماح لهم بأخذ أموالهم أو ممتلكاتهم الأخرى. قالت إن الشرطة نقلتها في وقت لاحق مع ابنها ومئة شخص آخرين، من بينهم امرأة حامل أخرى وامرأة ولدت حديثا، من وهران إلى مستودع في رقان بولاية أدرار. أمضوا يوما هناك وفي الساعة 5 صباح 26 أبريل/نيسان، دفعتهم السلطات إلى الشاحنات، ونقلتهم إلى الحدود وأمرتهم بالسير إلى مالي. قالت إن كان لديها زجاجتان صغيرتان من الماء فقط لها ولابنها.

سرنا لساعات قبل أن نصل إلى خليل. هل يمكنك تصديق ذلك؟ أنا حامل في الشهر الثامن، ومعي طفل عمره عامين، نسير في الصحراء؟ كان الجو حارا جدا لدرجة أننا بالكاد كنا نتمكن من التنفس.

 

قال مهاجر آخر من غينيا، اعتُقل في تلمسان في 12 أبريل/نيسان، ورُحِّل في الحدود مع مالي بعد 4 أيام، "لم يتبق لي شيء. خسرت كل شيء. وصلت إلى غاو بدون قرش واحد في جيبي، بدون هاتف، أرتدي فقط سروالا وقميصا. عوملنا مثل الحيوانات".

قال أحمد أويحيى، رئيس حكومة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حينها، في 7 يوليو/تموز 2017، إن تجمعات المهاجرين "فيها الجريمة، فيها المخدرات"، وإن على السلطات حماية الشعب الجزائري من هذه "الفوضى".

قال وزير الداخلية نور الدين بدوي لوكالات الأنباء في 22 مارس/آذار 2018، إن إعادة المهاجرين تتم بناء على طلب بلدهم الأصلي. مع ذلك، قال المهاجرون الذين قُوبلوا إنهم لم يحصلوا على مساعدة في العودة الطوعية الى بلدانهم، سواء عن طريق "المنظمة الدولية للهجرة" أو من خلال الاتصالات مع قنصلياتهم أو سفاراتهم.

لا يعرف العدد الإجمالي للمهاجرين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى الذين طردوا من الجزائر منذ بداية الطرد الجماعي، في ديسمبر/كانون الأول 2016. قال الوزير بدوي أمام البرلمان في 22 مارس/آذار إن السلطات الجزائرية رحّلت نحو 27 ألف مهاجر من جنوب الصحراء في السنوات الثلاث الأخيرة.

قالت المنظمة الدولية للهجرة لـ هيومن رايتس ووتش في جوان إنه في عام 2018، أنقذت أكثر من 7000 مهاجر من مختلف الجنسيات غير النيجيرية المطرودين على حدود النيجر. كما ذكرت الوكالة أنها سجّلت22 قافلة عام 2018 تحمل 9037 مواطنا نيجيريا –6029 رجلا و 3008 امرأة – طردتهم الجزائر.

قالت منظمة غير حكومية في غاو، مالي، إنها ساعدت أكثر من 600 مهاجر من جنوب الصحراء طردوا من الجزائر منذ بداية العام. في 9 يونيو/حزيران، قالت إنها أنقذت 125 مهاجرا طردوا من الجزائر ذلك الأسبوع.

في 22 مايو/أيار، دعت "مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان" (مفوضية حقوق الإنسان) الحكومة الجزائرية إلى "الامتناع عن طرد المهاجرين طردا جماعيّا".

الجزائر طرف في "الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم" (اتفاقية العمال المهاجرين)، التي تحظر الطرد الجماعي للعمال المهاجرين وعائلاتهم وتتطلب فحص كل طرد محتمل بشكل فردي. تنطبق الاتفاقية على جميع العمال المهاجرين وأسرهم، بغض النظر عن وضعهم القانوني أو عملهم.

القانون رقم 08-11، الصادر في 25 يونيو/حزيران 2008، بشأن شروط الدخول والإقامة وحركة الأجانب في الجزائر، يمنح السلطات صلاحية طرد الأجانب الذين دخلوا الأراضي الجزائرية بصورة غير شرعية، أو انتهت صلاحية تأشيرات دخولهم، لكنه يطلب منها إبلاغ الشخص أن لديه بين 48 ساعة و15 يوما لمغادرة الإقليم. يُمنح الشخص 5 أيام للطعن في القرار أمام قاضي الأمور المستعجلة في المحكمة الإدارية، الذي أمامه 20 يوما لاتخاذ قرار بشأن مشروعية القرار. يتم تعليق الطرد بانتظار القرار. وجدت هيومن رايتس ووتش أن السلطات الجزائرية لم تتبع هذا الإجراء في الحالات الموثقة.

بصفتها طرفا في "الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين" لعام 1951 و"اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" لعام 1987، يُحظر على الجزائر ترحيل أي لاجئ أو طالب لجوء قسرا إلى مكان يواجه فيه خطر التعرض للاضطهاد، أو أي شخص آخر إلى مكان قد يتعرض فيه للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية والمهينة. يجب فحص مطالبات أي شخص يعبر عن هذه المخاوف في إجراءات كاملة وعادلة بينما يبقى الشخص في البلاد. رغم أن الجزائر طرف في اتفاقية اللاجئين، إلا أنها لم تعتمد أي إطار قانوني يعترف بعملية طلب اللجوء أو وضع اللاجئين.

على الحكومة الجزائرية وضع حد لعمليات الطرد التعسفي للمهاجرين وأن تضع نظاما عادلا وقانونيا للنظر في المهاجرين غير القانونيين. ينبغي أن يشمل الحق في الطعن في عمليات الطرد، وتسهيل الإعادة الطوعية في الوقت المناسب للمهاجرين الذين يرغبون في العودة إلى بلدهم الأصلي.

عمليات الطرد إلى حدود النيجر

ما بين 6 و25 أبريل/نيسان، قابلت هيومن رايتس ووتش 25 مهاجرا من جنوب الصحراء من بلدان غير النيجر، طُردوا قسرا عبر الحدود إلى النيجر أو تمكنوا من تفادي الترحيل في آخر لحظة. قال الذين اعتقلوا إما في الجزائر العاصمة أو وهران إن السلطات أوقفتهم في مجموعات، لا سيما في وقت متأخر من الليل أو في الصباح الباكر، واقتادتهم إلى مركز اعتقال لليلة أو ليلتين. كان المعتقلون في الجزائر العاصمة محتجزين في مخيم في زرالدة، على بعد حوالي 30 كيلومتر من العاصمة. وضع المعتقلون في وهران في مركز احتجاز في بئر الجير بوهران.

في معظم الحالات، نقلتهم السلطات إلى مخيم في تمنراست، على بعد ألفي كيلومتر جنوب الجزائر العاصمة، ووضعتهم في شاحنات وأخذتهم إلى ما بعد عين قزام، آخر مدينة جزائرية قبل الحدود. هناك قامت السلطات برميهم، مع قليل من الماء وبلا طعام، وطلبت منهم السير باتجاه السمكة، أول بلدة في النيجر، على بعد حوالي 20 كيلومتر من منطقة عين قزام. في إحدى الحالات، قال الشخص إنه نُقل مع النيجيريين إلى أرليت في النيجر.

قالت مفوضية حقوق الإنسان في بيانها الصادر في 22 مايو/أيار: "من تمنراست، نُقِل النيجريّون بالباص إلى أغاديز في النيجر، في حين أنّ آخرين حُشِروا في شاحنات كبيرة ونُقِلوا إلى الحدود النيجيريّة حيث يُهجرون ويتركون يسيرون لساعات تحت حرارة الصحراء الحارقة قبل عبور الحدود إلى داخل النيجر".

عمليات الطرد إلى حدود مالي

قابلت هيومن رايتس ووتش 5 أشخاص طُردوا عبر الحدود المالية. تم اعتقالهم في بلدات مختلفة، مثل وهران وغرداية  وتلمسان والأغواط. كانت السلطات قد جمعتهم في أحد مراكز الاحتجاز في رقّان، وهي مدينة جنوب وسط الجزائر، حيث مكثوا هناك مدة تتراوح بين يوم إلى عدة أيام. ثم نقلتهم السلطات إلى برج باجي مختار، آخر بلدة قبل حدود مالي. بعدها، نقلهم عناصر الدرك الجزائريون المسلحون إلى الحدود، وأمروهم تحت تهديد السلاح بالسير نحو مالي.

قال كل منهم إنهم ساروا في الصحراء لنحو 6 ساعات للوصول إلى عين خليل، أول مدينة في مالي، حيث استقلوا شاحنات خاصة باتجاه مدينة غاو.

قالت منظمة "بيت المهاجرين" غير الحكومية في غاو، إنها حتى 3 مايو/أيار، ساعدت أكثر من 650 مهاجرا عام 2018. أفادت المنظمة عن 4 موجات من المهاجرين طردوا من الجزائر، في 6 و7 و19 و21 مارس/آذار. في 15 يونيو/حزيران، قالت إنها استقبلت 120 مهاجرا آخر طردوا من الجزائر في الأسبوع السابق.

تعمل جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة في شمال مالي، بالإضافة إلى عصابات إجرامية ومهربين مسلحين. صرح الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره عن الوضع في مالي في سبتمبر/أيلول 2017 أن "انعدام الأمن السائد يقوض سيادة القانون وتوفير الخدمات الأساسية، خاصة في الشمال وفي بعض أجزاء المركز".

اعتقالات تعسفية، وحالات طرد تبدو أنها على أساس عرقي

قابلت هيومن رايتس ووتش 9 رجال كانوا ضمن مجموعة من حوالي 70 مهاجر اعتُقلوا سوية في 26 مارس/آذار، في مكان يجتمع فيه المهاجرون في عين البنيان، إحدى ضواحي العاصمة. قال 4 إنهم مهاجرون غير شرعيين يعملون في البناء أو كعمال مياومين. قال أحدهم إنه طالب لجوء، وقال آخر إنه متزوج من جزائرية ولديه 4 أطفال وتصريح إقامة. قال 3 آخرون إنهم كانوا بصورة قانونية في البلاد بجوازات سفر من مالي. بعد اعتقالهم، سُجن المهاجرون يومين.

جرت محاكمة الـ 70 معا بتهمة "الدخول غير القانوني إلى الأراضي الجزائرية" و "الدعارة"، وأدينوا في اليوم نفسه وحُكم عليهم بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ. وصفوا بشكل متسق محاكماتهم باللغة العربية، دون وجود مترجمين أو محامي دفاع، ولا فرصة حقيقية للدفاع عن النفس. بعد أن أعلنت المحكمة الأحكام الصادرة بحقهم، أخذتهم الشرطة إلى زرالدة، ومن هناك إلى تمنراست. أولئك الذين يحملون تأشيرة أو أوراق صالحة تسمح لهم بالبقاء في الجزائر قالوا إنهم حاولوا مرارا إظهار أوراقهم للإفراج عنهم، دون جدوى.

يشير الطرد الجماعي للمهاجرين وتجاهل أوضاعهم الخاصة إلى أن السلطات الجزائرية تعتقل الرجال والنساء على أساس لون بشرتهم بدلا من تقييم فردي لقضاياهم، كما يقتضي القانون الدولي.

كيفن، كاميروني وأحد الأشخاص التسعة، قال إنه عاش في الجزائر 19 سنة. تزوج من جزائرية ولديه 4 أطفال، جميعهم مواطنون جزائريون. عندما اقتادته الشرطة إلى مفوضية عين البنيان، أظهر شهادة زواجه وشهادات ميلاد أبنائه التي يحملها معه. لكن الشرطة رفضت الإفراج عنه.

بعد أن أمضى يومين في زنزانة الشرطة، ظهر هو وآخرون أمام المدعي العام، الذي تجاهل نداءاته وذكر فقط اسمه، وأمره بالتوقيع على ورقة. ثم أرسل المدعي العام المجموعة إلى المحكمة، حيث أدينت في اليوم نفسه. أخذته الشرطة إلى زرالدة، حيث جاءت زوجته وتوسلت الشرطة لإطلاق سراحه، لكنهم رفضوا. تم نقله مع الآخرين إلى تمنراست، حيث تمكن من إقناع رئيس المخيم بالسماح له بالرحيل قبل الطرد إلى النيجر.

طُرد برنارد، الذي يحمل جواز سفر من مالي، مع الآخرين عبر حدود النيجر، لكنه تمكن من العودة إلى الجزائر العاصمة في 11 أبريل/نيسان، حيث تعيش زوجته وطفله ذو الأربع سنوات. في 1 مايو/أيار، ذهب برنارد إلى مطار هواري بومدين في الجزائر العاصمة الساعة 8 صباحا، ليسافر إلى أبيدجان، حيث كان ينوي البقاء بضعة أيام. ﻗﺎل ﻟـ ھﯾوﻣن راﯾﺗس ووﺗش، ﻣﺗﺣدﺛﺎ ﻋﻟﯽ اﻟﮭﺎﺗف ﻣن زرالدة، إن اﻟﺷرطﺔ ﻟم ﺗﺳﻣﺢ ﻟﮫ بالصعود في رﺣﻟﺗﮫ، وﺑدل ذﻟك احتجزته مع 6 ﻣﮭﺎﺟرﯾن آﺧرﯾن ﻣن ﺟﻧوب اﻟﺻﺣراء ﻣن ﺟﻧﺳﯾﺎت ﻣﺧﺗﻟﻔﺔ، داﺧل ﻣرﮐز ﺷرطﺔ اﻟﻣطﺎر. شاهدت هيومن رايتس ووتش صورة لتذكرة طائرة برنارد إلى أبيدجان.

كما قال برنار إن الشرطة لم توضح أبدا سبب احتجازه، ولم تقدم له شيئا يأكله أو يشربه، طيلة أكثر من 24 ساعة احتجزته خلالها في المطار. قال إنه في ظهيرة 2 مايو/أيار، أخذته الشرطة مع 6 آخرين من صحراء الجنوب من المطار إلى المخيم في زرالدة، حيث كانوا ينامون الليل على الورق المقوى. في 3 مايو/أيار، أرسل إلى هيومن رايتس ووتش رسالة نصية تفيد بأنه تم نقلهم إلى تمنراست. عدّ 14 حافلة تحمل مهاجرين عندما غادروا زرالدة.

في 9 مايو/أيار، بحسب ما قال، رحّلته السلطات مع مئات المهاجرين الآخرين، معظمهم من النيجر، إلى حدود النيجر. استقبلتهم بعثة المنظمة الدولية للهجرة في النيجر ونقلتهم جميعا إلى أرليت، النيجر، حيث كان يقيم عند آخر اتصال له مع هيومن رايتس ووتش.

لم يقل أيّ من المهاجرين الذين قابلناهم إن السلطات عرضت عليه خيار العودة الطوعية المدعومة، سواء عبر قنصلية بلده أو المنظمة الدولية للهجرة. العديد منهم قالوا إنهم كانوا سيفضلون الاتصال بالمنظمة لتُسهّل عودتهم إلى بلدانهم بسبب مشقة الترحيل عبر الصحراء.

تنصّ المادة 23 من اتفاقية العمال المهاجرين على أن "يتمتع العمال المهاجرون وأفراد أسرهم بالحق في اللجوء، إلى الحماية والمساعدة من السلطات القنصلية أو الديبلوماسية لدولة منشئهم أو للدولة التي تمثل مصالح تلك الدولة، كلما حدث مساس بالحقوق المعترف بها في هذه الاتفاقية. وبصفة خاصة، يخطر الشخص المعني في حالة الطرد بهذا الحق دون إبطاء، وتيّسر سلطات الدولة القائمة بالطرد ممارسة هذا الحق".

غياب الإجراءات الواجبة للاعتراض على الترحيل

لم يقل أيّ من المهاجرين الذين قابلناهم إنه أخبِر عند اعتقاله بحقوقه كأجنبي في الجزائر أو بموجب القانون الدولي، بما في ذلك حقه في التمثيل القانوني الذي تكفله اتفاقية العمال المهاجرين.

على سبيل المثال، قال عمر (30 عاما) من غينيا، إنه عمل في موقع بناء في تلمسان منذ دخوله الجزائر في فبراير/شباط 2017. قال إنه كان نائما في غرفة مشتركة في موقع البناء يوم 12 أبريل/نيسان 2018، لما احتشد عناصر الدرك في المكان وعنّفوه ولم يسمحوا له بأخذ هاتفه وممتلكاته الأخرى. قال إنه طلب من عناصر الدرك أن يسمحوا له باستلام أجر شهرين من العمل قبل أن يغادر، لكنهم دفعوه إلى خارج الغرفة. قال إنه شاهدهم يخرجون رجالا من الغرف الأخرى أيضا، ويضربون كل من قاومهم.

أخذ الدرك الرجال إلى مركز احتجاز تابع لهم، واحتُجز عمر هناك 3 أيام مع عشرات المهاجرين من جنسيات مختلفة. قال إن الدرك تركوهم يوما كاملا دون أكل، وضربوا كل من احتج على ذلك. وفي اليوم الثالث، أعطى الدرك لكلّ واحد منهم وثيقة مكتوبة بالعربية ليوقّع عليها، رغم أنهم لا يفهمون العربية، دون أن يذكروا لهم حقهم في الاتصال بمحام أو بقنصلياتهم.

نُقلوا بعد ذلك على متن حافلات إلى مركز احتجاز في رقان، وهناك فُصل الرجال عن النساء. ضرب الدرك الرجال الذين أصرّوا على البقاء مع زوجاتهم، وأحيانا مع أطفالهم. قال عمر إنهم بقوا في مركز احتجاز رقان يوما كاملا. والساعة 4 من صباح 16 أبريل/نيسان، أجبر الدرك الرجال على الصعود في شاحنات وأخذوهم إلى برج باجي مختار. ومن هناك، أخذهم أعوان درك آخرون إلى منطقة قريبة من الحدود وأمروهم بالسير نحو مالي تحت تهديد السلاح. قال إنهم ساروا لساعات تحت شمس الصحراء الحارقة. ولما وصلوا إلى عين خليل في مالي، نسّق عمر وآخرون مع سائق لينقلهم إلى غاو:

"لم يتبق لي شيء. خسرت كل شيء. وصلت إلى غاو بدون قرش واحد في جيبي، بدون هاتف، أرتدي فقط سروالا وقميصا. عوملنا مثل الحيوانات".

انتهاكات ومعاملة قاسية أثناء الاعتقال والترحيل

من بين الـ 30 مهاجرا الذين قابلناهم، قال 5 إن السلطات الجزائرية استخدمت العنف ضدّهم أثناء المداهمات، وقال 7 آخرون إنهم شاهدوا ذلك العنف.

اعتقلت الشرطة إليزابيث (45 عاما)، من غانا، يوم 9 أبريل/نيسان في وهران. تعيش إليزابيث في الجزائر منذ 6 أعوام وتعمل طباخة لمجموعة من الأفارقة في حيّ للمهاجرين في وهران. كانت في بيجامتها عندما طرق شرطيون بابها ليلا، قائلين إنهم يُجرون فحص وثائق روتيني. لم يسمحوا لها بأن تأخذ أي شيء معها، حتى محفظتها.

أخذوها وطفليها (3 و13 سنة) إلى مخيّم في وهران، وهناك رأت مئات الرجال والنساء والأطفال، منهم رُضّع. وفي اليوم التالي، وضعتهم الشرطة في حافلات. وصلوا إلى تمنراست بعد يومين. وهناك أخذتهم الشرطة إلى مخيم خارج المدينة، واحتجزتهم في حاويات شحن معدّلة.

الساعة 10 مساء 11 أبريل/نيسان، شرعت الشرطة في وضعهم في شاحنات. قالت إليزابيث إنها رفضت ونساء أخريات الانصياع، فضربها شرطي بهراوة على رأسها حتى أغمي عليها. ولما أفاقت، وجدت نفسها في عيادة صغيرة داخل المخيّم. وبعد ذلك أرجعوها وطفليها إلى الحاوية في تمنراست. قالت إنهم لم يحصلوا طوال فترة الاعتقال والرحلة إلى تمنراست سوى على بعض البسكويت والماء.

في مكالمة هاتفية من تمنراست يوم 10 أبريل/نيسان، قالت اليزابيث إنها أضاعت كلّ شيء. كل مدخراتها بقيت في المنزل الذي كانت تعيش فيه. أرسلت بعض أصدقائها ممن لم يعتقلوا ليتفقدوا المنزل، فقالوا لها إن لصوصا دخلوا المكان بعد المداهمة وسرقوا كلّ شيء، بما في ذلك ثلاجتها وثيابها وأثاثها.

هنري، من كاميرون، عاش مع زوجته الحامل في وهران منذ 2015، ويعمل في موقع بناء. قال:

في 14 مارس/آذار، جاء عناصر شرطة جزائريون مصحوبين بـ "الهلال الأحمر" [الجزائري] إلى منزلي وقالوا إن أمامي 30 دقيقة لجمع بعض الأشياء ومغادرة المنزل لأنه سيتم ترحيلي. وضعوني مع زوجتي في حافلة وأخذونا إلى مركز احتجاز. ولما وصلنا إلى هناك، سألتهم إن كان بإمكاني استرجاع أمتعتنا فضربني عناصر الشرطة على وجهي. وفجأة وجدت نفسي محاصرا بعناصر آخرين، فأطلقوا علي المسدسات الكهربائية. دفعوا زوجتي لكنهم لم يضربوها. شهدت امرأة شابة من الهلال الأحمر هذه الانتهاكات، فتعاطفت مع زوجتي وطلبت منهم أن يخلوا سبيلنا. أطلقوا سراحنا، لكنهم أخذوا كل أغراضنا.

 

صورة هنري بعد تعرضه للضرب. 

© 2018 خاص

أفاد الكثير من المهاجرين بأنهم فقدوا ممتلكاتهم، حيث مُنعوا من قبض رواتبهم وصودرت هواتفهم، وأحيانا مدخراتهم المتواضعة أثناء الاعتقال. لم تُرجع هذه الممتلكات إلى العديد منهم، رغم الوعود التي قدمتها قوات الأمن عند وصولهم إلى مركز احتجاز تمنراست.

تنص المادة 15 من اتفاقية العمال المهاجرين، والجزائر طرف فيها، على أن "لا يحرم العامل المهاجر أو أي فرد من أسرته تعسفا من ممتلكاته، سواء أكانت مملوكة ملكية فردية أو بالاشتراك مع الغير".

 

عدم احترام حقوق طالبي اللجوء

قابلت هيومن رايتس ووتش طالبَيْ لجوء، لهما طلبات معلّقة، وأخذا قسرا إلى الحدود. طرد أحدهما، بينما قفز الآخر من الشاحنة وتفادى الطرد.

عاش لوكاس (27 عاما) من ساحل العاج في الجزائر منذ أكثر من سنة وعمل في موقع بناء في الرغاية، على بعد 40 دقيقة من العاصمة. قال إنه فرّ من ساحل العاج لأنه كان ضحيّة أعمال انتقام بعد الحرب الأهلية.

قال لوكاس إنه قرّر تقديم طلب لجوء لدى مفوّضية اللاجئين في الجزائر. لم يتمكّن من الوصول إلى مكتب المفوضية في البداية، خوفا من الاعتقال، لكنه أرسل طلبه عبر الفاكس للمفوضية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017. بعد زيارة أولى إلى المكتب، تسلّم لوكاس شهادة من المفوضية اطّلعت عليها هيومن رايتس ووتش. تنصّ الشهادة على أنها سارية المفعول حتى 28 يوليو/تموز 2018 وأنه "بصفته طالب لجوء، يخضع هذا الشخص لولاية مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ويتعيّن أن يكون محميا من الإعادة القسرية إلى بلد قد تكون فيه حياته وحريته مهددة حتى البت النهائي في طلب اللجوء الخاص به". كما أعطته المفوضية رقما للاتصال به في حالات الطوارئ أو الاعتقال.

اعتُقل لوكاس في 5 مارس/آذار لما جاءت الشرطة إلى موقع البناء وشرعت في مصادرة هواتف وأموال الجميع. قال إنه تمكن من الاتصال بشخص في المفوضية عبر هاتف الطوارئ، فطلب منه ألا يقلق وقال له إن الشرطة ستفرج عنه. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، نُقل إلى مركز شرطة باب الزوار، وهناك طلب من عناصر الشرطة التثبت من وثيقة المفوضية التي كان يحملها، لكنهم رفضوا.

قلت للشرطة إنني أحمل أوراقا قانونية، وعليكم إما الاتصال بالقنصلية أو إطلاق سراحي، لكن أحدهم قال: "أستطيع أن أحتجزكم جميعا هنا ولن يستطيع أحد مساعدتكم".

 

قال لوكاس إنه نُقل بعد ذلك إلى مركز احتجاز زرالدة، مع مهاجرين آخرين، كان 12 منهم طالبي لجوء. قال إنهم غادروا زرالدة على الساعة 7 مساء ووصلوا في الغد إلى تمنراست. وهناك وُضعوا في شاحنة أخرى ونُقلوا إلى حدود النيجر. قال لوكاس إنه استغلّ الفرصة وقفز مع مهاجر آخر من الشاحنة.

مشينا طويلا في الصحراء حتى وصلنا إلى القرية الأولى، فنمنا هناك. الرجل الذي كان معي كان يحمل هاتفا تمكن من إخفائه عن الشرطة، فحاولنا مرة أخرى الاتصال بالمفوضية، فقالوا لنا إنهم سيجدون طريقة ليعيدونا إلى الجزائر العاصمة.

 

قال لوكاس إنهم بقوا في تمنراست بضعة أيام، ثم انتقلوا بمساعدة مهرّب إلى عين صالح، وهناك حاولوا شراء تذكرة حافلة، لكنهم لم يستطيعوا. دفع هو وصديقه المال لسائق خاص ليأخذهم إلى العاصمة.

جاء جاك من كاميرون إلى الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 2017، وهو يعمل في البناء. قال إنه ينحدر من المنطقة الناطقة بالإنغليزية في كاميرون، وفرّ من هناك بسبب الاضطرابات السياسية المستمرة.

قال إن الشرطة اعتقلته في الشارع في حي البنيان يوم 26 مارس/آذار:

عندما اعتقلتني الشرطة، كانت لديّ شهادة صادرة عن المفوضية، لكن في المركز قالوا لي إنها لا تعني أي شيء، وإنهم سيرحلونني. عندما اتصلت بالمفوضية عبر رقم الطوارئ الذي أعطوه لي، طلبوا مني ألا أخاف وأكدوا لي أنهم سيأتون إلى المركز حيث كنت محتجزا وسيطلبون من الشرطة إطلاق سراحي. لكن الشرطة أحذتني إلى زرالدة، ومنها إلى تمنراست.

 

نقلته السلطات بعد ذلك إلى نقطة بين بلدة عين قزام والحدود مع النيجر. سار في الصحراء مع عشرات الآخرين حتى وصلوا بلدة السمكة الحدودية في النيجر. بقي عدة أيام هناك ثم عبّر مجدد نحو تمنراست، وعمل هناك وجمع ما يكفيه من المال ليدفع تكاليف النقل الخاص إلى الجزائر العاصمة.

قال مكتب مفوضية اللاجئين في الجزائر العاصمة لـ هيومن رايتس ووتش إن المفوضية "تتابع الوضع عن كثب. التعاون مستمر مع السلطات المختصة على جميع المستويات، وتمكنّا من الدعوة بنجاح إلى إطلاق سراح عدد من طالبي اللجوء واللاجئين المسجلين لدى مكتبنا، والذين تأثروا بهذه العمليات". 

يُقرّ القانون الدولي بأنه يُمكن للدولة المستضيفة نقل طالب اللجوء إلى دولة ثالثة يُمكن فيها النظر في طلب اللجوء. لكن المبادئ التوجيهية لمفوضية اللاجئين بشأن "ترتيبات النقل الثنائية أو متعددة الأطراف لطالبي اللجوء" تضع العديد من الشروط لهكذا نقل. تفرض المبادئ التوجيهية تقييما فرديا "في كل حالة بشأن ملاءمة النقل، مع احترام الضمانات الإجرائية". كما تنص على ألا تتم عملية النقل في غياب ضمانات تحمي الشخص من الإعادة القسرية، أي الإعادة إلى مكان يواجه فيه مخاطر.

يبدو أن الجزائر لم تتبع هذه المبادئ التوجيهية قبل ترحيل طالبي اللجوء في الحالات التي تم توثيقها.