سيف الإسلام، نجل القائد المعزول معمر القذافي، يجلس وراء القضبان في جلسة محكمة في الزنتان، 2 مايو/أيار 2013.

© 2013 AFP/Getty Images

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن على السلطات التي تتنافس على نيل الشرعية كحكومة لليبيا اتخاذ جميع الخطوات الممكنة لتسهيل تسليم سيف الإسلام القذافي، ابن معمر القذافي، إلى "المحكمة الجنائية الدولية". لم يرَ المراقبون الدوليون المستقلون القذافي ولم تصلهم أخبار عنه  منذ يونيو/حزيران 2014، كما لا يعرفون مكانه الحالي.

قالت "كتيبة أبو بكر الصديق"، المنحلة حاليا، في بيان لها على الإنترنت يوم 10 يونيو/حزيران 2017، إنها أفرجت عن سيف الإسلام القذافي في 9 يونيو/حزيران بناءً على قانون العفو الذي أقره البرلمان الليبي. كانت الكتيبة تحتجز القذافي في مدينة الزنتان الغربية. أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمر اعتقال استجابةً لمزاعم ارتكاب القذافي جرائم ضد الإنسانية وردت في تحقيق أذن به قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1970.

قال ريتشارد ديكر، مدير برنامج العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش: "إن أخبار إطلاق سراح القذافي استنادا إلى قانون عفو معيب لا يغير من حقيقة أنه مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم ضد الإنسانية. على كتيبة الزنتان التي تدعي الإفراج عنه الإفصاح عن مكانه بسرعة".

يتطلب قرار مجلس الأمن الصادر بالإجماع تعاون السلطات الليبية مع أية تحقيقات تجريها المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك تسليم المشتبه بهم. القذافي مطلوب من المحكمة لدوره المزعوم في هجمات على المدنيين والمتظاهرين السلميين خلال الانتفاضة الليبية عام 2011. في 14 يونيو/حزيران، أصدرت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة بيانا دعت فيه إلى اعتقال القذافي فورا وتسليمه.

احتجزت كتيبة أبو بكر الصديق القذافي في الزنتان بعد إلقائها القبض عليه خلال محاولته الفرار من البلاد في نوفمبر/تشرين الثاني 2011. الكتيبة متحالفة مع "الحكومة المؤقتة"، إحدى 3 سلطات تتنافس على الشرعية في ليبيا، و"الجيش الوطني الليبي" في شرق ليبيا. في نيسان/أبريل 2016، أمرت الحكومة المؤقتة بإطلاق سراح القذافي استنادا إلى قانون العفو. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من الوصول إلى كتيبة الزنتان أو ممثلي الحكومة المؤقتة للحصول على تعليق.

احتجزت الكتيبة القذافي بمعزل عن العالم الخارجي وسجنته انفراديا لفترات طويلة، ما مثّل تعذيبا. في يناير/كانون الثاني 2014، قابلت هيومن رايتس ووتش القذافي في مكتب في قاعدة في الزنتان. خلال الزيارة، قال القذافي إنه لم يتمكن من الاتصال بمحام من اختياره واستجوب عدة مرات من دون محام. خلص الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي التابع للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 إلى أن احتجاز القذافي كان تعسفيا.

قال مسؤول من "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة، والتي يترأسها "المجلس الرئاسي" المتخذ من طرابلس مقرا له، لـ هيومن رايتس ووتش إنه لا معلومات لدى المجلس عن مكان وجود القذافي الحالي. في 12 يونيو/حزيران، نقل تقرير عن نائب وزير العدل في الحكومة المؤقتة قوله إن الوزارة لا تملك "معلومات دقيقة ورسمية عن إطلاق [سراح] نجل القذافي من عدمه". في إطار منفصل يوم 11 يونيو/حزيران، أدانت المجالس البلدية والعسكرية في الزنتان الإفراج عن القذافي.

وضعت محكمة الاستئناف في طرابلس القذافي قيد المحاكمة في مارس/آذار 2014، رغم عدم احتجازها إياه، إلى جانب 36 مسؤولا وموظفا سابقا في عهد معمر القذافي، بتهمة ارتكاب جرائم خطيرة خلال ثورة 17 فبراير/شباط التي أطاحت بالأخير. أقامت السلطات جلسة فيديو مغلقة لتمكين القذافي من المشاركة من الزنتان، لكنه لم يتمكن من الانضمام إلا في 4 من أصل 25 جلسة، وفقا للأمم المتحدة. أدانت المحكمة القذافي وحكمت عليه بالإعدام غيابيا في 28 يوليو/تموز 2015. قال الصدّيق الصور، المدعي العام في القضية، إن للقذافي الحق في إعادة محاكمته عندما تلقي سلطات طرابلس القبض عليه.

قوضت انتهاكات خطيرة الإجراءات القانونية للمحاكمة، التي أدانت 32 مسؤولا آخر في عهد القذافي. تتضمن الانتهاكات غياب تمثيل قانوني صحيح للمدعى عليهم، وانتهاكات متكررة لحق المتهمين في التواصل مع محاميهم بسرية، وعدم إتاحة الفرصة للمدعى عليهم باستجواب شهود الادعاء في المحكمة. في شباط/فبراير 2017، أصدرت الأمم المتحدة تقريرا شاملا خلُص إلى عدم استيفاء الإجراءات الجنائية ضد القذافي وغيره المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. كما خلص الفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي في رأيه في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 إلى أن مستوى انتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة في قضية القذافي جعلت من المستحيل ضمان محاكمة عادلة في ليبيا.

عقب إدانة القذافي غيابيا في يوليو/تموز 2015، أقر البرلمان الليبي قانون العفو العام. يشير القانون إلى أن مرتكبي جرائم الإرهاب والاغتصاب والتعذيب والفساد والقتل العرقي أو الإثني قد لا يُمنحون العفو. لكن القانون يمنح العفو عن جرائم خطيرة أخرى تمس حقوق الإنسان، مثل التهجير القسري والإخفاء القسري والقتل غير القانوني.

في 11 يونيو/حزيران 2017، أكد القائم بأعمال النائب العام في طرابلس إبراهيم مسعود أن القذافي كان مطلوبا لإعادة المحاكمة ولم يكن مؤهلا للعفو، وأن بجميع الأحوال، السلطات القضائية هي المخولة فقط بتحديد من استوفى المعايير المنصوص عليها في قانون العفو. أكد مسعود مجددا أن القذافي كان مطلوبا من قبل المحكمة الجنائية الدولية. ينص القانون الليبي على أنه في حالة إدانة المدعى عليه غيابيا، تتم إعادة محاكمته بمجرد إلقاء القبض عليه.

تكافح حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا للسيطرة على مؤسسات البلاد وأقاليمها. في غرب ليبيا، تتنافس على السيطرة والشرعية مع سلطة أخرى نصّبت نفسها، وهي "حكومة الإنقاذ الوطني". يدعم البرلمان الليبي سلطة ثالثة هي الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء الشرقية وقوات الجيش الوطني الليبي تحت قيادة خليفة حفتر. لم يوافق البرلمان على مجلس وزراء حكومة الوفاق الوطني.

في مايو/أيار 2014، أيدت غرفة استئناف تابعة للمحكمة الجنائية الدولية قرارا سابقا يرفض عرض ليبيا محاكمة القذافي محليا. رأت المحكمة أن ليبيا لم تقدم ما يكفي من الأدلة التي تبرهن أنها تحقق في نفس القضية المعروضة على المحكمة الجنائية الدولية، وهو شرط متطلب بموجب ميثاق المحكمة لأوضاع مماثلة. اعتبرت المحكمة أن ليبيا غير قادرة حقا على إجراء تحقيق عن القذافي.

بعدما لم تسلم ليبيا القذافي إلى لاهاي، قال قضاة المحكمة الجنائية الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2014 إن ليبيا أخفقت فيما يتعلق بتعاونها مع المحكمة وأحالوا نتائجهم إلى مجلس الأمن الدولي للمتابعة. رغم امتلاك مجلس الأمن خيارات كثيرة لتشجيع التعاون الليبي، بما في ذلك القرارات والعقوبات والبيانات الرئاسية، لم يتصرف رسميا، لكن أكد أعضاء مجلس الأمن منفردين التزام أن ليبيا لا زالت ملزمة بنقل القذافي إلى لاهاي، بما في ذلك في آخر إحاطة قدمتها المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إلى المجلس في مايو/أيار.

في 26 مايو/أيار، اجتاحت "كتيبة ثوار طرابلس"، جماعة مسلحة تحت قيادة هيثم التاجوري المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني من خلال وزارة الداخلية، سجن الهضبة في طرابلس. كان السجن مكان احتجاز مسؤولي عهد القذافي في انتظار استئناف إدانتهم. نقلت الكتيبة المعتقلين، منهم عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات في عهد القذافي؛ أبوزيد دوردة، رئيس الوزراء السابق ورئيس المخابرات الخارجية السابق؛ والساعدي القذافي، شقيق سيف الإسلام، إلى مكان مجهول، بحسب قريب أحد المحتجزين. لكن ذكرت تقارير إعلامية مشاهدة السنوسي وباقي المعتقلين السابقين في الهضبة في 12 يونيو/حزيران في فندق في طرابلس يسيطر عليه التاجوري، يتناولون الطعام مع أفراد أسرهم وآخرين.

في أبريل/نيسان 2017، كشفت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال منفصلة صدرت في عام 2013 ضد رئيس جهاز الأمن الداخلي السابق لدى معمر القذافي، محمد خالد التهامي، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في ليبيا بين فبراير/شباط وأغسطس/آب 2011. لا يزال مكانه مجهولا.

رغم امتلاك المحكمة الجنائية الدولية ولاية تجاه الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبت في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط 2011، لا تزال قضايا المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية مقتصرة على مسؤولي حكومة القذافي السابقين. أظهرت أبحاث هيومن رايتس ووتش في ليبيا منذ عام 2011 انتهاكات مستمرة ومتوالية للقانون الدولي، بما فيها الاعتقالات التعسفية الجماعية الطويلة الأجل والتعذيب والتشريد القسري والقتل غير المشروع. دعت هيومن رايتس ووتش، في مواجهة الفظائع المتصاعدة، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إلى إجراء تحقيق عاجل في الجرائم الجارية من قبل جميع الأطراف، والتي قد يصل بعضها إلى جرائم ضد الإنسانية.

في مايو/أيار، قالت بنسودة إن مكتبها يدرس "جدوى" فتح تحقيق في الجرائم المتعلقة بالمهاجرين في حالة استيفائها المتطلبات القضائية للمحكمة الجنائية الدولية، وإنه ملتزم بجعل الوضع في ليبيا أولوية في عام 2017. بالنظر إلى الجرائم الخطيرة المرتكبة في ليبيا والتحديات التي تواجه السلطات، تبقى ولاية المحكمة الجنائية الدولية ضرورية لإنهاء الإفلات من العقاب في ليبيا، بحسب هيومن رايتس ووتش.