يوم 16 مارس/آذار 1988، استفاق المدنيون في بلدة حلبجة الكردية العراقية على كابوس. كانت الطائرات العراقية تتظاهر بالسعي لصد القوات الإيرانية والكردية خلال المراحل النهائية الشرسة للحرب بين إيران والعراق، فقصفت البلدة بغازيّ الخردل والسارين، وهما مادتان قاتلتان.

قدّرت تقارير إعلامية مقتل نحو 5 آلاف شخص، معظمهم من النساء والأطفال في جريمة الحرب هذه، وإصابة ما بين 7 و10 آلاف، حمل كثير منهم ندوبا دائمة.

استخدم العراق الأسلحة الكيميائية مرارا في الحرب الدموية التي استمرت 8 سنوات ضد إيران. لكن حلفاء العراق غضوا نظرهم، رغم أن الهجمات كانت علنية. بدأت قصص هجمات العراق الكيميائية على وحدات الجيش الإيراني بالظهور في وسائل الإعلام في أغسطس/آب 1983. قال علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية الإيراني آنذاك، في مؤتمر نزع السلاح بجنيف في 16 فبراير/شباط 1984، إن المناطق الحدودية تعرضت إلى 49 هجمة عراقية كيميائية على الأقل، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 109 أشخاص وإصابة مئات.

مع تواصل تقارير هجمات الأسلحة الكيميائية العراقية، زار محققو الأمم المتحدة ساحات القتال في الأراضي الإيرانية عدة مرات. قال الأمين العام للأمم المتحدة حينها خافيير بيريز دي كوييار العام 1986، في رسالة تحمل نتائج تقرير المحققين: "في هذه الظروف، لا يمكن للأمين العام مع الأسف سوى القول إن المختصين أكدوا استخدام القوات العراقية للأسلحة الكيميائية ضد القوات الإيرانية".

في الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة، حليفة العراق، تحاول التغطية بشكل كبير على العراق، وسرعان ما اتهمت "وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية" إيران علنا ​​بالهجمات. أظهرت وثائق استخبارية أمريكية رُفعت عنها السرية أن الولايات المتحدة علمت بشأن الهجمات، وقدمت معلومات عسكرية هامة للجيش العراقي، ولم تظهر قلقا إزاء العواقب الوخيمة لهذه الأفعال.

حتى بعد اكتساب مذبحة حلبجة اهتماما إعلاميا واسعا، كان قرار مجلس الأمن الدولي 612، الذي اعتُمد في مايو/أيار 1988، ضعيفا: "يتوقع أن يمتنع كلا الطرفين عن استخدام من الأسلحة الكيميائية في المستقبل...". بعد سنوات من الهجمات الكيميائية على مقاتلي ومدنيي إيران، ساهم هذا البيان في استياء كثير من الإيرانيين وعدم ثقتهم في المجتمع الدولي.

رغم فشل المجتمع الدولي في الاستجابة بشكل مناسب، كانت أسلحة العراق الكيميائية عاملا هاما في مفاوضات فرض حظر شامل على استخدام وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية، وكذلك في فرض حظر على استخدام الخصائص السامة لأي مادة كيميائية قد تؤذي أو تقتل. دخلت معاهدة "اتفاقية الأسلحة الكيميائية" الدولية حيز التنفيذ العام 1997. انضمت إليها 192 دولة، بينها إيران والعراق وسوريا، وهي معاهدة حظر الأسلحة الأكثر قبولا في القانون الدولي.

لكن اليوم، يتعرض هذا الاتفاق للتهديد. وفّرت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام أدلة واسعة على هجمات الحكومة السورية الكيميائية ضد المدنيين السوريين.

أظهر أحدث تحقيقاتنا أن مروحيات الحكومة السورية ألقت أسطوانات محملة بالكلور في مناطق تسيطر عليها المعارضة 8 مرات على الأقل بين 17 نوفمبر/تشرين الثاني و13 ديسمبر/كانون الأول 2016، خلال الأسابيع الأخيرة من معركة حلب. وثّق باحثونا أيضا استخدام تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش") الأسلحة الكيميائية في سوريا والعراق. وثّقت "منظمة العفو الدولية" استخدام الحكومة السودانية المرجّح لمواد كيميائية كأسلحة في دارفور العام الماضي.

إلا أن حلفاء الحكومة السورية على أتمّ الاستعداد لتجاهل خرقها الخطير للقانون الدولي، بتنفيذها هذه الهجمات الكيميائية.

عطّلت روسيا والصين في 28 فبراير/شباط مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات على مسؤولين وجهات حكومية سورية وبالإضافة إلى داعش لشنّهم هجمات كيميائية. طُرح المشروع وسط تقارير جديدة عن هجمات كيميائية حكومية في حلب الشرقية، وبعد نشر الأمم المتحدة و"آلية التحقيق المشتركة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة" تقريرا في أكتوبر/تشرين الأول، خلص إلى أن الحكومة السورية استخدمت الكلور كسلاح في 3 مناسبات على الأقل عامي 2014 و2015، وأن داعش استخدم غاز الخردل مرة على الأقل.

لم يكن فيتو روسيا مفاجئا، فهي تحمي حليفها السوري من العقوبات على حساب المساءلة وحماية المدنيين. لكن على إيران، الحليف القوي الآخر للحكومة السورية، الشعور بأن من واجبها الضغط على سوريا لإنهاء الحرب الكيميائية، ومعاقبة المتورطين.

يتحمل قادة إيران، الذين اختبروا ويلات الأسلحة الكيميائية بأنفسهم، المسؤولية القانونية أيضا في استخدام نفوذهم لدى الحكومة السورية للقول إن أي استخدام للمواد الكيميائية كأسلحة غير مقبول، وإنه يجب محاسبة المسؤولين عن إصدار أوامر استخدامه.

"متحف السلام" في طهران يسلط الضوء على البؤس والدمار البشري الذي تسببت به الحرب بين إيران والعراق على المقاتلين والمدنيين. عندما زار صحفي بريطاني المتحف العام 2002، قال له حسن السعدي، مرشده الذي يحمل ندوبا دائمة بسبب غاز الخردل العراقي: "نريد أن نظهر للعالم كله أن الأسلحة الكيميائية تسببت لنا بهذا. نريد أن نظهر عواقبها الفاجعة. لا نريد الانتقام. نريد فقط أن نظهر ما هي العواقب، كي لا تقع مرة أخرى". إيران مدينة لمواطنيها الضحايا، مثل سعدي، بأن تقف مع العدالة ودعم الحظر الدولي على هذه الأسلحة الرهيبة.