(تونس) على النيابة العامة المصرية إسقاط القضية المرفوعة ضد الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في البلاد. تنتهك تلك التهم الحق في حرية التعبير وتضر بالجهود المبذولة لمكافحة الفساد.

الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، جهاز مكافحة الفساد في البلاد، يتحدث أثناء مقابلة مع وكالة فرانس برس في القاهرة، 23 يونيو/حزيران 2016.

© 2016 وكالة فرانس برس/غيتي إيمجز

أدانت محكمة جنح بالقاهرة المستشار هشام جنينة بنشر معلومات كاذبة، وحكمت عليه بالسجن سنة مع وقف التنفيذ يوم 28 يوليو/تموز 2016. طلب جنينة استئناف للحكم، ولكن كان عليه دفع غرامة قدرها 20000 جنيه مصري (2252 دولار) و10000 جنيه (1126 دولار) لوقف تنفيذ الحكم. قال دفاع جنينة إن التهم الموجهة ضده تستند إلى بيان تم اقتباسه بشكل مغلوط في وسائل الإعلام حول تكلفة الفساد.

قال نديم حوري، نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "زادت الانتهاكات ضد حرية التعبير في مصر إلى درجة تحوّل فيها سوء التفاهم إلى اتهام جنائي يُعاقب عليه بالسجن. يمكن أن يكون لهذا التصعيد تأثير سلبي خطير، وخاصة على المسؤولين المكلفين بالإبلاغ عن الفساد".

سجل الرئيس عبد الفتاح السيسي سابقة في مارس/آذار عندما طرد جنينة من منصبه كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات، وهو جهاز رقابة مالية رئيسي، بعد أن قدم جنينة عدة تصريحات لوسائل الإعلام قال فيها إن مؤسسات الدولة ومسؤولي النيابة العامة يتجاهلون أو يعيقون العمل بتقاريره المتعلقة بالفساد. كان جنينة المسؤول الكبير الوحيد المتبقي من إدارة الرئيس السابق محمد مرسي، الذي أطاح به انقلاب بقيادة السيسي، وزير الدفاع آنذاك، في يوليو/تموز 2013.

ادعى جنينة مرارا أن الفساد الحكومي مستشري. قال إن النائب العام المصري لم يحقق في مئات التقارير التي قدمها عن الفساد، بما في ذلك ضد وزارة الداخلية. في ديسمبر/كانون الأول 2015، نقلت صحيفة "اليوم السابع" المستقلة قول جنينة إن الفساد كلف مصر ذاك العام أكثر من 600 مليار جنيه (67.6 مليار دولار).

بعد بضعة أيام، أصدر جنينة بيانا أوضح فيه أن 600 مليار جنيه هي الأموال التي فُقدت بسبب الفساد بين أعوام 2012 و2015، ليس 2015 فقط. أصدر مكتبه تقريرا من 350 صفحة حول الفساد. لكن لجنة شكلها السيسي للتحقيق في هذه الادعاءات اتهمته "بالتشهير بأجهزة الدولة"، كما طالب بعض أعضاء البرلمان بالتحقيق معه. وجدت مراجعات مستقلة لتقرير جنينة، من صحفيين وباحثين اقتصاديين، أنه رغم ضعف المنهجية، لم يبالغ التقرير في تكلفة الكسب غير المشروع. بل ربما قلل منها.

في 28 مارس/آذار، أقال السيسي جنينة واستبدله بنائبه المعين حديثا والعضو البارز السابق في نيابة أمن الدولة العليا هشام بدوي. وفقا لتقارير إعلامية، حقق بدوي في قضايا فساد ضد الرئيس السابق حسني مبارك وعدد من كبار رجال الأعمال، انتهت معظمها ببراءتهم.

في 17 مايو/أيار، تقدم محامو جنينة بطعن في المحكمة الإدارية ضد إقالته قائلين إنها غير دستورية وغير قانونية. وادعوا أيضا أنه أقيل بعد استهدافه من قبل مقدمي برامج تلفزيونية مؤيدين للحكومة بشكل منهجي. أجلت المحكمة الجلسة إلى 5 سبتمبر/أيلول.

بتاريخ 2 يونيو/حزيران، أحالت نيابة أمن الدولة العليا جنينة إلى المحاكمة أمام محكمة جنح القاهرة الجديدة بتهمة نشر أخبار كاذبة أضرت بالمصلحة الوطنية. وصف جنينة القضية على أنها انتقام بسبب التعبير عن رأيه. تحدى إقالته ورفض دفع كفالة 10 آلاف جنيه (118 دولار) لتجنب الاحتجاز السابق للمحاكمة. واعتُقل لفترة وجيزة قبل دفع عائلته الكفالة.

في 28 يونيو/حزيران، طلب فريق دفاع جنينة من المحكمة وقف محاكمته حتى يتم التوصل إلى حكم في دعوى قضائية منفصلة رفعها جنينة ضد اليوم السابع لنقلها تصريحات غير دقيقة عنه، نظرا لأن النتيجة قد تؤثر على التهم الموجهة إليه. لكن المحكمة أصدرت الحكم في 28 يوليو/تموز كما كان مخططا له. حكم القاضي بالعقوبة القصوى المنصوص عليها في المادة 188 من قانون العقوبات المتعلقة بنشر أخبار كاذبة.

يعيّن الرئيس المصري، بموجب القانون، رؤساء الجهاز المركزي للمحاسبات والوكالات المستقلة الأخرى. لكنه لا يمكنه إعفاؤهم من مهامهم قبل انتهاء مدد ولايتهم. في يوليو/تموز 2015، وفي ظل غياب البرلمان، أصدر السيسي المرسوم 89 لسنة 2015، مانحا نفسه سلطة إقالة رؤساء الوكالات في بعض الحالات. من الحالات تلك التي تمثل تهديدا للأمن القومي، أو فشلهم في أداء واجباتهم، أو فقدان الثقة.

وفقا لدراسات عديدة أجراها باحثون اقتصاديون، كان الفساد الحكومي المصري الواسع أحد الدوافع الرئيسية لأحداث 2011. وفقاً لأبحاث لـ "البنك الدولي" فإن الشركات التي كانت لديها علاقات سياسية مع حكومة مبارك تمتعت بامتيازات سياسية لم تجعلها أكثر ربحية فحسب، بل حبطت أيضا النمو الاقتصادي الإجمالي وساهمت في زيادة البطالة.

زادت الانتهاكات ضد حرية التعبير في مصر إلى درجة تحوّل فيها سوء التفاهم إلى اتهام جنائي يُعاقب عليه بالسجن. يمكن أن يكون لهذا التصعيد تأثير سلبي خطير، وخاصة على المسؤولين المكلفين بالإبلاغ عن الفساد.

نديم حوري

نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط

خلصت دراسة أجرتها المبادرة المصرية، وهي منظمة حقوقية محلية بارزة، إلى خسارة مصر 10 مليارات دولار كعائدات للغاز بين عامي 2005 و2011، نتيجة عقود فاسدة سمحت ببيع الغاز في الخارج بأقل من أسعار السوق. واجهت مصر لاحقا نقصا حادا في الطاقة تسبب في انقطاع التيار الكهربائي يوميا في أنحاء البلاد، معطلا حياة ملايين المصريين وعملهم، بما يشمل منشآت حيوية مثل المستشفيات.

بعد الإطاحة بمبارك، اتهمت النيابة العامة عدة مسؤولين رفيعي المستوى في حكومته بجرائم فساد. قلة منهم أدينوا. بُرّئ وزير داخلية مبارك حبيب العادلي في قضايا الفساد كان يمكن أن تتسبب في سجنه 45 عاما، إلا أنه أدين وحكم عليه بالسجن 3 سنوات لإجباره مجندي وزارة الداخلية على العمل لديه وعائلته دون أجر. في مايو/أيار 2016، أُلقي القبض على أحد مساعدي وزير الصحة المصري بعد تلقيه رشاوىً بقيمة 4.5 ملايين جنيه (507 ألف دولار) من شركة أجهزة طبية.

تنتهك التهم الموجهة لجنينة القوانين الدولية لحقوق الإنسان التي تحمي حرية التعبير. تنص المادة 19 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية المدنية"، ومصر طرف فيه، على ضمان حرية التعبير والرأي. الاستثناءات يجب أن تكون محددة بالقانون بشكل واضح وبهدف حماية حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي تراقب تنفيذ العهد الدولي، على أن حرية التعبير "شرط ضروري لتحقيق مبادئ الشفافية والمساءلة التي هي بدورها أساسية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان".

تثير إقالة جنينة وملاحقته مخاوف بشأن محاولات الحكومة تقويض استقلالية هيئات مكافحة الفساد وفعاليتها. على الحكومة المصرية التمسك بالتزاماتها لتعزيز استقلالية سلطات التحقيق بموجب تصديقها عام 2005 على "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد".

يؤكد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن "الفساد عقبة كأداء تعترض سبيل إعمال جميع حقوق الإنسان – المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية – وكذلك الحق في التنمية".

وجدت "منظمة الشفافية الدولية"، التي تضع مصر في المرتبة 88 من أصل 168 دولة من حيث الفساد، أن الرشوة منتشرة داخل مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها. ذكرت أن تقريبا 1 من بين كل 3 مواطنين يحاولون الحصول على الخدمات الأساسية في المنطقة يلجأ إلى دفع رشاوىً. يشكل هذا انتهاكا واضحا لمبادئ عدم التمييز والمساواة في الحصول على الخدمات والمنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صادقت عليه مصر عام 1982. وجدت دراسة أخرى أجرتها منظمة الشفافية الدولية أن 2 من كل 3 مصريين يعتقدان أن البرلمان والإعلام والقضاء والشرطة ونظام التعليم فاسدين. أكثر من 80 بالمئة يعتقدون أن الفساد إما بقي على حاله أو زاد بعد انتفاضة 2011.

قال حوري: "إذا كان السيسي جادا في محاربة الفساد في مصر، كما قال مرارا، عليه تمكين الهيئات التنظيمية المكلفة بالتحقيق بالكسب غير المشروع، بدل إضعاف استقلاليتها بنفسه. حماية استقلال منظمات مكافحة الفساد ومسؤوليها يحمي حريات المصريين وحقوقهم".