(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن على إيران إزالة القيود التي تمنع المتهمين بارتكاب جرائم تتعلق بالأمن القومي من الوصول إلى محامين. وسعّت الإجراءات الجنائية الإيرانية الجديدة منذ 9 أشهر إمكانية وصول المعتقلين إلى محام خلال مرحلة التحقيق، لكن السلطات تمنع المتهمين بارتكاب جرائم الأمن القومي والجرائم السياسية من الاستفادة من دفاع قانوني مستقل. ينبغي أن يكون هؤلاء المتهمون قادرين على اختيار محاميهم.

قابلت هيومن رايتس ووتش محامين وسجناء سياسيين وأفراد من العائلات ومصادر مطّلعة على قضايا معتقلين يواجهون تهما سياسية أو تتعلق بالأمن القومي. وثّقت هيومن رايتس ووتش العام الماضي عدة حالات لمعتقلين مُنِعوا من الاتصال بمحامين أثناء التحقيق، أو أجبروا على تغيير وكلائهم القانونيين تحت ضغوط مسؤولي القضاء.

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "بينما تدّعي إيران أن القانون الجنائي الجديد حسّن حالة حقوق المتهمين، لا معنى لهذه الجهود إن كانت التعديلات البرلمانية تقوّض تماما روح الإجراءات القضائية العادلة. على البرلمان القادم ضمان أن يكون قانون الإجراءات الجنائية في الواقع خطوة إلى الأمام في سبيل حقوق مواطنيه، بدلا من خطوتين إلى الوراء".

تمت الموافقة على قانون الإجراءات الجنائية الإيراني الجديد عام 2014، ودخل حيّز التنفيذ في يونيو/حزيران 2015. ينص القانون على أنه يمكن للمعتقلين اختيار محام أثناء التحقيق، باستثناء المتهمين بارتكاب جرائم تتعلق بالأمن القومي، الذين قد يتأخر وصولهم إلى المحامين لمدة تصل إلى أسبوع. تنصّ المادة 190 من قانون 2014 على أن "حرمان المتهم من الحصول على دفاع قانوني من شأنه إبطال المعلومات التي تم الحصول عليها خلال التحقيق."

إلا أن البرلمان أقر تعديلات جديدة قبل 3 أيام من دخول القانون حيز التنفيذ، تحد حقوق المتهمين بجرائم تتعلق بالأمن القومي. تفرض المادة 48 المعدَّلة على المتهمين بجرائم معينة اختيار محاميهم من بين مجموعة يوافق عليها رئيس السلطة القضائية. تشمل هذه المادة الجرائم المتعلقة بالأمن القومي أو الدولي وجرائم سياسية وإعلامية، والاتهامات التي تحمل عقوبات الإعدام أو السجن مدى الحياة أو القصاص.

تراجعت التعديلات الجديدة أيضا عن الشرط الوارد في قانون 2014 بأن المعلومات التي تم الحصول عليها في غياب محام قد تكون غير مقبولة، وفرضت تدابير تأديبية فقط بدلا من ذلك. حتى الآن، لم تقدم السلطة القضائية قائمة بالمحامين الموافق عليهم مسبقا والمكلفين بموجب القانون الجديد. لكن حتى مع غياب القائمة، يستخدم المسؤولون هذا الشرط ليرفضوا، تعسفا، المحامين الذين يوكلهم المحتجزون أو أسرهم.

يستمر فشل إيران بمنع التعذيب أثناء الاحتجاز والتحقيق في مزاعم بوقوع مثل هذه الانتهاكات. استخدمت المحاكم الثورية الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب أدلة في المحاكم. لذلك، يعتبر الحق في الوصول إلى محام عند الاعتقال ضمانة هامة ضد الانتهاكات أثناء الاحتجاز.

نشرت نقابة المحامين الإيرانيين في 6 يوليو/تموز رسالة مفتوحة إلى الرئيس حسن روحاني، تعترض فيها على التعديلات الـ 48 وتطلب منه اتخاذ التدابير اللازمة لإصلاح القانون. عبّر عديد من المحامين الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش، وبعضهم طلب عدم ذكر اسمه خوفا من الانتقام، عن خيبة أملهم بالتعديلات التي اعتُمدت في اللحظة الأخيرة. أشاروا إلى وجود حالات كثيرة شملت تهما تتعلق بالأمن القومي، لم تسمح لهم فيها النيابة العامة بتمثيل موكليهم أثناء التحقيق. قالوا أيضا إن رغم تقديمهم عدة طلبات للنيابة العامة، رفض المسؤولون السماح لهم بزيارة موكليهم في السجن أو الحصول على ملفات قضاياهم، مبررين ذلك بغياب قائمة معتمدة.

قال صلاح فلّاح، محامي نزار زكا، المواطن اللبناني الذي اعتقلته المخابرات في 18 سبتمبر/أيلول، إن الفرع 1 للنيابة العامة في سجن إيفين لم يسمح له بزيارة موكله. أضاف: "قدمت الأوراق قبل شهرين ولم أتلق أي رد منهم. كل ما أريده هو زيارة موكلي وفقا للقانون". قالت مصادر مقربة من عائلة زكا لـ هيومن رايتس ووتش إنه محتجز في الجناح "2-أ" في سجن إيفين تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني، وإن التهم المحددة التي يواجهها لاتزال غير واضحة لعائلته.

قال محمود علي زاده طباطبائي، الذي يمثل عددا من صحفيين ونشطاء وغيرهم يواجهون تهما تتعلق بالأمن القومي، إنه منذ دخول الإجراءات الجنائية الجديدة حيز التنفيذ، لم يتمكن من الوصول إلى ملفات قضايا وكلائه خلال التحقيقات. وأضاف أنه طلب على وجه التحديد الوصول إلى ملفات الصحفيين داود أسدي واحسان مازندراني وعيسى سحرخيز، والمواطنَين الإيرانيَّين-الأمريكيَّين سيامك وباقر نمازي، وجميعهم محتجزون في سجن إيفين.

اعتقلت السلطات الإيرانية الصحفيين الثلاث وأشخاص آخرين في نوفمبر/تشرين الثاني. قال طباطبائي إن سحرخيز ومازندراني اتُّهِما رسميا بـ "العمل ضد الأمن القومي" و"الدعاية ضد الدولة". اعتقلت السلطات الإيرانية سيامك نمازي، رئيس التخطيط الاستراتيجي في مجموعة "نفط الهلال" بدبي، في 15 أكتوبر/تشرين الأول حين كان يزور عائلته في طهران. التهم الموجهة إليه غير واضحة. اعتقلت السلطات والده باقر نمازي، ممثل "اليونيسيف" السابق في عديد من البلدان في 22 فبراير/شباط 2016.

علمت هيومن رايتس ووتش أن السلطات في الفرع 2 في النيابة العامة منعت محامي اسماعيل عبدي، أمين عام "جمعية المعلمين"، من زيارة موكله والوصول إلى ملفه أثناء التحقيق. حكم الفرع 15 من المحكمة الثورية بطهران في 22 فبراير/شباط على عبدي، المعتقل منذ 27 يونيو/حزيران، بالسجن 6 سنوات بتهمة "الدعاية ضد الدولة" و"التجمع والتواطؤ ضد الأمن القومي". أحد أسباب الحكم كان مظاهرة للمعلمين أمام البرلمان في 15 مايو/أيار.

مستشهدا بالتعديلات الجديدة، رفض قاض واحد على الأقل في المحكمة الثورية، تعسفا وأثناء المحاكمة، قبول المحامين عن شخص يواجه تهما تتعلق بالأمن القومي. قال عدد من السجناء السياسيين إن القاضي أبو القاسم صلواتي من الفرع 15 للمحكمة الثورية في طهران رفض قبول محاميهم في المحاكمة، أو أجبرهم على تعيين محام جديد دون أي أساس قانوني واضح.

أرش صادقي، الناشط الطلابي السابق الذي حكم عليه الفرع 15 للمحكمة الثورية في طهران بالسجن 15 عاما لتهم من بينها "التجمع والتواطؤ لزعزعة الأمن القومي" و"الدعاية ضد الدولة"، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن أسرته عيّنت بيمان حاج محمود عطار محاميا له عندما اعتقل في سجن إيفين. إلا أن السلطات في الفرع 2 في النيابة العامة رفضت قبول عطار، وشككت في صحة أوراقه وهددته باتهامه بتزوير وثائق.

قال صادقي إن عائلته بعد ذلك اختارت أمير رئیسیان، الذي حاول الوصول إلى ملف قضيته عدة مرات لكنه قوبل بالرفض. قال صادقي: "بعد إطلاق سراحي بكفالة، ذهبت إلى المحكمة وطلبت من القاضي صلواتي في الفرع 15 السماح لمحاميَّ بقراءة ملف القضية قبل المحاكمة. أخبرني صلواتي أنه وفقا للإجراءات الجنائية الجديدة، يمكنني قبول محام عام توافق عليه المحكمة، أو عليّ الدفاع عن نفسي ضد الاتهامات دون محام". أضاف أن القاضي صلواتي رفض قبول محام عن زوجته، غلرُخ إيرايي. علم صادقي في 31 أغسطس/آب أن المحكمة الثورية حكمت على زوجته بالسجن 6 سنوات بتهمتيّ "إهانة المقدسات" و"الدعاية ضد الدولة".

اعتقلت السلطات الإيرانية الزوجين بسبب أنشطتهما السلمية ونقلتهما إلى سجن إيفين في 6 سبتمبر/أيلول 2014. أفرجت عنهما بكفالة في 27 سبتمبر/أيلول 2014 و14 مارس/آذار 2015 على التوالي، في انتظار الاستئناف.

يضمن القانون الدولي لأي متهم بارتكاب جريمة الوصول إلى محام في جميع مراحل الإجراءات الجنائية، بما فيها خلال التحقيق، وإجراءات ما قبل المحاكمة وأثنائها. تنصّ المادة 1 من "مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين" على أن "لكل شخص الحق في طلب المساعدة من محام يختاره بنفسه لحماية حقوقه وإثباتها، وللدفاع عنه في جميع مراحل الإجراءات الجنائية". كما تنص المادة 14 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، الذي صادقت عليه إيران، على حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يدافع عن نفسه بواسطة محام من اختياره، وأن يُعطى من الوقت والتسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه وللاتصال بمحام يختاره بنفسه.

قالت ويتسن: "وصول المتهم إلى محام يختاره بنفسه هو ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة في إيران. على إيران معالجة هذا البند الإشكالي في القانون فورا واتخاذ إجراءات فعّالة ضد الانتهاكات في نظامها القضائي".