(بيروت) ـ تعهد جامعة نيويورك بدفع تعويضات لعمال البناء الوافدين العاملين في حرمها بأبو ظبي، والذين استبعدوا من ميثاق سلوكي مصمم لحمايتهم، هي خطوة إيجابية. وقد أعلن رئيس الجامعة، جون سكستن، عن التعهد في 16 أبريل/نيسان 2015، بعد تقرير صدر بطلب من حكومة أبو ظبي وكشف عن وجود سياسة تستبعد 30-35 بالمئة من العمال من اشتراطات الإرشادات ورصد الامتثال الواردة في ميثاق سلوكي يغطي العمالة الوافدة.

وقد خلص التقرير الذي أصدرته شركة نارديلو وشركاه، وهو مكتب دولي للتحقيقات، إلى أن التزام الجامعة بمصالح العمال هو التزام "حقيقي وينفذ بنية حسنة، وفعال إلى حد بعيد"، إلا أن تنفيذ الميثاق السلوكي كان "معيباً". وأعلنت الجامعة أنها تنوي تعويض العمال الذين تم استبعادهم من الميثاق السلوكي، وأنها ستنفذ المزيد من توصيات نارديلو "حيثما ثبتت جدواها". وتتضمن تلك التوصيات الكشف العلني عن العقوبات المالية الموقعة لانتهاك الميثاق، ومنع أصحاب الأعمال من مصادرة جوازات سفر العمال، وخطوات لإنهاء الوقت الإضافي غير الطوعي. أعلنت الجامعة أيضاً أنها ستحقق في أتعاب الاستقدام التي يدفعها العمال للحصول على العمل.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "إن جامعة نيويورك تستحق الإشادة لتعهدها بالعمل وفق نتائج تقرير نارديلو وتوصياته. وتمثل نتائج نارديلو أدلة إضافية على الانتهاكات الحقوقية الجسيمة التي صاحبت مشروع الجامعة في أبو ظبي".

وكانت هيومن رايتس ووتش قد أصدرت في فبراير/شباط 2015 تقريرها الثالث بشأن الانتهاكات الحقوقية في جزيرة السعديات، وهو مشروع رفيع المستوى من شأنه استضافة أفرع لمتحفي اللوفر وغوغنهايم، علاوة على حرم جامعة نيويورك. وقد وجدت هيومن رايتس ووتش أن بعض أصحاب الأعمال في جزيرة السعديات، ومنهم مقاولون بموقع الجامعة، كانوا يحتجزون رواتب عمال وافدين ومزاياهم الإضافية، ويخفقون في رد أتعاب الاستقدام إليهم، ويصادرون جوازات سفرهم، ويسكّنون العمال في مساكن دون المستوى.

وفي أشد الحالات خطورة، يبدو أن مقاولين يعملون في شركتي التطوير العقاري الحكوميتين بموقعي جامعة نيويورك ومتحف اللوفر قاموا بإبلاغ سلطات الإمارات العربية المتحدة بإضراب بعض العمال، مما أدى إلى عمليات ترحيل تعسفي لعدة مئات من العمال المضربين.

وفي مايو/أيار 2014 قامت صحيفة "نيويورك تايمز" بتغطية واحدة من عمليات الترحيل الجماعي هذه، وكانت تشمل أحد كبار المقاولين بمشروع الجامعة في أبو ظبي. وفي الشهر التالي قام الشريك الإماراتي للجامعة، ألا وهو حكومة أبو ظبي، بتعيين نارديلو للنظر في مزاعم الإعلام، رغم أن تقرير نارديلو ينظر أيضاً في ما توصلت إليه هيومن رايتس ووتش ومجموعة "عمالة الخليج"، وهي ائتلاف من الفنانين الدوليين الذين يعملون لضمان حماية حقوق العمال في جزيرة السعديات.

قال نارديلو إنه راجع "آلاف الوثائق" وأجرى مقابلات مع "ما يقرب" من 340 عاملاً من مشروع حرم جامعة نيويورك "في سياق خاص ولا يبعث على التهديد، ومتحرر من وجود أصحاب العمل أو عمال آخرين"، وكذلك مع ممثلين للمقاولين، وراصدي الامتثال، وهيئات حكومة أبو ظبي، وطلبة الجامعة وأعضاء هيئة التدريس، وصحفيين، ومنظمات غير حكومية. ومع ذلك فإن بعض الأطراف الرئيسية التي لم تتم تسميتها لم توفر لنارديلو سبيلاً إلى كافة الوثائق أو العاملين المطلوبين، بحسب قوله، وقد لاحظ نارديلو أن سجلات الأطراف الرئيسية تلك "لم تدون كافة التفاصيل المتعلقة بأنشطتها ذات الصلة بالامتثال" وأن "بعض السجلات التي يحتمل أن تكون ذات صلة كانت غائبة أو ناقصة".

وخلص نارديلو إلى أن أبرز المشاكل لم تكن تتعلق بضعف إنفاذ الإرشادات العمالية وإنما بالأحرى باستبعاد آلاف العمال من نطاقها. ففي 2010 اتفقت شركة "مبادلة"، وهي المطور العقاري الحكومي التابع لأبو ظبي، مع المقاول الرئيسي "إيه إف كاريليون"، ومدير المشروع إي سي هاريس، على عدم إلزام المقاولين العاملين في الموقع من الباطن، لمدة أقل من 31 يومياً وبعقود تقل قيمتها عن مليون دولار أمريكي، بالامتثال للإرشادات. وقدر نارديلو أن هذا القرار قد أدى إلى استبعاد 30-35 بالمئة من العمال الذين يقترب عددهم من 30 ألف في مشروع جامعة نيويورك بأبو ظبي، استبعادهم من الإرشادات العمالية وعمليات رصد الامتثال.

وأكد نارديلو أن المشاكل الكامنة خلف الإضراب الذي أدى إلى ترحيل ما يزيد على 200 من العمال في شركة "بي كيه غلف"، وهي من كبار المقاولين في موقع الجامعة، "كانت أكثر تعقيدا على نحو محسوس مما صورته وسائل الإعلام وتقارير المنظمات غير الحكومية". فقد وجد أن عدم الرضا عن الأجر في حرم جامعة نيويورك لم يكن من أسباب الإضراب، لكنه لاحظ أن الأجر الأعلى في مشروع الجامعة ساهم في تفاوت الأجور وسط عمال "بي كيه غلف"، وأن هذا التفاوت كان من جذور العوامل الأربعة المساهمة في الإضراب الذي ذكره.

وأشار نارديلو في إحدى الحواشي إلى أن "العديد من العمال أكدوا التقارير التي أفادت باقتحام الشرطة لغرفهم، كما أفادوا بالتعرض للصفع والضرب أو الصعق الكهربي على أيدي الشرطة". وقال نارديلو إن فريقه "عجز عن تحديد السبب" في أن 75 بالمئة من العمال الذين تم ترحيلهم كانوا يعملون في حرم جامعة نيويورك إبان الإضراب، وإنه بدون معلومات إضافية عن أسباب إقالة العمال فإنه لا يستطيع إن يقرر ما إذا كانت الإقالات تشكل انتهاكاً للإرشادات العمالية.

وتتفق رواية نارديلو للإضراب مع نتائج هيومن رايتس ووتش التي قررت ارتباط الإضراب بانخفاض الأجور وتفاوتها فيما بين العمال الجدد والقدامى. كما وجدت هيومن رايتس ووتش أن السلطات أساءت معاملة العديد من العمال، وأن عمليات الاعتقال والترحيل تمت بطريقة تعسفية.

وضمن نتائج التقرير بشأن إساءة معاملة العمال المضربين، أوصى نارديلو بإنشاء آلية وإجراءات لتعظيم قدرة العمال على التعبير عن مظالمهم بدون خوف من التنكيل. ورغم أنه لم يتقدم بتوصية محددة تخص عمال "بي كيه غلف" الـ200 الذين تم ترحيلهم إلا أن على جامعة نيويورك التفكير في توسعة برنامجها التعويضي بحيث يشملهم، اتفاقاً مع التزامها المعلن بحماية حقوق الرجال والسيدات العاملين في تشييد حرمها وتشغيله، وهذا بحسب هيومن رايتس ووتش.

ووجد نارديلو أن المقاولين لم يتقيدوا ببنود الإرشادات العمالية المتفق عليها بشأن جوازات سفر العمال، والتي نصت بوضوح على أن "العاملين سيحتفظون بوثائقهم الشخصية". وبدلاً من هذا التزم المقاولون بمجموعة غير معلنة من الإرشادات تسمى "المواصفات التكميلية"، التي "لم تتضمن أية بنود تشترط احتفاظ العمال بجوازات سفرهم صراحة". وأوصى نارديلو بضرورة أن "يتحكم العمال في جوازات سفرهم من خلال صناديق مغلقة ومضادة للحريق ويسهل الوصول إليها".

أوصى نارديلو أيضاً بوضع وإنفاذ عقوبات صارمة، ينبغي الإعلان عنها، على الانتهاكات، وبتعيين راصد امتثال واحد "غير مرتبط اقتصادياً بأي مشروع بعينه"، وبفتح حسابات ضمان تحت سيطرة راصد الامتثال، للتصدي للتأخر في دفع الأجور أو الامتناع عنه، وكذلك للوقت الإضافي غير الطوعي، والمساكن دون المستوى. كما أوصى باستخدام المقاولين الذين "يتخذون إجراءات لتلافي الانتهاكات في عملية الاستقدام".

وقالت سارة ليا ويتسن: "يشدد تقرير نارديلو على التحديات الجسيمة التي تواجهها المؤسسات الملتزمة باحترام المعايير العمالية عند العمل في بلد مثل الإمارات، توجد به صناعة للبناء شديدة الاستغلال. إن احترام حقوق العمال في الخليج يتطلب التزاماً شاملاً ومستديماً".