في الشهر الماضي حاول سيمون روديد، سفير إسرائيل في تايلاند، أن يهون من شأن تقرير هيومن رايتس ووتش الذي يفضح الإساءة إلى العمال التايلانديين العاملين في قطاع الزراعة بإسرائيل، قائلاً إنه ليس "جاداً". وعلى قناة "ناو26" التلفزيونية الخاصة بشبكة "نيشن ملتيميديا"، ادعى روديد أن التقرير، "معاملة مجحفة: انتهاكات بحق العمال التايلانديين في القطاع الزراعي في إسرائيل"، يعاني من "منهجية لا تقوم على أساس".

ولم يحدد روديد ما هو بالضبط الذي لا يقوم على أساس بشأن الانتهاكات الخطيرة التي وصفها لنا 173 عاملاً تايلاندياً في إسرائيل. وقد كنت أحد الباحثين الاثنين اللذين سافرا، مع ممثلي منظمة "كاف لاأوفيد" الحقوقية الإسرائيلية، إلى 10 مزارع بعرض إسرائيل لإجراء المقابلات مع العمال التايلانديين الوافدين.

وكان ما رأيناه صادماً عن حق، فقد وجدنا العمال التايلانديين يعيشون ويعملون في ظروف مزرية ويعانون من إساءة معاملة مروعة. قال أحد العمال إنه يشعر بأنه "أقرب إلى الموتى" بعد يوم العمل الذي يبدأ عادة في الرابعة والنصف صباحاً وينتهي في السابعة مساءً. ولم يقل أي عامل ممن أجرينا معهم المقابلات إنه يحصل على الحد الأدنى للأجور في إسرائيل. وأفاد كثيرون بالتعرض لمشاكل صحية، تشمل الدوار والغثيان ومتاعب التنفس والطفح الجلدي وغيرها من الأمراض التي أصابتهم بعد رش المبيدات بدون معدات وقاية كافية. وأرانا بعضهم أدوية أرسلتها إليهم أسرهم من تايلاند في غياب خدمات الرعاية الصحية في إسرائيل.

وكان ضمن من تحدثنا معهم بعض زملاء برايوان سيسوخا، أحد العمال التايلانديين الـ122 الذين توفوا في إسرائيل بين 2008 و2013، بحسب وزارة الصحة الإسرائيلية.

ورغم تشكك السفير روديد في أبحاث هيومن رايتس ووتش فقد قال إن  الحكومة الإسرائيلية تأخذ كافة المزاعم الواردة في التقرير على محمل الجد. ومع ذلك فحينما توفي برايوان في 2013، لم يحقق أحد في ما إذا كانت وفاته مرتبطة بظروف معيشته وعمله. بل إن السلطات الإسرائيلية لم تحقق على الإطلاق في 22 حالة وفاة من الحالات الـ122، كما نُسبت 43 منها إلى متلازمة الوفاة الليلية المفاجئة بدون أي تفسير إضافي.

وعلى السفير روديد، بدلاً من الانخراط في لعبة "اقتلوا حامل الرسالة"، أن يتعهد للشعب التايلاندي بأن حكومته تأخذ تلك الوفيات جدياً وسوف تجري تحقيقات مدققة وذات مصداقية. كما أن عليه تقديم وعد بأن حكومته ستحاسب أصحاب العمل على الظروف المعيشية المروعة للعمال التايلانديين، كتلك التي ظهرت في الفيديو المصاحب لنشر التقرير.

ولا يدعي التقرير أنه مسح شامل لتجارب جميع العمال التايلانديين في إسرائيل، الذين ربما يتمتع بعضهم بظروف العمل التي تنص عليها القوانين واللوائح الإسرائيلية، والكتيب الحكومي الذي تصرفه السلطات للعمال التايلنديين فور وصولهم إلى البلاد. لكن أبحاثنا تكشف عن الظروف التي يواجهها الكثير من العمال التايلانديين بالفعل، وتوثق إخفاق السلطات في تنفيذ الشروط الواردة في قوانين العمل الإسرائيلية نفسها، مما يترك العمال الذين يسيء إليهم أصحاب عملهم بدون وقاية كافية وبأمل ضئيل في الانتصاف.

وإذا كان السفير روديد وحكومته يريدون التعرف على نطاق المشكلة التي وثقناها فما عليهم سوى زيارة مكتب "كاف لاأوفيد" في تل أبيب، حيث يقوم طاقم مكرس بإجراء مقابلات فردية مع نحو 40 عاملاً تايلاندياً كل أسبوع، والرد الهاتفي على نحو 150 شكوى. إن العدد المرتفع من الشكاوى يعكس نتيجتنا الأساسية: أن لدى إسرائيل قوانين جيدة لحماية العمال، لكنها لا تنفذها على النحو الصحيح.

وبدلاً من محاولة النيل من سمعة التقرير عن طريق التشكيك في منهجيته (والتقدم بتلميحات لا أساس لها عن انحياز هيومن رايتس ووتش ضد إسرائيل)، فإن الأجدر بالسفير روديد أن يُقنع رؤساءه في تل أبيب بأن قوانين العمل لا تلقى الإنفاذ المطلوب لحماية التايلانديين. أما عدد العمال التايلانديين العائدين إلى وطنهم في توابيت فلن يؤثر إلا بالسلب في العلاقات الإسرائيلية-التايلاندية.

وربما كان على السفير روديد أن يعترف أيضاً بإشادتنا باتفاقية الاستقدام الموقعة بين الحكومتين الإسرائيلية والتايلاندية، فقد أحدثت الاتفاقية خفضاً كبيراً في أتعاب الاستقدام التي يدفعها العمال التايلانديون للحصول على عمل في إسرائيل، حيث يمثلون العمود الفقري العمالي للزراعة فيها.

إن على الحكومة الإسرائيلية أن تعترف بمساهمة العمال التايلانديين وأن تمنحهم معاملة عادلة ـ من خلال احترام قوانينها ولوائحها ووعودها بالعمل على ضمان حمايتهم.