Fighters from the Shi'ite Badr Brigade militia stand near their flag as they guard at a checkpoint along a highway taken from militants of the Islamic State, outside the town of Sulaiman Pek on September 5, 2014.

© 2014 Reuters

(نيويورك) ـ أن انتهاكات المليشيات المتحالفة مع قوات الأمن العراقية في المناطق السنّية تصاعدت في الشهور الأخيرة، فتم إجبار سكان على ترك منازلهم، وخطفهم وإعدامهم ميدانياً في بعض الحالات. وفر ما لا يقل عن 3000 شخص من منازلهم في منطقة المقدادية بمحافظة ديالى منذ يونيو/حزيران، ومُنعوا من العودة منذ أكتوبر/تشرين الأول. وتقوم هيومن رايتس ووتش بإجراء تحقيق في مزاعم أقرب توقيتاً تفيد بأن قوات المليشيات والقوات الخاصة قتلت 72 مدنياً في بلدة بروانة الواقعة في المقدادية أيضا، إضافة إلى الوقائع الموثقة هنا.  

قال بعض السكان لـ هيومن رايتس ووتش أن قوات الأمن والمليشيات المتحالفة معها بدأت في مضايقة السكان في محيط المقدادية، المنطقة الواقعة على مسافة 80 كيلومتراً شمال شرق بغداد، في يونيو/حزيران، بعد وقت قليل من استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد المسلح (المعروف أيضاً باسم داعش) على الموصل، ثانية كبريات المدن العراقية. ثم تصاعدت الانتهاكات بحسب شهود قرب أكتوبر/تشرين الأول 2014، وهو الشهر التالي لتولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء وتعهده بكبح جماح المليشيات المسيئة وإنهاء الطائفية التي كانت تغذي حلقة العنف في عهد سلفه.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "يتعرض المدنيون في العراق لمطرقة داعش، ثم مطرقة المليشيات الموالية للحكومة في المناطق التي يستعيدونها من داعش. ومع رد الحكومة على من تعتبرهم إرهابيين بالاعتقالات التعسفية وعمليات التصفية، لا يجد السكان مكاناً يلجأون إليه لالتماس الحماية".

تحدثت هيومن رايتس ووتش مع ستة نازحين من سكان القرى القريبة من المقدادية ـ وهي منطقة ريفية في غالبيتها، يتنوع سكانها البالغ عددهم نحو 300 ألف بين السنّة والشيعة العرب والأكراد والتركمان. وقد قال خمسة منهم لـ هيومن رايتس ووتش إنهم غادروا قراهم في البداية في يونيو/حزيران ويوليو/تموز، إثر هجمات من مليشيات عصائب أهل الحق ومقاتلين متطوعين والقوات الخاصة.

وفي منتصف أكتوبر/تشرين الأول بدأ السكان في العودة إلى بيوتهم حين سمعوا بمغادرة المليشيات للمنطقة، ليكتشفوا أنها أحرقت العديد من المنازل. وبعد ذلك بقليل بدأ أفراد المليشيات التي سيطرت على المنطقة في خطف السكان العائدين وإطلاق النار عشوائياً في الشوارع وفي الهواء من أسلحة آلية. ووصف السكان الذين أجريت معهم المقابلات عمليات خطف وقتل لثلاثة رجال بأيدي المليشيات.

وتبدو الهجمات على شمال المقدادية وكأنها جزء من حملة تشنها المليشيات لتهجير السكان من المناطق السنّية والمختلطة، بعد نجاح المليشيات مع قوات الأمن في دحر داعش في تلك المناطق. في 29 ديسمبر/كانون الأول قام هادي العامري، قائد فيلق بدر ووزير النقل في عهد الإدارة السابقة لنوري المالكي، بتهديد سكان المقدادية قائلاً "يوم الحساب قادم" و"سنهاجم المنطقة حتى لا يبقى منها شيء. هل رسالتي واضحة؟".

وكان باحثو هيومن رايتس ووتش قد لاحظوا في أكتوبر/تشرين الأول مليشيات تحتل منازلاً وتشعل فيها النيران في محيط العامرلي بمحافظة صلاح الدين، عقب انسحاب مقاتلي داعش. وفي 17 ديسمبر/كانون الأول أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" ووسائل إعلامية أخرى بأن المليشيات تجري عمليات إخلاء وإخفاء وقتل في حزام بغداد بعد إجراء عمليات عسكرية ضد داعش. وفي يناير/كانون الثاني أفادت وسائل إعلامية بأن المليشيات ألقت القبض على آلاف الرجال في سامراء بدون تصريح، ومنعتهم من العودة إلى منازلهم. وفي 26 يناير/كانون الثاني، بحسب تقارير إعلامية، قامت المليشيات ومقاتلون متطوعون وقوات أمنية بإرغام 72 مدنياً على ترك منازلهم في بروانة بمحافظة ديالى، وإعدامهم ميدانياً. وتقوم هيومن رايتس ووتش بالتحقيق في تلك الادعاءات.

وفي 18 ديسمبر/كانون الأول نشرت "وول ستريت جورنال" افتتاحية بقلم رئيس الوزراء العبادي تعهد فيها بـ"إخضاع جميع الجماعات المسلحة لسيطرة الدولة. فلن تعمل مليشيا أو جماعة مسلحة خارج قوات الأمن العراقية أو على التوازي معها". وعلاوة على الأمر بالتحقيق العلني في جرائم القتل في بروانة يوم 28 يناير/كانون الثاني، أمر رئيس الوزراء العبادي في 7 فبراير/شباط بالتحقيق في مزاعم تفيد بأن قوات الأمن قتلت اثنين من المدنيين السنّة خارج إجراءات القضاء في الأنبار، وأدان سلوك المليشيات وقوات الأمن غير المشروع بعبارات شديدة اللهجة.

قالت هيومن رايتس ووتش أن الأدلة على تصدّر المليشيات للعمليات الأمنية في محافظات صلاح الدين وديالى وبغداد وبابل تكذّب هذا التعهد، ففي 1 يناير/كانون الثاني 2015، عقد أبو مهدي المهندس، الذي طال تزعمه لمليشيا كتائب حزب الله ويرأس الآن الحشد الشعبي، وهو منظمة شبه حكومية، عقد مؤتمراً صحفياً وصف نفسه فيه بأنه قائد عسكري ورئيس "مليشيا الحشد الشعبي"، وهاجم المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، اللتين وصفهما بكفلاء داعش وداعميها. ويوحي هذا بأن الحبل ما زال متروكاً على الغارب للمليشيات، رغم وعود رئيس الوزراء.

قال جو ستورك: "يتعين على الحكومة العراقية وحلفائها الدوليين الالتفات إلى آفة المليشيات التي تجتاح مناطق مثل المقدادية. وينبغي لأي رد فعّال على داعش أن يبدأ بحماية أرواح المدنيين ومحاسبة من يسئ إليهم، وخاصة في المناطق التي تعرض الناس فيها بالفعل للمعاناة من احتلال داعش وهجماتها".

روايات ضحايا وشهود

قالت إحدى سكان قرية بلور في المقدادية، التي تبلغ من العمر 70 عاماً وقدمت نفسها باسم أم مريم، قالت لـ هيومن رايتس ووتش أن شرطة المقدادية قامت في 8 ديسمبر/كانون الأول بأخذ ولديها، كريم، 33 سنة، وسيف، 38 سنة، من منزليهما بدون تصريح اعتقال. وقالت: "اقتحموا المنزل وأخذوهما". أفرجت الشرطة عن الرجلين، الذين قالت أم مريم إنهما مدنيان، بعد يومين.

لكن في نحو الثالثة والنصف من عصر 12 ديسمبر/كانون الأول، بينما كانت الأم ترقب اقتراب الرجلين من نقطة تفتيش بلور في طريق عودتهما إلى المنزل، قام ستة مسلحون يرتدون زياً أسوداً أو مموهاً بخطف الرجلين. وقام المسلحون بدفع أم مريم وتهديدها بإطلاق النار إذا صرخت. قالت السيدة: "كنت أقبّل أيديهم حتى يتوقفوا، لكنهم ركلوني بعيداً عنهم". وبعد هذا مباشرة ذهبت أم مريم لتقديم شكوى لدى مأمور قسم الشرطة، الذي قال لها إن الشرطة "لا تملك أن تفعل شيئاً" في واقعة الاختطاف، كما قالت.

وقال شقيق آخر للرجلين، هو أبو يوسف، لـ هيومن رايتس ووتش أن مجهولين اتصلوا به بعد قليل وأبلغوه بوفاة شقيقيه، قائلين: "تعال لأخذ كلبيك. لقد أطلقنا على كل منهما 10 طلقات في الصدر وتخلصنا من الجثتين".

وعندئذ فرت أم مريم وأبو يوسف إلى خانقين، وهي منطقة في شمال ديالى تخضع لسيطرة البشمرغة والمليشيات الكردية على السواء.

وقال مزارع في الخمسينات من العمر من بلور، قدم نفسه باسم أبو سيف، لـ هيومن رايتس وووتش إن أفراد المليشيات، ومتطوعين يقاتلون مع الحشد الشعبي شبه الحكومي، بدأوا منذ 20 يونيو/حزيران في مهاجمة قرى بلور والمطار والعروبة والحرية والصدور والهارونية، التي تؤوي كلها ما يقرب من ألف عائلة سنّية. وقال أبو سيف إنه تعرف على أفراد المليشيات من المكتوب على جوانب عرباتهم، كأفراد في "المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق". وقال أنه شاهد أفراد المليشيات ومتطوعين يحرقون ما لا يقل عن 50 منزلاً في القرى، ويطلقون الهاون والصواريخ على منازل في يونيو/حزيران. وليس من المعلوم ما إذا كان أي من أفراد داعش موجوداً في القرى في ذلك الوقت. قال أبو سيف أن عمليات اختطاف واسعة النطاق للذكور في سن التجنيد على مدار الشهور التالية دفعت معظم السكان إلى الفرار.

وكما فعل الكثيرون من سكان المناطق الريفية في شمال المقدادية، عاد أبو سيف بعد 3 شهور حين سمع بمغادرة المليشيات للمنطقة. وقال: "لكن بحلول محرم [أول شهور السنة الهجرية، في أكتوبر/تشرين الأول تقريباً] عادت المليشيات بكل قوتها". وفي بلور، القرية التي تسكنها قرابة 200 عائلة، وجه أفراد المليشيات إلى السكان السباب الطائفي، وأرغموهم على رفع أعلام الشيعة فوق منازلهم ومحالهم التجارية، بحسب قوله. وقال: "لقد جعلونا نشعر بأننا سجناء في بلدتنا".

وقال أن الأوضاع تدهورت في ديسمبر/كانون الأول، فقد شاهد أفراد المليشيات في منتصف ديسمبر/كانون الأول يختطفون أحد تجار الخضر والفاكهة المحليين، وطالبوا فيما بعد بـ70 ألف دولار في مقابل إطلاق سراحه، وهو المبلغ الذي قال أبو سيف إن عائلة الرجل سددته. وبعد يوم عثرت عائلة الرجل على جثته على جانب الطريق.

كما رحل أبو أحمد، وهو مزارع من قرية دور الضباط وعمره 32 عاماً، مع زوجته وطفله الذي يبلغ من العمر 3 سنوات، في يونيو/حزيران. عاد أبو أحمد في أكتوبر/تشرين الأول بعد أن سمع بعودة الأمان للمنطقة. وقال لـ هيومن رايتس ووتش: "عند عودتي وجدت النقيض التام".

كان أفراد المليشيات يطلقون النار عشوائياً في الهواء ويطلقون الصواريخ داخل [قرية] دور الضباط فيروعون الناس. وبدأت العائلات تغادر المنطقة مجدداً [في منتصف ديسمبر/كانون الأول] ورحل 90 بالمئة من العائلات. ووزعت المليشيات منشورات تحذر السكان من القتل إذا لم يرحلوا. كان المنشور يقول: "ارحلوا أيها النواصب. بيوتكم قبوركم. ارحلوا فقد أعذر من أنذر".

قال أبو أحمد أن سكان حي المطار ودور الضباط أخبروه بأن المليشيات تقوم بعمليات اختطاف في تلك المناطق. وكان أفراد المليشيات، الذين قال إنه عرفهم من أزيائهم السوداء أو المموهة، ومن شاراتهم، يتجولون بالسيارات أو الدرجات البخارية في حيه يومياً "لمجرد ترويعنا". وقال: "أنا لا أخاف أن تطلق علينا داعش النيران، بل أخاف أن تخطفنا المليشيات وتقتلنا".

وقال رجل من قرية العزي، قدم نفسه باسم أبويحيى، لـ هيومن رايتس ووتش في مقابلة إنه غادر المنطقة في أواخر 2013 بسبب تزايد اعتداءات المليشيات وقوات الأمن والاعتقالات الجماعية. وقال إن بعض السكان أخبروه بأنهم شاهدوا أفراد المليشيات والقوات الخاصة والشرطة الاتحادية من الفرقة الخامسة يحرقون منزله في 20 يوليو/تموز، إضافة إلى منازل 30 مدنياً آخرين في قريته. وقال أن منازل المدنيين لم تكن تحت استخدام داعش عند الاعتداء عليها.

عاد أبو يحيى إلى المقدادية خلال محرم، في أكتوبر/تشرين الأول، وكان مقيماً في بلور. لكن في التاسعة والنصف من مساء 18 ديسمبر/كانون الأول، بحسب قوله، قام أفراد من المليشيات بخطف قريب له يبلغ من العمر 70 عاماً هو علي محسن، تحت أنظار أبو يحيى ووالدته وشقيقته. وحذر أفراد المليشيات السيدتين من الصراخ وإلا قتلوهما، كما قال. وقال أبو يحيى إن العائلة عثرت في اليوم التالي على جثة علي محسن على جانب الطريق السريع المؤدي من بغداد إلى خانقين.

وقال أبو قنديل، الذي يبلغ من العمر 58 عاماً ويسكن قرية شوك الريم التي تؤوي 300 عائلة، أن المليشيات بدأت في مهاجمة المناطق السنية في قضاء المقدادية في يونيو/حزيران، عن طريق الاعتداء بالضرب على سكان القرى المدنيين أو نسف منازلهم، وخاصة في قريتي الإمام طالب والفاروق. وعند عودة السكان في نوفمبر/تشرين الثاني، وجدوا أن المليشيات ما زالت تحتل القرية، بحسب أبو حارث. اتهم أفراد المليشيات السكان بتأييد داعش و"قالوا إنهم سيقتلوننا لأننا سنّة". وقال: "الناس في المنطقة مذعورون من قتلهم بأيدي المليشيات". وقال أن أفراد المليشيات ما زالوا يشعلون النار في المنازل بقرية أخرى، هي الوزان.

تحدثت هيومن رايتس ووتش مع الضحايا والشهود من المقدادية، الذين فر معظمهم من منازلهم، عن طريق الهاتف فيما بين 8 و15 يناير/كانون الثاني. وقد شرحت هيومن رايتس ووتش لمن أجريت معهم المقابلات كيف سيتم استخدام رواياتهم، وأبدى الجميع الموافقة بعد طلب حجب هوياتهم لأسباب أمنية. وجميع الأسماء المستخدمة هي أسماء مستعارة.