رغم سجل المملكة العربية السعودية القاتم في مجال حقوق الإنسان، استرعت وفاة الملك عبد الله استجابات فورية من الزعماء الأجانب الذين أثنوا عليه كمصلح ومؤيد للحوار السلمي والقضايا الإنسانية في جميع أنحاء العالم. وأشاد الرئيس باراك أوباما به باعتباره القائد الذي كان "دائماً صريحاً وشجاعاً في معتقداته"، في حين أسماه وزير الخارجية جون كيري "رجل الحكمة والرؤية"، كما أثنى عليه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بسبب "التزامه بالسلام، وتعزيز التفاهم بين الأديان ".

يستحق الملك عبد الله في الواقع الثناء لتغييره النبرة الملكية المتشددة للمملكة العربية السعودية تجاه مواطنيها والعالم الخارجي. حيث مكّن اتساع المساحة لوسائل الإعلام السعودية وانتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في بدايات عهد الملك عبد الله، المواطنين السعوديين من التحدث علناً عن القضايا الاجتماعية والسياسية المثيرة للجدل، وخلَق وعياً اجتماعياً أوسع حول أوجه القصور في مجال حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية.

بعد أن بدأت الانتفاضات العربية في عام 2011، أُغلِقت هذه النافذة الموجزة، وسعت السلطات السعودية للقضاء على الانتقادات الداخلية جميعها.

أشعل صعود عبد الله إلى السلطة عام 2005 آفاق التقدم، بما في ذلك تحديث جهاز الدولة في المملكة، وإعادة التقييم الشعبي لوضع التبعية القسرية للمرأة والأقليات الدينية، وزيادة النقاش في وسائل الإعلام، وتعزيز الإنصاف القضائي إلى حدٍ ما.

لعل أعظم إنجاز لعبد الله هو دفعه لزخم الإصلاحات في مجال حقوق المرأة من خلال تعزيز فرص التعليم العالي للمرأة، بما في ذلك المنح الدراسية في الخارج، وتسهيل دخول المرأة إلى سوق العمل، وإعلانه أن المرأة سوف تكون قادرة على الترشّح والمشاركة في الانتخابات البلدية في وقت لاحق في عام 2015. وفي خطوة مهمة رمزياً في عام 2013 عيّن 30 امرأة في مجلس الشورى السعودي، وهو هيئة استشارية تقدّم توصيات إلى مجلس الوزراء.

مع ذلك لم تتطرق هذه الإصلاحات إلى القضايا الأساسية الرئيسية التي ترسّخ التمييز ضد المرأة، مثل نظام الوصاية الذكوري، والذي بموجبه تمنع السياسات والممارسات الوزارية النساء من الحصول على جواز سفر أو الزواج أو السفر أو الوصول إلى التعليم العالي دون الحصول على موافقة ولي أمرها، الذي عادة ما يكون الزوج أو الأب أو الأخ أو الابن. ورغم دعم عبد الله الخطابي في عام 2005 لفكرة قيادة النساء للسيارات، إلا أنهن لا يزلن عند وفاته ممنوعات من الجلوس خلف عجلة القيادة، كما اعتقلت السلطات النساء اللاتي تجرأن على تحدي حظر قيادة السيارات.

تحسّنت معاملة المملكة العربية السعودية لتسعة ملايين عامل مهاجر في عهد الملك عبد الله، مع تمرير سلطات العمل لوائح جديدة تسمح للبعض بتغيير أصحاب العمل دون إذن، وخلق مبادرة جديدة لمكافحة الانتهاكات المتفشية بحق عاملات المنازل المهاجرات. ولكن ترافقت هذه الخطوات الإيجابية في 2013 بحملة اعتقال جماعية وترحيل مئات الآلاف من العمال، أفاد كثير منهم بتعرّضهم لانتهاكات من قبل سلطات السجن عند الاعتقال وأثناء عملية الترحيل. لم تنجز السعودية عقداً نموذجياً للخادمات المنزليات كما أنها لم تنضمّ إلى اتفاقية العمال المنزليين.

مع ذلك تُعتبر تركة عبد الله في قضايا حقوق الإنسان الأخرى أكثر وضوحاً.

اعتقلت السلطات بمعرفة عبد الله عشرات من المعارضين السلميين و نشطاء حقوق الإنسان الذين تجرأوا على انتقاد الحكومة وأخضعتهم لمحاكمات جائرة أمام محكمة الإرهاب في السعودية بتهم غامضة مثل "زرع الفتنة" و "نقض الولاء للحاكم".  تلقى البعض عقوبات شديدة القسوة، بما فيهم محامي حقوق الإنسان وليد أبو الخير، الذي حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً لانتقاده السلمي لسجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان في مقابلات صحفية وعلى تويتر. وآخر هو فاضل المناسف الذي يقضي حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً لمساعدة صحفيين في تغطية احتجاجات 2011 لمواطنين شيعة سعوديين. وأيضاً الإصلاحيان محمد القحطاني وعبد الله الحامد، يقضيان حكماً بالسجن لمدة 10 و 11 عاماً بتهم مماثلة.

لعلّ الحالة الأكثر قمعاً مأساويةً هي قضية المدون الليبرالي رائف بدوي، الذي جلده ضباط الأمن علناً في 9 يناير/كانون الثاني كجزء من حكم قضائي من 1000 جلدة و 10 أعوام في السجن لإنشائه موقع ليبرالي على شبكة الانترنت والذي زُعم أنه يهين السلطات الدينية.

يحتاج الملك سلمان من أجل تحسين تركة عبد الله، إلى تغيير اتجاهه والسماح للمواطنين السعوديين بالتعبير السلمي عن أنفسهم، وإصلاح نظام العدالة، وتسريع الإصلاحات في مجال حقوق المرأة ومعاملة العمال المهاجرين.

آدم كوغل: باحث قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش