سافرتُ إلى مخيم باب السلام شمال غربي سوريا مؤخراً؛ فلماذا إذن لم تتمكن شاحنات المساعدات من الوصول إلى هناك؟ استغرقت رحلتي من الحدود التركية إلى هذا الموقع المرتجل الذي يستضيف أكثر من 16 ألف نازحاً سورياً ما لا يزيد عن 10 دقائق سيراً على الأقدام. غير أنني عندما وصلت إلى المخيم، تبين لي بوضوح تام غياب أدنى قدر من المساعدات الأساسية.

كان الأطفال يلعبون لدى خطوط المجاري المفتوحة وحولها في شتى أنحاء المخيم. وقال لي بعض الناس إن المساعدات التي تصل قليلة للغاية ومتفرقة، لدرجة أنه في مناسبة واحدة على الأقل قام الأطفال برجم الشاحنات بالحجارة لأنها لم تجلب ما يكفي الجميع. توسلت الأمهات من مدراء المخيم مساعدتهن على جلب كوبونات الحليب لإطعام الرُضع.

ومخيم باب السلام مثل مخيمات ثلاثة أخرى قريبة، تستضيف حالياً مجتمعة نحو 500 ألف نسمة، وقد تشردوا عن مدينة حلب الواقعة شمالي سوريا، منذ أواخر يناير/كانون الثاني نتيجة لحملة القصف الحكومية الموسعة على معاقل المعارضة.

هذا التدفق الكبير من اللاجئين يأتي بعد أكثر من عامين على بدء النزاع الذي أجبرأكثر من تسعة ملايين نسمة على ترك ديارهم. هناك أكثر من 3.5 مليون سوري يقيمون في مناطق "يصعب الوصول إليها" ويحتاجون للمساعدات، طبقاً لتقديرات الأمم المتحدة، ويواجهون نقصاً في المساعدات مثل المقيمين في باب السلام. لكن كما يتضح من زيارتي، فإن الكثير من هؤلاء الناس "يصعب الوصول إليهم" فقط بسبب القيود التعسفية التي تفرضها الحكومة السورية.

بدلاً من ترك المساعدات تصل إلى أولئك الذين يحتاجون إليها بشدة قرب الحدود التركية، فإن سوريا ترفض بشكل تام السماح بمرور المساعدات بأية معابر حدودية خارجة عن سيطرتها، بما فيها تلك الواقعة في وسط تركيا.

تسمح الحكومة السورية بتنقل المساعدات إلى معاقل المعارضة فقط عندما تخرج من مناطق من سوريا تسيطر هي عليها، وليس عبر الحدود. وعملاً، فهذا يعني أن قوافل المساعدات التي تخرج من دمشق تضطر إلى المضي في مسارات ملتوية غير مباشرة قد تستغرق وقتاً أطول بعشرة مرات من الوقت الذي تستغرقه المسارات المباشرة؛ إذ تمر بعشرات من نقاط التفتيش، ويضطر العاملون بالإغاثة للمرور عبر عقبات بيروقراطية ولوجستية عند كل مرة تتوقف القافلة.

وفي بعض الأحيان، تصل بعض هذه القوافل إلى مقصدها، ومعها النذر اليسير من المساعدات التي تذهب إلى هؤلاء الناس الذين "يصعب الوصول إليهم". هذه الحقيقة يجب ألا تُغيًّب حقيقة أن الاعتماد على هذه المساعدات وحدها هو نهج مصيره الحتمي الفشل. هذه المساعدات تستنفد موارد شحيحة، وتعرض العاملين بالإغاثة لمخاطر لا داعي لها، وهي في نهاية المطاف غير كافية على الإطلاق لتوفير القدر الأساسي من المساعدات لمن يحتاجونها.

على مدار شهور طويلة، راح العاملون بالمساعدات الإنسانية بكل شجاعة يناضلون بما لديهم من موارد محدودة لسد هذه الفجوة، إذ نظموا عمليات إغاثة غير رسمية من تركيا. لكن ما رأيته في باب السلام يُظهر الحدود المفروضة على هذه الجهود. عمليات الإغاثة العابرة للحدود في الوقت الحالي ضعيفة التمويل للغاية، وتواجه عقبات بيروقراطية بلا حصر. على الأمم المتحدة أن تزيد من عملياتها في تركيا والأردن كجزء من جهود دعم هذه المساعدات. لكن الهيئات الأممية لا تقوم بعمليات عابرة للحدود بشكل مباشر، خشية أن يؤدي تحديها لسوريا في هذه النقطة إلى تعريض عملياتها في باقي أنحاء سوريا للخطر.

في 22 فبراير/شباط طالب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"جميع الأطراف، لا سيما السلطات السورية" بالسماح على وجه السرعة بمساعدات إنسانية سريعة وآمنة وبدون إعاقة تضطلع بها هيئات الأمم المتحدة الإنسانية وشركاءها في التنفيذ، بما في ذلك على خطوط النزاع وعبر الحدود.

استعانة بالتزام مجلس الأمن ببلوغ المساعدات لمستحقيها "من خلال المسارات الأكثر مباشرة"، فقد سعى مسؤولو الأمم المتحدة لتوفير المساعدات الإنسانية عبر المعابر في تركيا والأردن. لكن موقف سوريا ظل كما هو لم يتغير. في حين وافقت سوريا على السماح بالقوافل من معبر حدودي يقع شمالاً مع تركيا وتسيطر عليها الحكومة السورية، فقد رفضت بكل عناد مناقشة الوصول عبر معابر حدودية لدى الحدود الشمال غربية، وهو أفضل السبل للوصول إلى 3.35 مليون نسمة في حلب وإدلب.

هذا الرفض يعارض بشكل أصيل التزام سوريا بموجب القوانين الدولية للحرب بالسماح بـ "المرور السريع ودون إعاقة" للمساعدات الإنسانية إلى المعرضين للخطر، وتيسيره. وهو تحدٍ لمبادئ الإنسانية تجاه المدنيين العالقين في المنتصف.

بعد قرارمجلس الأمن، يتعين على هيئات الأمم المتحدة تنظيم عمليات كاملة مصممة لبلوغ جميع المحتاجين من خلال المسارات الأكثر أمناً ومباشرة، بما في ذلك عبر الحدود التركية والأردنية. وعلى حلفاء سوريا، ومنهم روسيا وإيران، أن يوضحوا للسلطات السورية أن قرار مجلس الأمن والقانون الدولي الإنساني يطالبانها بالتعاون مع عمليات الأمم المتحدة الإنسانية. على سوريا ألا تتدخل بأي شكل من الأشكال في قدرة الأمم المتحدة على توفير المساعدات، سواء في مناطق الحكومة أو المعارضة.

الحق أن هناك مواقع في سوريا "يصعب الوصول إليها"، ومنها بعض المناطق التي تتطلب العبور من نقاط تسيطر عليها جماعات مسلحة ومتطرفة من المعارضة. لكن هناك مئات الآلاف ممن يمكن أن يحصلوا على مساعدات مطلوبة بشدة إذا تم تذليل العقبات البيروقراطية والسياسية. والناس في باب السلام ينتظرون.