(تل أبيب) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن السلطات الإسرائيلية تحتجز المئات من طالبي اللجوء الإريتريين والسودانيين فعلياً، رغم قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية يقضي بإطلاق سراحهم. قام أكثر من 150 من المهاجرين بتجاهل القواعد المقيدة لتحركاتهم، وغادروا ما أطلقوا عليه "السجن المفتوح" في صحراء النقب، للخروج في مسيرة احتجاجية نحو القدس. تجمع المهاجرون في 17 ديسمبر/كانون الأول 2013 أمام الكنيست في القدس، حيث ألقت الشرطة القبض عليهم.

أقام مسؤولون إسرائيليون "مركز حولوت للمقيمين" في النقب لإيواء المئات من مواطني إريتريا والسودان ـ ومعظمهم من طالبي اللجوء ـ بعد أن حكمت المحكمة العليا في سبتمبر/أيلول بأن احتجازهم في "مركز احتجاز سهارونيم" القريب يخالف القانون. ومع ذلك فإن اشتراط إقامة المهاجرين في "حولوت"، والتسجيل هناك 3 مرات يومياً، والمبيت بداخله ليلاً، يرقى عملياً إلى مصاف الاحتجاز، وهذا بحسب هيومن رايتس ووتش.

قال جيري سمسون، باحث أول في شؤون اللاجئين في هيومن رايتس ووتش: "تبدو السلطات الإسرائيلية وكأنها قد عقدت العزم على إيجاد طرق جديدة لاحتجاز هؤلاء الأشخاص. ويجب على المسؤولين التخلي عن تمثيلية التظاهر بأن هذه القيود المشددة لا تمثل احتجازاً، والإفراج الجدي عن طالبي اللجوء امتثالاً لحكم المحكمة العليا".

بموجب القانون الدولي والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة، لا يجوز لإسرائيل احتجاز طالبي اللجوء إلا كملجأ أخير، وعلى أساس فردي وليس جماعياً، وكإجراء ضروري ومتناسب لتحقيق غاية مشروعة من قبيل الأمن.

في 12 ديسمبر/كانون الأول، قام المسؤولون بنقل 480، من جملة ما يزيد قليلاً على ألف مهاجر أفريقي محتجزين في "سهارونيم"، إلى "حولوت". وكانت وزارة الدفاع الإسرائيلية قد أنشأت مركز "حولوت"، ويتولى جهاز السجون الإسرائيلي حراسة طالبي اللجوء وغيرهم من المحتجزين هناك. يحيط بالمركز سور ارتفاعه 4 أمتار وكذلك صحراء النقب. قالت السلطات إنها قد تتيح خدمة حافلات محدودة لنقل المهاجرين إلى أقرب بلدة، وهي بير سبع، على بعد 65 كيلومتراً.

اعتباراً من يونيو/حزيران 2012، بدأ المسؤولون في احتجاز نحو ألفي أفريقي، ومعظمهم من طالبي اللجوء الإريتريين والسودانيين، في مركز "سهارونيم". وكان كثيرون منهم قد تعرضوا لانتهاكات شديدة على أيدي المتجرين في البشر في مصر في الطريق إلى إسرائيل، وطالب معظمهم باللجوء منذ ذلك الحين استناداً إلى خوفهم من الاضطهاد في بلدانهم الأصلية.

صدر قانون إسرائيلي جديد في منتصف 2012 يسمح للسلطات باحتجاز "المتسللين" لمدد قد تبلغ 3 سنوات دون أية إمكانية للطعن على الاحتجاز. وتعرّف إسرائيل "المتسلل" بأنه أي شخص يدخل إسرائيل على نحو غير نظامي ـ من طريق يغاير المعابر الحدودية الرسمية ـ بما في ذلك طالبي اللجوء.

وفي سبتمبر/أيلول 2013 أبطلت المحكمة الإسرائيلية العليا قانون 2012، مؤكدة أن الاحتجاز المطول لرعايا أجانب لا يمكن ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية ينتهك حقهم في الحرية بموجب القوانين الأساسية لإسرائيل.

لم يتحرك المسؤولون على الفور، فسعت منظمات اللاجئين الإسرائيلية إلى استصدار حكم بازدراء المحكمة في أكتوبر/تشرين الأول. وعندئذ أفرجت السلطات عما يزيد بقليل عن 700 من المحتجزين. وتعجّل المشرعون إصدار قانون جديد، وافق عليه البرلمان في 10 ديسمبر/كانون الأول، يتيح للمسؤولين احتجاز أي "متسلل" حديث الوصول لمدة قد تصل إلى سنة واحدة، ثم نقله ـ إضافة إلى "المتسللين" المحتجزين منذ 2012 ـ إلى "مراكز للمقيمين".

وإذا قام طالب لجوء بمخالفة ـ أو حتى اشتُبه في أنه يخطط لمخالفة ـ قواعد المركز، أو هدد "أمن الدولة" أو "السلامة العامة"، فإن القانون الجديد يفوض أحد مسؤولي وزارة الداخلية في الأمر بإعادة ذلك الشخص إلى "مركز احتجاز سهارونيم" لمدة قد تبلغ 12 شهراً.

قالت ميري ريغيف، رئيسة لجنة الكنيست للداخلية والبيئة، لصحفيين إسرائيليين في 15 ديسمبر/كانون الأول إن المجموعة التي خرجت في مسيرة نحو القدس تتكون من "متسللين يخالفون القانون الجديد" عن طريق مغادرة مركز "هولوت" طوال أيام والتخلف عن التسجيل الإجباري 3 مرات يومياً. كما قالت ريغيف: "أرجو حين يبلغوا القدس أن تكون الشرطة في انتظارهم، وأن تأخذهم مباشرة إلى مقر مغلق"، وهذا بحسب صحيفة "هاآرتس" اليومية.

يقرر قانون 10 ديسمبر/كانون الأول أن الشخص المقيم في أحد مراكز المقيمين، إذا أخفق في تسجيل وجوده حسبما هو مشترط، فإن للسلطات نقله إلى مركز احتجاز بعد 48 ساعة.

قال جيري سمسون: "إذا أُرغم الشخص على العيش في قلب الصحراء، وكان كل تحرك من تحركاته تحت رقابة حراس مسلحين، ولا يجوز له إلا زيارة بلدة على مبعدة ساعة ثم العودة على الفور تقريباً للحاق بموعد التسجيل، فإن هذا الشخص ليس حراً وإنما محتجز".

اقترحت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الاحتجاز يقع أينما تم تحديد تحركات الشخص في "موضع محدد ومحدود".

في مارس/آذار، نشرت هيومن رايتس ووتش تقريراً عن ممارسات إسرائيل الاحتجازية الرامية إلى إكراه المحتجزين الإريتريين والسودانيين على قبول العودة إلى إريتريا والسودان. وفي 25 فبراير/شباط قامت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين بانتقاد إسرائيل لممارسة الضغط على الإريتريين المحتجزين لقبول "العودة إلى إريتريا في مواجهة إنذار بالسجن"، وهو ما قالت إنه "لا يمكن اعتباره طوعياً بأي معيار".

بحسب السلطات الإسرائيلية، يعيش في المدن الإسرائيلية 50 ألفاً آخرين من مواطني إريتريا والسودان الذين دخلوا البلاد بطرق غير نظامية منذ 2006. وقد قامت إسرائيل بتعليق ترحيلهم على نحو غير رسمي، إلا أن مسؤولين كباراً هددوا بترحيلهم مراراً. في مطلع مارس/آذار أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن وزير الداخلية قال إنه ينوي احتجاز جميع هؤلاء "المتسللين" وترحيلهم إلى بلد ثالث لم يتم تحديده حتى الآن.

يواجه السودانيون والإريتريون خطر التعرض لأذى حقيقي إذا عادوا إلى بلدانهم الأصلية. بموجب القانون السوداني يواجه أي شخص قام بزيارة إسرائيل السجن لمدة قد تصل 10 سنوات، وقد قال مسؤولون سودانيون إن المحاكم ستطبق هذا القانون. وبسبب مخاوف ذات مصداقية من الاضطهاد المتعلق بعقوبة التهرب من الخدمة العسكرية دون أجل مسمى في إريتريا، فإن 90 بالمئة من الإريتريين طالبي اللجوء في جميع أنحاء العالم يحصلون على شكل من أشكال الحماية. طوال سنوات ظلت إسرائيل ترفض قبول طلبات اللجوء من الإريتريين والسودانيين. وفي فبراير/شباط بدأت السلطات في تسجيل الطلبات لكنها لم تتوصل حتى الآن إلى قرار في معظم الحالات.

قال جيري سمسون: "بدلاً من تحدي إسرائيل لمحكمتها العليا والتزاماتها الدولية فإن عليها الإفراج عن طالبي اللجوء ريثما يفحص المسؤولون طلباتهم، وحماية أي شخص يثبت أنه يواجه خطر الأذى الجدي إذا تمت إعادته".