© 2013 Human Rights Watch

 قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على مجلس الأمن الأممي، في جلسته النقاشية المقررة يوم 16 يوليو/تموز 2013، أن يدعو الحكومة السورية وجماعات المعارضة المسلحة إلى منح المنظمات الإنسانية حق الوصول إلى المدنيين والجرحى المحاصرين جراء القتال في سوريا. وعلى الحكومة وجماعات المعارضة ضمان المرور الآمن للمدنيين، وضمان العلاج الطبي لكافة الجرحى. 

قالت هيومن رايتس ووتش إن حرمان المدنيين المحاصرين بفعل القتال من العبور الآمن والوصول إلى المساعدات الإنسانية، في انتهاك لقوانين الحرب، قد مثل إشكالية متكررة أثناء النزاع السوري المسلح. توصل تحقيق أجرته هيومن رايتس ووتش مؤخرا في هجوم الحكومة وحزب الله على القصير بالقرب من حمص، إلى أن رفض الحكومة السماح للمنظمات الإنسانية بالوصول إلى البلدة يبدو وكأنه قد ساهم في عشرات الوفيات بسبب عدم إتاحة طرق إجلاء آمنة للمدنيين، وحرمان الجرحى من الرعاية الطبية الكافية.

قال أوليه سولفانغ، الباحث الأول في الطوارئ في هيومن رايتس ووتش، "كان يمكن إنقاذ الكثير من الأرواح في القصير لو كانت الحكومة السورية قد سمحت لمنظمات الإغاثة بالقيام بعملها. حينما يموت الناس كل يوم فإن الواجب على أعضاء مجلس الأمن هو المطالبة بحق الوصول الإنساني، وليس الاختباء خلف المفاوضات السياسية".

دعا العديد من الحكومات ومسؤولي الأمم المتحدة رفيعي المستوى الحكومة السورية إلى منح حق الوصول الإنساني إلى القصير أثناء القتال [بها] في مايو/أيار ويونيو/حزيران. لكن مجلس الأمن لم يصدر بياناً بشأن حق الوصول قبل انتهاء القتال بسبب العرقلة الروسية. كما عرقلت روسيا بياناً لاحقاً من مجلس الأمن بشأن حمص، حيث تفرض الحكومة حصاراً على المناطق الخاضعة للمعارضة. ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن جلسة اطّلاع حول الأوضاع الإنسانية وأوضاع حقوق الإنسان في سوريا يوم 16 يوليو/تموز.

منذ 28 يونيو/حزيران، كثفت الحكومة السورية من هجومها الرامي لاسترداد مدينة حمص القديمة التي سيطرت عليها المعارضة، وكذلك منطقتي الخالدية وباب هود في حمص. وقد قدر روبرت كولفيل، الناطق باسم مكتب الأمم المتحدة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، أنه حتى الأسبوع الأول من يوليو/تموز، كان هناك بين 2500 و4000 شخص محاصرين وسط القتال. قال نشطاء معارضون لـ هيومن رايتس ووتش إن الكثيرين من هؤلاء مدنيون، رغم أن هيومن رايتس ووتش لا تمتلك وسيلة للتحقق المستقل.

وكان كل من مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وبان كيمون الأمين العام للأمم المتحدة قد دعيا الأطراف إلى السماح للمدنيين بمغادرة المناطق المحاصرة بأمان، وإتاحة الوصول الإنساني الفوري إلى تلك المناطق. في 12 يوليو/تموز أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تصريحاًيقول إنها "منزعجة" من الوضع في مدينة حمص القديمة وتود إدخال مساعدات إنسانية وتمكين إجلاء المدنيين، إلا أنها لم تحصل بعد على موافقة جميع الأطراف.

قامت القوات الحكومية أيضاً بمحاصرة البلدات الخاضعة للمعارضة شرقي الغوطة في ضواحي دمشق منذ أوائل 2012. ويعاني السكان هناك من نقص الكهرباء والمياه والوقود والغذاء، حسبما يقول نشطاء المعارضة. تؤوي المنطقة حالياً ما يقرب من مليون شخص، وفق أشخاص من المنطقة.

فرضت قوات المعارضة الحصار على بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين في محافظة حلب، فحدت من وصول ما يقرب من 70 ألف شخص إلى الغذاء والوقود والمسلتزمات الطبية، وهذا بحسب لجنة تقصي الحقائق الأممية. في يونيو/حزيران أفادت اللجنة بأن السكان قد بدأوا يصابون بسوء التغذية، وبعجز الجرحى والمرضى عن الحصول على العلاج الطبي.

قال أوليه سولفانغ: "قامت الحكومة وقوات المعارضة على السواء بمحاصرة بلدات، دون مراعاة تذكر لأرواح المدنيين والجرحى المحاصرين بداخلها. وعلى الطرفين التوقف فوراً عن معاقبة المدنيين".

يحظر القانون الدولي الإنساني، أو قوانين الحرب، مهاجمة أو تدمير أعيان لا غنى عنها لحياة السكان المدنيين. كما يلزم أطراف أي نزاع بإتاحة وتسهيل حرية المرور السريع دون عوائق للمساعدات الإنسانية التي يجري توزيعها على السكان بحياد، ويحظر تجويع السكان المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب.

ينبغي للأطراف إتاحة حرية مرور الإغاثة الغذائية للسكان المعرضين للخطر، وموافقتها ضرورية لإتاحة تنفيذ عمليات الإغاثة، ولكن لا يجوز لها رفض منح الموافقة على نحو تعسفي. وبوسعها اتخاذ خطوات لمراقبة محتوى المساعدة الإنسانية وطرق توصيلها، مثل ضمان خلو الشحنات من الأسلحة. أما تعمد رفض وصول المساعدات كرد على إجراء عسكري فقد يمثل عقاباً جماعياً أو تنكيلاً عير مشروع بالسكان المدنيين.

بموجب قوانين الحرب، يتعين على الأطراف المتحاربة أيضاً ضمان حرية التنقل للعاملين في الإغاثة الإنسانية. ولا يجوز تقييد هذه الحرية إلا على نحو مؤقت ولأسباب الضرورة العسكرية القاهرة. ولا يجوز مطلقاً الهجوم العمدي على المنشآت أو وسائل النقل الطبية أو العاملين في المجال الطبي.

توصل تحقيق هيومن رايتس ووتش في استيلاء القوات الحكومية على القصير إلى أنه رغم تمكن العديد من المدنيين من مغادرة البلدة عبر نقاط التفتيش الحكومية أثناء المعركة، إلا أن الخوف المبرر من انتهاكات القوات الحكومية قد دفع عدداً كبيراً منهم إلى محاولة سلوك طرق خطيرة للفرار، في صحبة مقاتلي المعارضة المسلحين في كثير من الأحيان.

وتشير مقابلات هيومن رايتس ووتش مع شهود من القصير، بينهم 3 أطباء، كانوا قد وصلوا إلى لبنان، تشير إلى أن احتمال وفاة عدة عشرات من المدنيين والجرحى بسبب نقص العلاج الطبي في البلدة وأثناء الإجلاء، أو أثناء الهجمات الحكومية غير المشروعة على من يحاولون الفرار.

كانت إحدى الحالات تتعلق بوفاة صبي في الثالثة عشرة مصابا بجراح من الشظايا في صدره وبطنه. قال طبيب لـ هيومن رايتس ووتش: "كان علاجه ليصبح سهلاً لو كانت لدينا أية معدات طبية. لكن في تلك الظروف لم يكن بيدنا ما نفعله ولو لمجرد إيقاف النزيف. لم يكن لدينا حتى الماء كي نعطيه إياه فيشرب". 

الحرمان من الوصول إلى المساعدات الإنسانية أثناء معركة القصير
في 19 مايو/أيار قامت القوات الحكومية السورية، بمعونة عدد لا بأس به من مقاتلي حزب الله من لبنان، بشن هجمة كبرى لاسترداد القصير، وهي بلدة سورية يسكنها قرابة 30 ألف نسمة على الحدود مع لبنان. كانت قوات المعارضة قد سيطرت على البلدة ذات الأهمية الاستراتيجية منذ يوليو/تموز 2012.

لمدة أسبوعين سلطت القوات الحكومية على البلدة قصفاً مكثفاً، وضربت حولها حصاراً منع الغذاء والمستلزمات الطبية وغيرها من الضروريات من الوصول إلى المدنيين الذين ظلوا داخل البلدة.

في الشهور السابقة على معركة القصير وبوجه خاص أثناء أسبوعي المعركة، قامت القوات الحكومية بمحاصرة البلدة فمنعت الغذاء والماء والوقود والمستلزمات الطبية من الدخول. وفاقم من الوضع نقص الكهرباء والمياه الصالحة للشرب في البلدة.

قالت أم حوصرت في البلدة مع عدد من الأطفال أثناء المعركة لـ هيومن رايتس ووتش، "لم يكن هناك طعام ولا ماء. كنا نتضور جوعاً".

قال د. قاسم الزين، أحد الأطباء القلائل الذين ظلوا بالبلدة أثناء الحصار:

كان الوضع الغذائي شديد السوء أثناء المعركة. لم تتوافر المواد الغذائية الرئيسية كالحليب أو الخبز أو البيض. كان الناس يقتاتون على البرغل. في البداية كان يجري توزيع بعض المواد الغذائية، لكنها نفدت بعد خمسة أيام ـ لم يعد بوسعنا إدخال المزيد.

قال ساكن محلي كان يحاول تنسيق جهود الإغاثة لـ هيومن رايتس ووتش إن تهريب الإغاثة الإنسانية إلى البلدة كان شديد الصعوبة بسبب إحاطة القوات الحكومية بالبلدة واستخدامها الألغام الأرضية في المناطق المحيطة. قال لنا، "كان يبدو أن سيارة أو اثنتين تنفجران أسبوعياً بسبب الارتطام بالألغام".

قال سكان محليون لـ هيومن رايتس ووتش إن تدفق الماء كان متقطعاً في البلدة طوال أسابيع، لكنه انقطع تماماً في منتصف أبريل/نيسان عندما استولى مقاتلو حزب الله الموالون للحكومة على محطة المياه المحلية غربي القصير. قال السكان لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تمكنوا من البقاء أحياء عن طريق إعادة تشغيل بئرين قديمتين في البلدة، لكن الأمر كان صعباً لأن نقص الوقود اضطرهم لرفع الماء يدوياً.

لم يتضح ما إذا كان وقف تدفق الماء عملية متعمدة أم جاء نتيجة للقتال. لكن بعض السكان المحليين على الأقل قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن انقطاع الماء التام ربما يرجع إلى نقص الكهرباء والوقود اللازم لتشغيل محطة المياه، وفرار عمال المحطة عند استيلاء مقاتلي حزب الله عليها، فلم يبق أحد لتشغيلها.

بلغ نقص المستلزمات الطبية كالأكسجين والمضادات الحيوية وأدوية التخدير حداً حرجاً بصفة خاصة مع تزايد أعداد الجرحى، بحسب العاملين في الحقل الطبي. قال د. الزين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم حاولوا إدخال مستلزمات طبية إلى البلدة عبر نقاط التفتيش الحكومية، لكن القوات الحكومية كانت دائماً تصادرها. كما قال إن السيارات التي تحاول تهريب المستلزمات تعرضت للهجوم في عدة مناسبات.

قال أحد العاملين بمنظمة إنسانية دولية لـ هيومن رايتس ووتش إن المنظمة حاولت إدخال مستلزمات طبية إلى القصير في عدة مناسبات من خلال وسيط محلي، لكن الرجل قال إن تمرير المستلزمات مستحيل.

قال عاملون بالحقل الطبي لـ هيومن رايتس ووتش إن القصف الحكومي للمستشفى الوطني في القصير والغارات على عدد من المستشفيات الميدانية زادت كلها من صعوبة توفير الرعاية الطبية الكافية.

تعريض المدنيين والجرحى الفارين للخطر وللهجوم
يبدو أن رفض الحكومة السماح بدخول اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو غيرها من الجهات الإنسانية المستقلة إلى البلدة، وقد كان بوسعها تسهيل إجلاء المدنيين ومعالجة الجرحى، قد ساهم في عشرات الوفيات.

مع محاصرة القوات الحكومية ومقاتلي حزب الله التدريجية للقصير، صار المدنيون والجرحى الراغبون في مغادرة البلدة يواجهون بشكل متزايد إما خيار الرحيل عبر نقاط التفتيش الحكومية أو مواجهة مخاطر كبيرة في الفرار عبر الطرق الأصغر أو الحقول.

ومع أن الكثير من المدنيين غادروا القصير من خلال نقاط التفتيش الحكومية، بما في ذلك أثناء أسبوعي المعركة، إلا أن عددا لا يستهان به من المدنيين، وخاصة الرجال في سن التجنيد، صرفوا النظر عن هذا الخيار لاقتناعهم بأنهم سيتعرضون للاحتجاز أو إساءة المعاملة أو القتل. قال مقاتل أصيب أثناء المعركة، "كان من شأنهم قتلي على الفور". وقال عدة أشخاص لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يعرفون مدنيين تم احتجازهم عند نقاط التفتيش.

شكك السكان في تقارير إعلامية أفادت بأن الحكومة أسقطت منشورات تحمل تعليمات للمدنيين بمغادرة البلدة آمنين. وقال ثلاثة أشخاص لـ هيومن رايتس ووتش إنهم رأوا منشوراً يأمر المقاتلين بالاستسلام أو مواجهة الموت ـ وهو المطلب الذي تحظره قوانين الحرب. لم يظهر في صورة فوتوغرافية للمنشورات الملقاة على القصير، وهي الوحيدة التي وجدتها هيومن رايتس ووتش، أية تعليمات متعلقة بالإجلاء.

أدى الخوف من القوات الحكومية بالعديد من المدنيين إلى محاولة الهرب عبر البساتين وباستخدام الطرق الأصغر الخالية من نقاط التفتيش الحكومية. وسعى البعض إلى الهرب عبر هذا الطريق مع مقاتلي المعارضة المسلحين، مما زاد من خطر تعرضهم لهجوم القوات الحكومية. قالت سيدة لديها عدة أطفال لـ هيومن رايتس ووتش إن مقاتلي المعارضة حاولوا إجلاءهم مرتين، لكنهم عادوا أدراجهم في المرتين بسبب الخطر الشديد.

حكى عدة شهود لـ هيومن رايتس ووتش عن محاولة فاشلة لإجلاء 50 مدنياً ومقاتلاً جريحاً بالسيارات في مساء 25 مايو/أيار، على سبيل المثال. بعد قطع نحو 5 كيلومترات شمالي البلدة، فتحت القوات الحكومية النار من إحدى نقاط التفتيش، فقتلت 13 شخصاً. وكان بين القتلى أب فقد طفله ساقيه في الهجمة.

تحظر قوانين الحرب الهجمات العمدية على المدنيين أو المقاتلين الجرحى الذين لم يعودوا يشاركون في الأعمال العدائية. وقد يكون الهجوم على المقاتلين الذين يحاولون الجلاء مشروعاً، طالما لم تكن الهجمات عشوائية عديمة التمييز ولا يرجح أن تسبب ضرراً غير متناسب للمدنيين الموجودين. ومن غير المشروع، في الوقت ذاته، أن يقوم المقاتلون بتعريض المدنيين للخطر دون داع أو تعمد استخدام المدنيين لحماية أنفسهم من هجمات العدو.

كما أن الألغام الأرضية التي زرعتها القوات الحكومية قد جعلت من عملية إجلاء الجرحى مهمة خطيرة. قال أحد السكان المحليين وعمره 20 عاماً لـ هيومن رايتس ووتش إنه كُلف بالمراقبة ريثما يحاول مقاتلو المعارضة إجلاء عدد من الجرحى والمدنيين في خمس سيارات في منتصف مايو/أيار. قال الرجل، الذي راقب الواقعة من مبعدة، إن السيارة الأولى ارتطمت بلغم أرضي بين الحسينية وشمسين، فقُتل السائق، وأسر الجيش هؤلاء الذين عجزوا عن الهرب.

في واقعة منفصلة، قال ساكن محلي نشط في إجلاء الجرحى لـ هيومن رايتس ووتش إن المدني أيوب الشدادة، الذي كان بدوره ينقل الجرحى خارج القصير، أصيب بجراح جراء لغم أرضي بينما كان ينتقل على قدميه خارج البلدة. عاد أيوب لتلقي العلاج، ثم قتل بعد 10 أيام وهو في سيارة تقله خارج القصير، بفعل لغم مضاد للمركبات في أواخر مايو/أيار. زود الساكن المحلي هيومن رايتس ووتش بأسماء خمسة رجال آخرين كانوا يعملون معه وقتلوا على الطريق وهم يحاولون إجلاء جرحى عن القصير.

رفضت الحكومة السورية دعوات دولية عديدة لإجلاء المدنيين ورفضت منح حق الدخول لمراقبين مستقلين كان بوسعهم تسهيل عمليات الإجلاء. في 2 يونيو/حزيران قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم إن سوريا لن تمنح اللجنة الدولية للصليب الأحمر حق الدخول إلا بعد انتهاء القتال. في 3 يونيو/حزيران صرحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر علناً بأنها كانت قد طلبت الدخول وما زالت في انتظار الإذن.

الإجلاء الأخير

تدل المعلومات المستمدة من شهود على بقاء المئات، وربما الآلاف، من المدنيين والجرحى في القصير حتى يوم 4 يونيو/حزيران، وهو اليوم السابق على استيلاء القوات الحكومية على البلدة.

قال ناشط يساعد في نقل الجرحى من عدة بلدات إلى أماكن يفر منها الناس، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن نحو 1500 إلى 1800 مدنياً، و3000 إلى 4000 مقاتلاً، ونحو 800 مقاتل ومدني جريح، وصلوا من القصير في الأيام التي أعقبت سقوط البلدة.

قال د. الزين لـ هيومن رايتس ووتش إنه يعتقد أن المجموعة الفارة من القصير والقرى المجاورة كانت تتكون من 10 آلاف شخص على الأقل، بينهم 1300 جريح، بينما قدر آخرون العدد بـ15 ألفاً. بعد بدء تداول شائعات في القصير بأن قوات المعارضة ستضطر في القريب العاجل للتخلي عن البلدة، بدأ المدنيون يرحلون بأعداد كبيرة في عصر 4 يونيو/حزيران. قال أحد أعضاء المجلس المدني في القصير لـ هيومن رايتس ووتش إن 90 بالمئة من المدنيين والجرحى كانوا قد غادروا البلدة بحلول ذلك المساء، متجهين شمالاً على الطرق الفرعية. بحلول الصباح كانت الأغلبية العظمى من المدنيين والجرحى والمقاتلين قد غادرت البلدة.

طوال عصر 4 يونيو/حزيران ومسائه، كانت سلطات المعارضة في القصير وحزب الله تحاول التفاوض على الإجلاء الآمن للمدنيين والجرحى من خلال الأطباء على الجانبين. زود الطبيبان المشاركان في المفاوضات هيومن رايتس ووتش ببيانات متضاربة عن الاتفاق النهائي. ولكن يبدو أن مجلس المعارضة العسكري في القصير رفض عرضاً يقضي بنزع سلاح المقاتلين لكي يغادروا البلدة في أمان، وبقاء المدنيين في حماية حزب الله، وقيام حزب الله بإجلاء الجرحى إلى لبنان.

قال شخص كان يحضر اجتماع المجلس العكسري في مساء 4 يونيو/حزيران لـ هيومن رايتس ووتش: "كان الخيار الذي عرضه حزب الله يعني اضطرار المقاتلين لترك عائلاتهم خلفهم في أيدي حزب الله. ولم يكن ممكناً أن يقبلوا هذا".

طيلة الأيام التالية ظلت مجموعات من المدنيين والجرحى والمقاتلين الجاري إجلاؤهم تنتقل بالسيارات ثم على الأقدام شمالاً إلى الضبعة والبويضة الشرقية، ثم شرقاً عبر طريق حمص-دمشق السريع قرب قرية الحسينية. قال السكان المحليون الذين تم إجلاؤهم يومي 4 و5 يونيو/حزيران إن القوات الحكومية هاجمت المجموعات الجاري إجلاؤها.

تعرضت مجموعات المدنيين والجرحى والمقاتلين الفارين لهجمات مكثفة بينما كانت تحاول عبور طريق حمص-دمشق السريع بين نقاط تفتيش الحسينية وشمسين في ليلة 7 يونيو/حزيران.

لم يُعرف عدد القتلى أثناء عمليات الإجلاء، وهناك تباين كبير في التقديرات. قام ناشط يجمع أسماء القتلى أثناء الإجلاء بتزويد هيومن رايتس ووتش بقائمة بها أسماء 29 شخصاً قتلوا في محاولة العبور وحدها، وما زال العشرات مفقودين، بحسب ذلك الناشط.

وفق عاملين في الحقل الطبي وغيرهم، توفي 13 شخصاً على الأقل ممن جرحوا مسبقاً بسبب نقص الرعاية الطبية والغذاء والماء أثناء الإجلاء.

في إحدى الحالات توفي وليد خالد الشاروف، وهو شاب عمره 18 عاماً كان قد جرح في القصير بشظايا في الصدر أثناء غارة جوية، توفي في مايو/أيار أثناء محاولة الفرار لأنه لم يحصل على نقل دم كان يحتاج إليه.

حكى شهود لـ هيومن رايتس ووتش عن واقعتين ارتطمت فيهما قوافل إجلاء الجرحى والمدنيين والمقاتلين بألغام أرضية مضادة للمركبات زرعتها القوات الحكومية على الطرق الفرعية. قال رجل كان يساعد في إجلاء الناس إلى مستشفى يبرود يوم 9 يونيو/حزيران لـ هيومن رايتس ووتش:

كان هناك نحو 30 سيارة في قافلتنا. وكان ذاك هو الطريق الوحيد الذي يمكن للجيش السوري الحر استخدامه لإجلاء الجرحى. عند انفجار أول سيارة بلغم أرضي، أصيب سائقو بقية العربات بالذعر وحاولوا الدوران عائدين بسياراتهم. ارتطمت سيارتان أخريان بألغام أرضية، وأصيبت رابعة بقذيفة دبابة. توفي كافة الموجودين في السيارات، الجرحى والمقاتلين على السواء.

حكى "محمود"، الذي كان ينسق جهود جلب المساعدة الإنسانية إلى القصير، لـ هيومن رايتس ووتش عن واقعة ثانية ارتطمت فيها أول سيارة، في قافلة من 11 سيارة تقل مقاتلين وجرحى ومدنيين، بلغم أرضي على بعد 2 كيلومتر جنوبي الديبة، فقتل أربعة أشخاص في السيارة يوم 12 يونيو/حزيران:

كنا نجلي الناس باستخدام نفس الطريق لمدة ليلتين بالفعل. وفجأة في الليلة الثالثة ارتطمت العجلة الأمامية اليمنى لأولى سيارات القافلة بلغم أرضي، فقتل الأشخاص الثلاثة الذين كانوا يجلسون بجوار السائق في المقصورة، وشخص واحد على أرضية الشاحنة. كان هناك نساء وأطفال في بعض السيارات الأخرى، لكن لم يقتل أحد منهم لحسن الحظ.

بينما لا ينطبق الحظر الذي يفرضه القانون الدولي إلا على استخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد، إلا أن استخدام الألغام الأرضية المضادة للمركبات محكوم بالمبادئ المشتركة للحرب القانونية، مثل الحاجة إلى التمييز بين المدنيين والمحاربين، وعدم تنفيذ هجمات من شأنها أن تؤدي إلى خسائر غير متناسبة وسط المدنيين.

وكثيراً ما عمدت القوات الحكومية السورية إلى مهاجمة الفارين المدنيين والجرحى من مدنيين ومقاتلين، بما في ذلك عن طريق زرع الألغام الأرضية على الطريق الفرعية المؤدية إلى البلدة. ومع ذلك فمن الصعب تحديد مدى انتهاك هذه الهجمات لقوانين الحرب لأن القوافل كثيراً ما كان يرافقها مقاتلو المعارضة، الذين يشكلون أهدافاً عسكرية مشروعة.

وهكذا فإن مقاتلي المعارضة، بصفتهم هذه، ربما يكونوا قد زادوا من تعريض المدنيين والجرحى لخطر الهجوم بمرافقتهم أو الجلاء معهم. ومع ذلك فقد أبدى المدنيون والجرحى والمقاتلون الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش المقابلات اعتقاداً بأن القوات الحكومية كان من شأنها أن تقتل المزيد من المدنيين والجرحى لولا وجود المقاتلين لحمايتهم.