في 18 مارس/آذار منذ عامين، ومع اندلاع الانتفاضة الشعبية في شتى أنحاء اليمن، شن مسلحون في ثياب مدنية الهجوم الأكثر دموية على المتظاهرين في انتفاضة البلد لعام 2011. وقفت قوات أمن الدولة موقف المتفرج بينما فتح المسلحون النار على المتظاهرين المتجمعين من أجل مسيرة أطلقوا عليها اسم جمعة الكرامة. وتسبب الهجوم في مقتل 45 وإصابة 200 شخص.
 

يصف لي جابر المندليق- متظاهر أُصُيب بالشلل النصفي بدءا من الخصر حتى قدميه من جرَاء احدى الرصاصات- ما حدث له قائلا: " أطلقوا النار علينا مباشرة.  حسبت أن هذه هي النهاية. بدأت  أردد أن لا إله إلا الله. ثم أصبت بالرصاص".
 

تصدر أخبار اليمن في 18 مارس/آذار العام الحالي البدء في مؤتمر حوار وطني واسع النطاق، في سعي طموح لمداوة جروح البلد بعد الانتفاضة التي استمرت لمدة عام، والتي أجبرت الرئيس علي عبد الله صالح في فبراير/شباط 2012 على ترك السلطة بعد حكم دام 33 عاما. ولكن الحوار الوطني لن يعني الكثير إذا فشلت حكومة اليمن الانتقالية في تحقيق العدالة لمئات القتلى من المتظاهرين أو غير المتظاهرين وللآلاف الذين أصيبوا أثناء انتفاضة البلد. وتوضح لنا أعمال قتل يوم جمعة الكرامة- التي لم يُعاقب مرتكبوها عليها بعد- السبب وراء ذلك.
 

أصبح الهجوم على ميدان التغيير، وهو قلب الحركة الاحتجاجية في العاصمة صنعاء، رمزا للرد الوحشي من قبل قوات الأمن والعصابات الموالية لصالح على الانتفاضة المؤيدة للديمقراطية.  فمع انتهاء المتظاهرين من صلاة الجمعة، أضرم المهاجمون النار في حائط كان سكان المنطقة قد بنوه قبل عدة أيام على حافة ميدان التغيير، ثم أطلقوا النار. ساعد تشابك الدخان وألسنة اللهب على إخفاء المسلحين ومنع هروب المتظاهرين.

وجد تحقيق هيومن رايتس ووتش في مقتل المتظاهرين أدلة على تورط مسؤولين حكوميين في الهجوم، وعلى تدخل إدارة صالح في تحقيق النيابة في محاولة واضحة لإخفاء هذا الدور.

إن انسحاب قوات الأمن المركزي- وهي وحدة شبه عسكرية كانت خاضعة آنذاك لرئاسة يحيى صالح، نجل شقيق صالح- انسحابها من المشهد في الليلة السابقة على الهجوم، على الرغم من تحذيرات السكان وضباط الأمن المتكررة من وقوع حمام دم، هو أحد التصرفات العديدة التي تدعو إلى الريبة. كذلك فعلى الرغم من عودة قوات الأمن المركزي بعد نصف ساعة من بدء عمليات إطلاق النار إلا إنها لم تبذل أي جهد يذكر لوقف المسلحين.

إن تصرف قوات الأمن على هذا النحو يمكن أن يرقى لكونه تواطؤا في الجريمة  أو على أقل تقدير إخفاقا سافرا عن الحماية، ولكن النيابة تقاعست حتى عن استجواب يحيى صالح أو وزير الداخلية آنذاك مطهر المصري بشأن الهجوم، وليس ذلك مستغربا بالنظر إلى إن الرئيس عبد الله صالح كان قد أقال النائب العام من منصبه في أبريل/نيسان 2011 بعد شروعه في التحقيق في احتمال تورط مسؤولي الحكومة في عمليات القتل.

بعد ذلك بشهرين، اتهمت النيابة  78 مشتبها به بأعمال القتل، ولكن المحكمة الابتدائية أدرجت أكثر من نصفهم كهاربين من العدالة، بينما يزعم محامو الضحايا أن أماكن العديد منهم معروفة وأنهم يتلقون رواتبهم من الحكومة. جدير بالذكر أن العديد من هؤلاء المدعى عليهم إما ضباط حاليون أو سابقون في قوات الأمن أو أعضاء في حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يرأسه صالح.

في الوقت نفسه، يبدو أن المدعىعليهم الثمانية المحتجزين وراء القضبان أبرياء أو متواطؤون هامشيون على  أقصى تقدير، وقد تضمنوا عامل قمامة ورجلا مشردا يكاد لا يرى بعينيه. وعندما حضرت هيومن رايتس ووتش إحدى جلسات الاستماع الخاصة بالقضية في سبتمبر/أيلول الماضي، كان المشتبه بهم يرجرجون قضبان قفص الاتهام في قاعة المحكمة في صنعاء بينما كان أقرباء قتلي الهجوم يهتفون: "الأبرياء محتجزون والمذنبون طلقاء".

قال وزير العدل، مرشد العرشاني، لـ هيومن رايتس ووتش في فبراير/شباط إنه يدعم إجراء تحقيق جديد في أعمال القتل، ولكن ذلك غير محتمل من دون ضغط دولي. كان قاضي المحاكمة قد علّق كل المجريات في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بعد أن رفع محاموالدفاع دعوى تسعى إلى إدانة بعض كبار المسؤولين السابقين والحاليين، بمن فيهم الرئيس السابق صالح، الذي لا يزال رئيسا لحزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن ويحيى صالح المقيم حاليا في لبنان.

هذه الدعوى قد تفيد في اختبار القانون الذي مرره البرلمان اليمني العام الماضي مانحا الحصانة الكاملة لصالح ولجميع من خدموا معه. ينتهك هذا القانون -الذي دعمته الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وودول الخليج كوسيلة لحث صالح على التنحي- التزامات اليمن بالتحقيق في الجرائم الخطيرة بمقتضى القانون الدولي. وما زال اليمنيون إلى يومنا هذا يخرجون إلى الشوارع للمطالبة بإلغاء قانون الحصانة.

في اجتماع مع هيومن رايتس ووتش في فبراير/شباط، رفض صالح - المهدد حاليا بعقوبات من مجلس الأمن بالأمم المتحدة لمزاعم تتعلق بعرقلة العملية الانتقالية في اليمن- رفض طلباتنا المتعلقة بدعم إلغاء قانون الحصانة، وقال بشكل قاطع: "لا يمكن لأية قوة، وطنية كانت أو دولية، أن تلغي هذا القانون. كل الأطراف قبلته".

وربما لا يكون الأمر كذلك، فمحكمة اليمن العليا لم تبت بعد في مدى دستورية القانون، وبمقتضى الاختصاص الجنائي العالمي فإن المحاكم الأجنبية الساعية وراء ملاحقة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة غير مُلزَمة بما يمنحه بلد آخر من حصانة لمرتكبي تلك الانتهاكات.

بالتوازي مع بطء الملاحقات القضائية، جاءت تعويضات ضحايا الانتفاضة أيضا متأخرة، فالسلطات لم تبدأ إلا في الشهور الأخيرة الماضية في صرف مدفوعات جزئية، لا تتعدى بضعة آلاف من الدولارات بحد أقصى، لأسر القتلى أو الناجين ذوي الاصابات الشديدة. 
 

وفي أواخر يناير/كانون الثاني، بدأ عشرات المصابين، من بينهم العديد من مبتوري الأطراف، في نصب الخيام خارج مبنى رئاسة الوزراء في صنعاء للضعط من أجل مطالبهم المتعلقة بتلقي العلاج في الخارج. وفي 12 فبراير/شباط، هاجمت قوات الأمن المركزي بعض المحتجين الجرحى، وضربت عضوا في البرلمان كان يتظاهر معهم بشدةٍ تطلبت نقله إلى المستشفى.

يتحجج المسؤولون اليمنيون- عند الضغط عليهم بشأن المحاسبة- بالعديد من القضايا الساخنة والمحتدمة التي ينبغي عليهم عن حق التعاطي معها، ومنها التمرد الحوثي في الشمال، والانفصاليون المسلحون في الجنوب، وميليشيات القاعدة المنتشرة على ما يبدو في كل مكان، وشحنة الأسلحة الغامضة التي يزعم أنها قادمة من إيران إضافة إلى الأزمة الإنسانية.  ولكن من الضروري تذكر أن المحرك الرئيسي لانتفاضة اليمن كان تهميش العدالة والفشل في تحقيقها.

يمكن للبلدان المعنية، بما فيها الولايات المتحدة والدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي،  إضافة إلى مجلس الأمن بالأمم المتحدة، أن تساعد اليمن على طي صفحة الماضي عن طريق فرض قرارات حظر سفر وتجميد أصول على أي مسؤول متورط في الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالانتفاضة، كما يمكن لها أيضا أن تمتنع عن تقديم أية مساعدات لأي من قوات الأمن المتورطة في هذه الجرائم إلى أن يعزل المسؤولون عن هذه الجرائم من مناصبهم ويسائلون عليها.

وينبغي على الحكومات الأجنبية أيضا أن تدعم إجراء تحقيق دولي في انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة التي ارتكبت أثناء الانتفاضة إذا أخفقت جهود الحكومة اليمنية في إجراء هذه التحقيقات بالمستوى المطلوب.

في غياب هذه التدابير، فإن الأمر سينتهي باليمنيين بالمزيد من الإفلات من العقاب عوضا عن التغيير الذي فقد المتظاهرون حياتهم من أجله في جمعة الكرامة.

ليتا تايلر هي باحثة أولى في هيومن رايتس، وكاتبة تقرير حول اليمن بعنوان " مذبحة بلا عقاب: إخفاق الحكومة اليمنية في التعامل بشكل ملائم مع أعمال قتل "جمعة الكرامة"