رجل يحمل ابنته وهما يفران من شقته المدمرة إثر هجوم بطائرات حربية في 6 أغسطس/آب 2012.

© 2012 Nicole Tung

(أنطاكية) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن المدنيين داخل وحول مدينة حلب السورية المحاصرة في خطر متزايد من الهجمات الجوية والقصف المدفعي وإطلاق النار. وينبغي أن يتأكد قادة القوات الحكومية السورية والجيش السوري الحر المعارض، أن قواتهم تلتزم بقوانين الحرب ولا تستهدف المدنيين أو تشن هجمات عشوائية على الإطلاق.

أجرى باحثو هيومن رايتس ووتش تحقيقا ميدانيا استغرق أسبوعا في محافظة حلب شمالي سوريا في مطلع أغسطس/آب 2012، وهم يواصلون جمع المعلومات على الحدود السورية مع تركيا، التي فر إليها العديد من سكان حلب.

وقالت آنا نيستات، القائمة بأعمال مدير الطوارئ في هيومن رايتس ووتش: "بينما تقوم سوريا بنشر مروحيات، وطائرات مقاتلة، ودبابات وأسلحة ثقيلة في مناطق آهلة بالسكان، فإنها ينبغي أن تتخذ كل شيء ممكن لحماية المدنيين من الأذى. في الوقت ذاته، فإن قوات الجيش السوري الحر داخل وحول المدينة ينبغي أن تفعل ما بوسعها لتقليل الخطر على المدنيين أثناء القتال".

أصدرت هيومن رايتس ووتش وثيقة أسئلةوأجوبةفي 10 أغسطس/آب، 2012؛ لتوفير الإرشاد القانوني بشأن القتال لأطراف النزاع وأولئك الذين يملكون القدرة على التأثير عليهم.

قالت عشرات الأسر من أحياء هنانو والشعار وباب النيرب والسكري والمرجة وصلاح الدين والصاخور والفردوس وأماكن أخرى لـ هيومن رايتس ووتش إنهم فروا من أحيائهم بعد أن أخضعت قوات الحكومة تلك المناطق لقصف مدفعي وهجمات جوية مكثفة. ووصفوا الدمار والأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والمخابز وغيرها من المباني. وتؤكد صور وشهادات من حلب وضواحيها جمعها صحفيون دوليون، تلك التقارير.

وقال شهود إن مقاتلين من الجيش السوري الحر كانوا يسيطرون على هذه الأحياء وقت الهجمات؛ لذا فإن هجمات القوات الحكومية ربما كانت موجهة إلى أهداف عسكرية.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه من المستحيل التحقق من عدد الخسائر المدنية في حلب والمنطقة المحيطة بها، ووفق مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، وهي مجموعة مراقبة سورية تعمل بالتنسيق مع شبكة من الناشطين السوريين تعرف بـ" لجان التنسيق المحلية"، فإنه قد قُتل 265 مدنيا جراء القصف في محافظة حلب في الفترة من 19 يوليو/تموز إلى 9 أغسطس/آب. وقتل 166 مدنيا آخرين بالرصاص، ولا يحتفظ مركز توثيق الانتهاكات في سوريا بإحصائيات حول الجرحى.  

ووصف مدنيون مصابون نقلوا إلى مستشفى في تركيا الهجمات لـ هيومن رايتس ووتش، التي سقط فيها مدنيون ما بين قتلى ومصابين.

في أحد الهجمات في 7 أغسطس/آب، في تل رفعت، وهي بلدة تبعد 40 كليومترا شمالي مدينة حلب، ألقت طائرة حكومية 6 قذائف قرب مدرسة كانت تقودها إدارة مدنية معارضة، ومحكمة ومركز احتجاز صغير، وكان يقوم بحراسة المدرسة عدد قليل من الرجال المسلحين. لم تسقط أي من القنابل فوق المدرسة، لكن واحدة أصابت منزلا قريبا، فقتلت على الفور 8 من عائلة بلاو. وتم نقل سيدة من نفس العائلة إلى تركيا لتلقي الرعاية الطبية فماتت  بدورها.

مقاتلو الجيش السوري الحر الذين كانوا يقيمون في مدرسة أخرى قريبة ربما كانوا الهدف المقصود، وضربت قنبلة تلك المدرسة لكن الشهود لم يفيدوا بسقوط أي خسائر في صفوف المقاتلين.

وقال أحد الشهود على الهجوم: "كان من المستحيل في البداية أن يعرف المرء عدد من كانوا بداخل (منزل عائلة بلاو) – لقد تمزقوا إلى أشلاء صغيرة..كان هناك عدة أطفال صغار، بأياد وأرجل مبتورة، ورؤوس مشوهة للغاية، وكان من المستحيل تمييزهم".

وفي هجوم وقع في 8 أغسطس/آب، جرح 7 مدنيين على الأقل في قصف قامت به طائرة حكومية في قرية أخترين، قرب حلب.

وقال محمود، 47 عاما، الذي عانى جروح جراء إصابته بشظايا في كل أنحاء جسمه في هذا الهجوم: "سمعت انفجارا هائلا ورأيت وميضا قويا أمام عيني، وقطع معدنية تطير حولي، وسقطت على الأرض متألما..كنت مغطى بالدماء. لم يصب ابني بأذى، لكنه كان في حالة من الرعب – ظن أنني ميتا وكان يصرخ طلبا للنجدة".

وقال شاهد آخر إن 6 أو 7 مدنيين آخرين أصيبوا في الهجوم، ولم يكن هو أو محمود يعرفان الهدف الذي كانت تقصده القوات الحكومية.

معظم الشهود قالوا إنه أثناء هجوم القوات الحكومية، كان الجيش السوري الحر ينصب نقاط تفتيش ويجري دوريات في أحياءهم. يتطلب القانون الإنساني الدولي من الأطراف في أي صراع أن يتخذوا كل الخطوات الممكنة لتجنب وضع المدنيين تحت سيطرتهم في خطر، وألا ينشروا قواتهم بلا داعي في مناطق كثيفة السكان.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي على الجيش السوري أن يعمل جاهداً على نقل المدنيين من المناطق القريبة من تواجد قواته وغيرها من الأهداف العسكرية المحتملة، وفي نفس الوقت، فإن على القوات الحكومية التزام بأن تفكر بالأضرار التي يمكن أن تلحق بالمدنيين إذا هاجموا مناطق مأهولة يتواجد بها الجيش السوري الحر.

إن قوانين الحرب تحظر الهجمات التي لا تفرق بين الأهداف العسكرية والمدنية، أو الهجمات على أهداف عسكرية التي لا تتناسب فيها الأضرار التي يمكن أن تلحق بالمدنيين بالميزة العسكرية المتوقعة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن استخدام الحكومة للمدفعية الثقيلة ذات الأعيرة واسعة القطر وغيرها من أسلحة الإطلاق الناري غير المباشر، من دون محددات مناسبة للأهداف العسكرية في المناطق المأهولة، هو أمر يثير مخاوف من وقوع هجمات عشوائية وغير متناسبة.

لم يتوصل التحقيق الذي أجرته هيومن رايتس ووتش إلى أي أدلة تدعم مزاعم الحكومة السورية بأن قوات الجيش السوري الحر تمنع المدنيين من النزوح من حلب. على النقيض، فإن كل الشهود الذين أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات معهم، قالوا إن جنود الجيش السوي الحر  شجعوهم على مغادرة المناطق المعرضة لهجمات، وساعدهم على النزوح عن المدينة عبر توفير سيارات لهم، ووقود السيارات ونصائح بشأن الطرق الآمنة.

يحظر القانون الدولي الإنساني أيضا "العنف الذي يهدد الأرواح والأشخاص، وبشكل خاص كل أنواع القتل، والتشويه، والمعاملة القاسية والتعذيب"، و"الاعتداءات على الكرامة الشخصية، وبخاصة المعاملة المهينة والمذلة ضد أي شخص محتجز، بما في ذلك الأسرى من المقاتلين والمدنيين". وتحقق هيومن رايتس ووتش في تقارير عن إعدامات خارج نطاق القانون وعمليات إعدام بإجراءات موجزة، نفذتها قوات الحكومة والمعارضة على السواء أثناء المعارك الأخيرة في حلب.

وعبرت هيومن رايتس ووتش كذلك عن مخاوفها بشأن الوضع الإنساني سريع التدهور في حلب والبلدات المجاورة. وقالت هيومن رايتس ووتش إن السكان والمهجرين في المنطقة يعانون نقصا حادا في الكهرباء، والغاز وماء الشرب، والخبز وغيرها من الضروريات، مثل حليب الرضع.

وتفتقر المستشفيات في حلب والقرى القريبة منها إلى المعدات والإمدادات لتقديم الرعاية الصحية للجرحى.

في 4 بلدات وقرى شمالي محافظة حلب زارتها هيومن رايتس ووتش، لم يتلق الأشخاص المهجرين، ومعظمهم من النساء والأطفال، أية مساعدة، بصرف النظر عن الحد الأدنى من الدعم الذي قدمه لهم السكان المحليون. كانوا يقيمون في بيوت خاوية أو مدارس، معظمها من دون فرش أو أغطية وغيرها من الضروريات.

ودعت هيومن رايتس ووتش كل أطراف الصراع إلى تسهيل تسليم المساعدات الإنسانية عن طريق الأمم المتحدة وغيرها من الوكالات، إلى النازحين داخلياً المحتاجين للمساعدة. وفق القانون الدولي الإنساني، لابد أن تسمح كل أطراف النزاع بتسهيل التمرير السريع وبلا إعاقة للمساعدات الغذائية التي يتم توزيعها بحياد.

وقالت آنا نيستات: "ينبغي أن تضمن كل الأطراف أن الأشخاص المهجرين في شمالي حلب يحصلون على الدعم الذي يحتاجون إليه بشكل عاجل. أولئك الذين يفرون من القتال في حاجة ماسة للحصول على الدواء، والطعام والإمدادات الأساسية".

 

شهادات مصابين مدنيين في محافظة حلب:
تل رفعت: 9 قتلى من عائلة واحدة
وصف 8 شهود من تل رفعت، وهي بلدة تبعد 40 كيلومترا شمال حلب، لـ هيومن رايتس ووتش كيف قصفت قوات الحكومة وشنت هجمات جوية على البلدة في 7 و9 أغسطس/آب. قال الشهود إنه في حوالي الساعة السابعة صباحا، يوم 7 أغسطس/آب، قصفت قوات الحكومة تل رفعت من مطار قريب. في غضون 30 دقيقة، أطلق نحو 40 قذيفة مدفعية على البلدة. في نفس التوقيت، ألقت ست مقاتلات من طراز ميج 6 قنابل باتجاه المدرسة التي تقع بها إدارة المعارضة المحلية، ومحكمة ومركز اعتقال صغير، يحرسه عدد قليل من المسلحين. لم تصب القنابل المدرسة لكنها ضربت منزلا يقع في نفس الشارع، فقتلت 9 من عائلة بلاو. ووصف شاهدان المشهد في المنزل. قال واحد منهم:

 كان منزل جيراني، عائلة بلاو. عندما أتينا كان المنزل كومة من الأنقاض. استغرق الأمر منا 3 ساعات لجلب الشاحنات والبدء في إخراج الناس. كان من المستحيل في البداية أن تقول كم عدد من كانوا بالداخل – تمزقت أجسادهم إلى أشلاء صغيرة. كان هناك عدة أطفال صغار، بأياد وأرجل مبتورة، ورؤوسا مشوهة للغاية، وكان من المستحيل التعرف عليهم. فاطمة بلاو (ابنة) كانت لا تزال حية، واندفعنا بها إلى مستشفى في تركيا، لكن إصاباتها كانت خطيرة جدا، ولم يتمكن الأطباء من إنقاذها. توفي شقيقاها ووالداها، وأربعة آخرون من الأطفال قتلوا في مكان الغارة، لكن استغرقنا بعض الوقت لجمع بقاياهم. لم أر أبدا شيئا مروعا كهذا.

وقال الشهود إن بعض مقاتلي الجيش السوري الحر كانوا نائمين في مدرسة أخرى قريبة، وربما كانوا هدف القصف. سقطت قنبلة بمدرستهم لكن الشهود لم يفيدوا بسقوط مصابين أو قتلى من المقاتلين.

قال شاهد آخر من تل رفعت إن القصف استمر في البلدة في الليلة التالية وأثناء يوم التاسع من أغسطس/آب، ما دفع مئات السكان إلى النزوح إلى تركيا.

تفجير أخترين: إصابة 7 أشخاص على الأقل
محمود، 47 عاما، تعرض لإصابات عديدة من شظايا في كل أنحاء جسده، عندما قصفت مقاتلة من طراز ميج شارع في قرية أخترين، في ريف حلب. محمود الذي يخضع لعلاج طبي في تركيا، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه ذهب في يوم 8 أغسطس/آب، مع ابنه البالغ من العمر 15 عاما، قبل وجبة العشاء. قال:

فجأة، رأينا طائرة. كانت تحلق فوقنا، ومعظم الناس فروا إلى منازلهم في الحال. كان منزلنا بعيدا جدا، لذا لم يكن لدينا أي مكان نهرب إليه. سمعت تفجيرا هائلا، ورأيت وميضا ضخما أمام عيني، وأجزاء معدنية تتطاير حولي، وسقطت على الأرض متألما. كنت مغطى بالدماء. لم يصب ابني بأذى، لكنه كان مرعوبا – اعتقد أنني كنت ميتا، وكان يصرخ طلبا للنجدة.

وقال شاهد آخر من القرية، نقل محمود إلى مستشفى ميداني في قرية قريبة على الحدود التركية، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن الحفرة التي أحدثها القصف في الأرض كان عمقها يصل إلى 3 أمتار، ونصف قطرها حوالي 50 مترا (وجد محمود على مسافة 50 مترا من موقع انفجار القنبلة). قال إن نفس القنبلة أصابت 6 أو 7 أشخاص ودمرت منازل قريبة.