أوردت منظمة هيومان رايتس ووتش ان هجمات الجيش السوداني والمتمردين على المدنيين في دارفور تزايدت خلال الأسابيع القليلة السابقة بصورة لافتة، من دون مؤشرات على تراجعها. وقالت المنظمة ان الحكومة السودانية والقوات المتحالفة معها وفصائل التمرد يجب ان توقف اعتداءاتها على المدنيين، وقالت أيضاً إن على الحكومات المعنيّة بالأوضاع في السودان -والتي لا تزال تركّز اهتمامها على الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان - يجب ان تضغط من أجل وقف الهجمات على المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها.

 وقال دانيال بيكيل، مدير قسم أفريقيا في منظمة هيومان رايتس ووتش: "إن الأوضاع في دارفور شهدت تدهوراً حاداً في الوقت الذي ينشغل فيه المجتمع الدولي بالاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان." وأضاف بيكيل قائلاً: "إن المنظمة لاحظت عودة أنماط العنف التي كانت سائدة في دارفور في السابق باستهداف المدنيين من جانب القوات الحكومية وقوات التمرد."

أوردت هيومان رايتس ووتش أيضاً ان القوات الجوية والبريّة التابعة للحكومة قد اشتبكت مع قوات التمرد في 25 يناير 2011 حول مدينة تابيت، شمالي دارفور. وأفادت تقارير بأن القتال قد أسفر عن تدمير ثماني قرى وتسبّب في نزوح آلاف السكان من المنطقة.

وقالت المنظمة كذلك إن القوات الحكومية وقوات التمرد في تبيت ومناطق أخرى قد شنت، منذ مطلع شهر ديسمبر الماضي، هجمات استهدفت خلالها مجموعات إثنية محددة وسط السكان في هذه المناطق. وتسبّبت هذه الهجمات في وقوع قتلى وجرحى وسط المدنيين، وتسببت أيضاً في تدمير ونهب ممتلكات السكان، فضلا عن فرار الآلاف منهم باتجاه معسكرات النازحين والمناطق الآمنة.

وكان القتال قد تجدد بعد ان قطعت الحكومة السودانية علاقاتها مع "جيش تحرير السودان"، الموالي لمني أركو مناوي، الذي وقّع اتفاق سلام مع الحكومة عام 2006، وتم تعيينه مستشاراً خاصاً للرئيس عمر البشير، ورئيسا لــ"السلطة الانتقالية لدارفور". وكانت العلاقات بين الحكومة ومناوي كانت قد تدهورت أواخر عام 2010، الأمر الذي أدى إلى استبعاده من الحكومة مطلع ديسمبر الماضي.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى ان أعمال العنف التي حدثت خلال شهر ديسمبر فقط أسفرت عن نزوح نحو 40000 شخص، احتمى معظمهم بقواعد تابعة لبعثة الإتحاد الأفريقي/الأمم المتحدة UNAMID  في خور أبشي وشعيرية وشنقلي طوباي.

ولا تزال الحكومة السودانية تفرض قيوداً على وصول منظمات العون الإنساني إلى مناطق النزاع، بما في ذلك تبيت، التي شهدت مواجهات 25 يناير. و لا تزال الحكومة تحظر الوصول إلى أجزاء واسعة من مناطق شرق جبل مرة منذ مطلع عام 2010، كما انها هاجمت مدنيين ينتمون إلى قبائل الفور التي تشكل أغلبية. وحظرت السلطات كذلك منظمات العون الإنساني من الدخول إلى منطقتي ودعة وخزان جديد، الواقعتين في المنطقة بين شمال وجنوبي دارفور.

المواجهات المسلحة في ديسمبر في الممر بين شمال وجنوب دارفور

بدأ القتال في الممر بين شمال وجنوب دارفور في 8 ديسمبر 2010، إثر كمين نصبه مقاتلو فصيل جيش تحرير السودان، التابع لمني أركو مناوي، لقافلة كان بها حاكم شمال دارفور، في الطريق بين شنقلي طوباي والفاشر، عاصمة شمال دارفور. وأسفر الكمين عن مقتل جنديين من القوات الحكومية وثلاثة من مقاتلي قوات التمرد.

ربما يكون الكمين رداً على تعليقات أدلى بها حاكم شمال دارفور، يوسف كبر، في خطاب ألقاه بمناسبة تخريج مجموعة من قوات الدفاع الشعبي، وهي قوات شبه عسكرية قاتلت إلى جانب الجيش السوداني خلال الحرب الأهلية، التي استمرت سنوات، وخلال النزاع في دارفور.

ويُعتبر هذه الممر استراتيجيا بسبب أهميته كطريق يربط بين عاصمتي شمال وجنوب دارفور، فضلاً عن كونه الطريق الذي يربط بالطرق الأخرى إلى جبل مرّة، معقل قوات التمرد، خصوصا تلك التي يشكّل الفور غالبية أفرادها. وهي كذلك منطقة ظل يدور فيها قتال مكثف بين القوات الحكومية وقوات جيش تحرير السودان الموالية لعبد الواحد النور.

رداً على الكمين الذي وقع في طريق شنقلي طوباي-الفاشر، بدأت القوات الحكومية هجمات واسعة النطاق على مناطق تسيطر عليها قوات جيش تحرير السودان في منطقة خور أبشي والقرى المحيطة بها جنوبي دارفور. تضمّنت الهجمات قصف جوي بطائرات الانتونوف، أعقبته هجمات بواسطة قوات مشاة بقيادة جنود تابعين للقوات الحكومية على متن ما يزيد على 12 مركبة عسكرية بالإضافة إلى مئات من أفراد ميلشيات موالية لهذه القوات كانوا يمتطون جياد وجمال. أسفرت تلك الهجمات عن مقتل اثنين من المدنيين وجرح عشرات، بالإضافة إلى إلحاق دمار بممتلكات السكان، خصوصاً الذين ينتمون لمجموعة الزغاوة الإثنية، الذين تتعامل معها الحكومة على اعتبار أن لها صلة بجيش تحرير السودان.

وقال قرويون في هذه المناطق لهيومان رايتس ووتش ان قوات جيش تحرير السودان لم تكن في المنطقة عندما شنت القوات الحكومية هجومها. تجدر الإشارة هنا إلى ان القوات المسلحة ملزمة بموجب القانون الإنساني الدولي باتخاذ كافة التحوطات الممكنة لحصر هجماتها على الأهداف العسكرية وليست على المدنيين. وتقول هيومان رايتس ووتش ان القوانين تحرّم الهجوم عمداً على المدنيين وممتلكاتهم، وأن المسؤولين عن شن مثل هذه الهجمات إنما يرتكبون جرائم حرب.

وقال شاهد عيان من سكان منطقة خور أبشي لهيومان رايتس ووتش انه شاهد جنود القوات الحكومية ينهبون سوق المدينة ويضربون السكان بالعصي. ومن بين الذين تعرضوا للضرب زوجة الشخص المذكور، التي اُصيبت في رأسها، كما اُصيب أيضاً كثير من النساء والأطفال. وأضاف أيضاً انه شاهد في 11 ديسمبر 2010 جنود الحكومة يفتحون نيران مدفع سريع الطلقات من على مركبة عسكرية على مناطق آهلة بالسكان، ما أسفر عن مقتل شخصين وجرح ما يزيد على 12 مدنياً.

وقالت اُم لطفلين تسكن نفس المنطقة، إن جنود القوات الحكومية توجّهوا إلى السوق وبدأوا يضربون المدنيين، بمن في ذلك عدد من الأطفال والمسنّين، بالعصي وأعقاب البنادق. وأضاف أيضا انه تمكن من اخذ أطفاله وبعض الملابس قبل ان يلوذ بالفرار، في ما احرق المهاجمون بقية أغراضهم.

أسفرت عمليات النهب والتخريب التي قامت بها القوات الحكومية في المدينة عن حرق ما يزيد على 60 منزلا وتشريد آلاف الأشخاص من المنطقة. لاذ كثيرون بمعسكر بعثة الأمم المتحدة/الإتحاد الأفريقي، وأطلقت القوات الحكومية النار على مدنيين كانوا في طريقهم إلى المعسكر، في محاولة لمنعهم من دخوله. كما ان قوات حكومية وقفت أمام المعسكر سعياً لمنع المدنيين من الوصول إلى المعسكر.

شن هجمات على المدنيين ومنعهم من البحث عن ملاذ آمن تُعتبر من الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي. كما ان منع المدنيين من دخول مجمع قوات الأمم المتحدة/الإتحاد الأفريقي UNAMID يشكل أيضا خرقاً لاتفاقية وضع القوات الموقّعة بين الحكومة السودانية والأمم المتحدة. وتناشد هيومان رايتس ووتش بعثة الأمم المتحدة/الإتحاد الأفريقي المشتركة الضغط على السودان لحمله على ضمان أمن أفراد بعثة حفظ السلام والمدنيين الذين يسعون للحصول على المساعدة من البعثة.  

عقب الهجمات التي حدثت في منطقة خور أبشي دار قتال بين القوات الحكومية وعدد من فصائل التمرد خلال شهر ديسمبر 2010 في عدة مواقع، مما تسبّب في نزوح المزيد من المدنيين من ديارهم. ففي منتصف ديسمبر بدأت القوات الحكومية سلسلة هجمات على مدينة شنقلي طوباي، التي تضم عددا كبيرا من النازحين، كما حاصرت عدداً من القرى وتسبّبت بذلك في نزوح آلاف السكان. وفي 26 ديسمبر شنّت قوات حكومية من على متن مركبات لاندكروز وقوات موالية لها على ظهر جياد وجمال هجمات على المناطق التي يقطنها الزغاوة بمدينة شنقلي طوباي. ومارس المهاجمون مضايقات للمدنيين واغتصبوا فتاة عمرها 16 عاما، ما اضطرها للبحث عن رعاية طبيّة.

وشنّت في الوقت نفسه قوات تابعة لجيش تحرير السودان هجوما على مجموعات تنتمي لقبيلة البرقِد، التي يعمل بعض أفرادها في الجيش السوداني وقوات الدفاع الشعبي، وتُعتبر أفراد هذه المجموعة موالون للحكومة السودانية. وتسبّب هجمات قوات التمرد على جقارا والقرى المحيطة بها في وقوع إصابات وسط كثير من المدنيين، حسبما علِمت هيومان رايتس ووتش من مصادر من مجموعة البِرقِد ومصادر حكومية. وأسفر هجوم للمتمردين، في 18 ديسمبر، على نقا وجقارا عن مقتل ثمانية مدنيين على الأقل.

هجوم على معسكر للنازحين

اقتحمت قوات تابعة للجيش السوداني، في 23 يناير 2010، معسكر زمزم للنازحين، بشمال دارفور، بعد محاصرته. وحاصرت القوات الحكومية واعتقلت 37 شخصاً، ولا يزال 27، على الأقل، من هؤلاء قيد الاعتقال. وتلقّت هيومان رايتس ووتش تقارير تفيد بأن القوات الحكومية اقتحمت منازل مدنيين ونهبت ممتلكات السكان واعتدت بالضرب عليهم، ما أسفر عن مقتل شخص واحد.

وصرّحت الحكومة علناً بأن تلك العملية كانت تهدف لاستعادة أسلحة وإلقاء القبض على "عناصر إجرامية". لكنها لم تخطر بعثة الأمم المتحدة بذلك، على الرغم من ان متطلبات اتفاقية وضع القوات المبرمة بين السودان وبعثة حفظ السلام تنص على التشاور بشأن الأعمال المتعلّقة بمعسكرات النازحين.

خلفية

توقّفت عملية السلام في دارفور، وعجزت الحكومة السودانية وفصائل التمرد عن الاتفاق حول بنود رئيسية. إذ قطع جيش تحرير السودان، فصيل مناوي، مطلع ديسمبر 2010، علاقته رسميا مع الحكومة بعد ان صرّح وزير الدفاع السوداني، عبد الرحيم محمد حسين، بأن مقاتلي جيش تحرير السودان "هدف عسكري شرعي"، مع العلم بأن فصيل مناوي وقّع مع الحكومة اتفاق سلام دارفور عام 2006. واعتقلت قوات حكومية عدداً من كوادر فصيل مناوي في شمال وجنوب دارفور، كما ان الرئيس البشير أبعد مناوي في موقعه في الحكومة.

انتهجت الحكومة السودانية، في نفس الوقت، استراتيجية جديدة في دارفور، ونادت بأن تكون عملية السلام محلية ونادت بالتنمية وإعادة التعمير وتسريع خطوات عملية عودة النازحين وتوفير الأمن بواسطة الحكومة في المنطقة. إلا ان حركات التمرد وغالبية النازحين تعارض خطة الحكومة بسبب استمرار النزاع وغياب الأمن على الأرض.

على الرغم من تزايد حدة القتال والهجمات على المدنيين في الآونة الأخيرة، فإن جورج كاربنتير، مدير العملية الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، قال في 23 يناير إن الوضع الأمني في دارفور يشهد تحسناً. واجتمع مجلس الأمن في 26 يناير لمناقشة السلام والأمن في السودان.

الحكومة السودانية لم تنفّذ التزاماتها بنزع سلاح الميلشيات، كما انها لم تنجح في إحداث أي تحسن في الجوانب المتعلّقة بالمساءلة حول الانتهاكات السابقة والمستمرة لحقوق الإنسان. يُضاف إلى ذلك، انها لم تحاكم أياً من الذين شاركوا في الهجمات الوحشية مطلع سبتمبر 2010 الماضي على تبرات، في شمال دارفور، وهي الهجمات التي تسبّبت في مقتل ما يزيد على 37 مدنياً. كما ان الحكومة لم تتخذ خطوات ملموسة في تنفيذ التوصيات التي أصدرتها لجنة الإتحاد الأفريقي العالية المستوى حول النزاع في دارفور -لجنة امبيكي- التي نصّت على إقامة محاكم مختلطة وإجراء إصلاحات قانونية بهدف تطبيق العدالة في إقليم دارفور.

وقال بيكيل: "يجب تهنئة الرئيس البشير والشعب السوداني على إجراء الاستفتاء السلمي حول انفصال جنوب السودان، إلا ان إجراء الاستفتاء بتلك السلاسة لا يعفي قادة السودان من الاهتمام بالانتهاكات المستمرة في دارفور". وأضاف بيكيل قائلا: "يجب على الحكومات المعنية بالوضع في السودان ان تضغط على الحكومة في الخرطوم، وعلى حركات التمرد لحملها على وقف الاعتداءات على المدنيين في دارفور، والسماح لمنظمات العون الإنساني بالوصول على المناطق المتأثرة وضمان المساءلة على جرائم الحرب."