قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على الجهات المانحة لقوات الأمن في الضفة الغربية أن تربط بين تقديمها للمساعدات وبذل الجهود الملموسة لوضع حد للإساءات الجسيمة التي ترتكبها كل القوات. وعلى المانحين أثناء تقديم المساعدات الأمنية والتدريب أن يطلبوا من السلطات في رام الله بناء مؤسسات لإنفاذ القانون تلتزم الشفافية والمحاسبة وتراعي المعايير الدولية لحقوق الإنسان

ومن المُقدر أن يقوم أكثر من 40 مسؤولاً رفيعي المستوى من دول الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والولايات المتحدة ومن جهات أخرى، بالاجتماع بمسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين في 24 يونيو/حزيران 2008 في برلين في مؤتمر يهدف إلى دعم الشرطة المدنية الفلسطينية وسيادة القانون في الضفة الغربية.

وقالت سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إن اجتماع برلين يعد فرصة لتعزيز تدابير حماية حقوق الإنسان للفلسطينيين في الضفة الغربية، وهم يكابدون إساءات ترتكبها قوات الأمن الفلسطينية والإسرائيلية أيضاً". وتابعت قائلة: "وعلى المانحين ربط تقديمهم للمساعدات باتخاذ خطوات ملموسة للقضاء على الاعتقالات سياسية الدوافع والتعذيب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة التي تزايدت على مدى العام الماضي".

ويركز المؤتمر على الشرطة المدنية التي يبدو أنها أقل القوى الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية إساءةً للأشخاص، حسب ما قالت هيومن رايتس ووتش. إلا أن هذا يُعد جزءاً من جهد دولي شامل يرمي إلى تعزيز سلطات فتح في رام الله باعتبارها بديلة لحماس وباعتبارها طرفاً في المفاوضات مع إسرائيل.

وقالت سارة ليا ويتسن: "تتحسن أوضاع الشرطة المدنية وتستحق بالتالي الدعم، لكن القطاعات الأخرى من الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية ترتكب انتهاكات جسيمة في ظل إفلاتها من العقاب". وأضافت: "ويجب على المانحين القلقين على سيادة القانون أن يأخذوا هذا في اعتبارهم".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن انتهاكات قوات الأمن في الضفة الغربية قد تزايدت كثيراً على امتداد العام الماضي، كجزء من حملتها على حماس. وقد عانى أعضاء فتح ومناصريها في غزة – التي تديرها حماس – من نفس الإساءات.

يُذكر أن هيومن رايتس ووتش تتناول الإساءات في الضفة الغربية وقطاع غزة في تقرير جديد من المُقدر إصداره في يوليو/تموز. وينتقد التقرير قوات الأمن التابعة لكل من فتح وحماس جراء ممارسات الاعتقال والاحتجاز التي يمارسها الطرفان في انتهاك للقانونين الفلسطيني والدولي لحقوق الإنسان.وقد نفذت قوات الأمن في الضفة الغربية مئات الاعتقالات دون أوامر توقيف. وفي العادة يرتدي عناصر الأمن الأقنعة ولا يُعرفون أنفسهم، ولا يخطرون الشخص الموقوف بسبب اعتقاله. وفي حالات كثيرة لم تتلق العائلات معلومات رسمية عن أماكن أقاربهم المُعتقلين.

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش وجماعات حقوقية محلية عمليات تعذيب المحتجزين، خاصة أثناء الاستجواب، ومنها حالة تعذيب انتهت بمقتل المُحتجز. وتشمل أساليب التعذيب ادعاء إعدام المُحتجز، والركل واللكمات والضرب بالعصي والأنابيب المعدنية والخراطيم المطاطية.

وفي إحدى الحالات التي وقعت في فبراير/شباط 2008، استدعت المخابرات العامة رجلاً ساعد حماس في انتخابات 2006، فذهب إلى مقرها في رام الله. وبعد استجوابه بشأن حماس وزعماء حماس بدأ الضرب، وقال لـ هيومن رايتس ووتش:

"جاء محققان معهما أنابيب مياه. أمرا شخصاً في ثوب عسكري أن يجلس على ساقيّ ثم قاما بضربي على أخمص قدمي... دفعت صاحب الزي العسكري جانباً فضربوني على كل جزء من جسدي، دون توجيه أسئلة إليّ".

وأفرجت المخابرات عن الرجل بعد عشرة أيام دون نسب أية اتهامات إليه، بعد أن وقع على وثيقة وعد فيها بقطع كل صلاته بحماس. ولم يُتهم قط بارتكاب أية جريمة، ولم يمثل أمام قاضي تحقيق أو تمكن من مقابلة محام.

وأكثر أشكال التعذيب تكراراً التي عرفت بها هيومن رايتس ووتش هي إجبار المحتجزين على الوقوف في أوضاع مُنهكة لفترات مطولة، وهو الوضع المعروف باسم "الشبه"، مما يتسبب في الألم والإصابات الداخلية في بعض الأحيان، لكن لا يُخلّف أية علامات على الجسد. ومن هذه الأوضاع الوقوف لساعات مع المباعدة ما بين القدمين مع ربط اليدين من خلف الظهر، والوقوف على ساق واحدة مع رفع إحدى الذراعين، أو الجلوس على طرف مقعد مع ربط اليدين إلى القدمين.

وكثيراً ما انتهكت قوات الأمن في قطاع غزة إجراءات التقاضي السليمة المكفولة بموجب القانون الفلسطيني. إذ أن السلطات كثيراً ما مكّنت المحتجزين من مقابلة المحامين أو جعلت المحتجزين يمثلون أمام الادعاء خلال 24 ساعة. وحين تأمر المحاكم بالإفراج عن المحتجزين، تمتنع قوات الأمن أحياناً عن تنفيذ الأوامر.

وقال مسؤولون أمنيون في الضفة الغربية لـ هيومن رايتس ووتش إنه ليست ثمة أية أجندة سياسية وراء الاعتقالات. لكن الواضح أن الحملة استهدفت أشخاص على صلة بحماس. وتم الإفراج عن بعض المحتجزين بعد التوقيع على وثائق تقطع كل صلاتهم بحماس، مما يشير إلى وجود دوافع سياسية وراء اعتقالهم.

وشملت غالبية الحالات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوق الإنسان الفلسطينية تورط الأمن الوقائي، وهي قوة شبه رسمية تتعامل مع الجماعات المسلحة والجرائم السياسية، كما تورطت أيضاً المخابرات العامة.

وجهاز الأمن الوقائي بإدارة زياد هب الريح مسؤول أمام وزير الداخلية عبد الرازق اليحيى مباشرة. أما المخابرات بقيادة توفيق الطيراوي فهي مسؤولة أمام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وبموجب المادة 39 من القانون الأساسي الفلسطيني، وهو الدستور الانتقالي، فالرئيس هو القائد الأعلى لكل القوات الفلسطينية.

وما زالت مصادر تمويل الأمن الوقائي والمخابرات العامة غير معروفة. وقد انتهت المخابرات العامة مؤخراً من بناء مقر معهد تدريبي حديث في أريحا.

ويعتبر مؤتمر برلين لدعم الشرطة المدنية وسيادة القانون بمثابة متابعة لمؤتمر تم عقده في باريس في ديسمبر/كانون الأول 2007، وفيه تعهد المانحون بتقديم 5 مليارات يورو لمساعدة السلطة الفلسطينية التي تديرها فتح.

ويمول الاتحاد الأوروبي حالياً – وهو أكبر جهة مانحة للسلطة الفلسطينية – مشروعاً بقيمة ملايين اليورو يُدعى مكتب الاتحاد الأوروبي لتنسيق السياسة لدعم الشرطة الفلسطينية، أو "يوبول كوبس". ويساعد المشروع الشرطة المدنية ويقدم لها المشورة، وينسق المساعدة الدولية للشرطة، ويقدم المشاورات الخاصة بالعدالة الجنائية.

ويعمل مشروع يوبول كوبس على تدريب 800 عنصر من وحدة النظام العام بالشرطة المدنية، ويشمل التدريب منهج خاص بحقوق الإنسان. ويخطط المشروع للعمل بمجال البنية التحتية الخاصة بالسجون وعلى المساعدة في تطوير إطار عمل قانوني للشرطة.

وتقود الولايات المتحدة مبادرة تعزيز قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية، بتنسيق من منسق الأمن الأميركي الجنرال كيث دايتون. وقد تعهدت بتقديم 60 مليون دولار تقريباً على شاكلة تدريب ومساعدات لقوات الأمن الوطني والحرس الجمهوري التابع لعباس.

وقالت سارة ليا ويتسن: "تقدم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما من المانحين نقوداً كثيرة تصب في صالح إصلاح القطاع الأمني الفلسطيني". وأضافت: "وعليها أن تضمن أن هذه النقود تساعد على بناء قوات أمن لا تنفذ عمليات تعذيب أو احتجاز تعسفي، وأن تكون مسؤولة أمام قضاء مستقل".

ولا يتصدى مؤتمر برلين لمسألة المساعدات الممنوحة لغزة، لكن المانحين لسلطات حماس الحاضرين في المؤتمر عليهم أيضاً ربط تقديم المساعدات بإجراء تحسينات بمجال حقوق الإنسان توجد حاجة ماسة إليها، بما في ذلك وضع حد للاعتقالات التعسفية والتعذيب، حسب ما قالت هيومن رايتس ووتش.